أيها الإخوة في الله، إن الابتهاج بالعيد نعمة لا يستحقها إلا الشاكرون، وما الشكر عليها إلا صمود لنوائب الدهر، ويقظة لدسائس العدو، وعمارة للأرض بنشر دين الله. ومن هنا ـ أيها الإخوة ـ فإن أعياد المسلمين يشارك فيها حق المشاركة ويبتهج فيها صدق الابتهاج أهل الطاعات من الصائمين والقائمين والركع السجود. أما من لم يصم لله عاصيًا، أما من لم يقم بما أوجب الله عليه معرضًا فلا عيد له ولا بهجة، ولا فرحة يستحقها ولا سرور. العيد مناسبة لتجديد أواصر الرحم بين الأقرباء، وتفقد حبال الود مع الأصدقاء، تتقارب القلوب على المحبة، وتجتمع الأفئدة على الألفة، وترتفع عن الضغائن وتنسى الأحقاد.
في العيد تنطلق السجايا والميول على فطرتها، وتبرز العواطف والعادات على حقيقتها، وقد قيل: من أراد أن يرى أخلاق الأمة فليراقبها في أعيادها. والمجتمع السعيد الصالح هو الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروة، وتمتد فيه مشاعر الإخاء إلى أبعد مدى، حيث يبدو في العيد متماسكًا متعاونًا متراحمًا، تخفق القلوب فيه بالحب والوفاء، وتنبض بالبر والصفاء.
فاتقوا الله أيها المؤمنون، وودعوا شهركم، وابتهجوا بعيدكم، بالبقاء على العهد، وإتباع الحسنة الحسنة، فإن ذلك من علامات قبول الطاعات، وقد ندبكم نبيكم عليه الصلاة والسلام بأن تتبعوا رمضان بست من شوال، فمن فعل ذلك فكأنما صام الدهر كله، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، وثَمَّة كلمة أخيرة نخص بها أمهاتنا والأخوات، ندعوهن فيها إلى العودة إلى الحياء، وإلى التجمّل والتزيّن بالسِّتْر، فإننا نرى كثيرًا منهن إلى البذاءة سائرات، وفيما يغضب الله ماضيات، ملابس وأقمشة غالية، وأجسام وأبدان شبه عارية، قد شققن الثياب من كل ناحية، وفتحن الملابس من كل جهة، قص للشعور وتقصير للثياب، وتفنّن في نزع الجلباب والحجاب، وجوه تحمر وتصفر، وأصباغ للرموش وعدسات للعيون، ألا فليرجعن إلى الحياء، وليعدن إلى الفضيلة، فإن المجتمعات ما عانت من المصائب والمحن ولا انتشرت فيها الفتن والإحن إلا يوم ضاع منها الحياء، وصدق الذي لا ينطق عن الهوى حيث قال: (( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ).
ألا فاتقين الله يا إماء الله، واتقوا الله أيها الأولياء، يا من تركتم لنسائكم الحبل على الغارِب، وأطلقتم لهن العَنَان، يلبسن ما شئن، ويفصّلن ما أردن، يذهبن للسوق وحدهن، ويختلطن بالبائعين، ويضاحكن العمال والخياطين، لا رقيب ولا حسيب، ولا آمر ولا ناهي، أنسيتم أنكم عنهن مسؤولون، وأمام الله في القيامة موقوفون، وعلى تقصيركم وتهاونكم نادمون؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4639)
عبد الفتاح بن سعد عياش
المدية
مسجد الإمام مالك بن أنس
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
ثم أما بعد: عبادَ الله، فقد امتن الله سبحانه وتعالى على الثقلين ببعثة نبينا محمد رحمةً منه عز وجل لخلقه، مصداقًا لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ، فأخرج الله بهذا النبيّ الأمي عليه أفضل الصلاة والتسليم الناسَ من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن العذاب إلى الرحمة، بعدما اجتالتهم الشياطين عن صراط الله المستقيم، فأشرقت الأرض بنور الرسالة المحمّدية، ورغمت أنوف المبطلين، وانخنس الكفر وأهله، مصداقًا لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] .
وقد كان في مقدّمة ركبِ الشيطان ممّن شَرِقَ بالبعثة المحمدية ـ على رسولها أفضل الصلاة والسلام ـ بعضُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقد امتلأت قلوبهم غيظًا وحقدًا وحسدًا للإسلام وأهله مصداقًا لقوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109] ، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:31] ، وقال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] . وهؤلاء الظالمون المعادون لدين الإسلام وللبشير النذير هم في حقيقة الأمر يقومون بأكبر جريمة في تاريخ البشرية؛ إذ إنهم يحولون بين الناس وبين أكبر نعمة امتنّ الله بها على الإنسانية، ألا وهي نعمة الإسلام، كما أنهم في ذات الوقت يعرِّضون من سار في ركابهم واتبع ضلالهم لسخطِ الجبار عز وجل ومقته في الدنيا والآخرة.
وإن المتأمل في الوقائع والحوادث في ماضي الزمان وحاضره ليظهر له بجلاء عداوة وكيد فئامٍ من أهل الكتاب من اليهود والنصارى للأمة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وتزداد عداوة بعض المغضوب عليهم والضالين للمسلمين ويزداد جنونهم وجنوحهم عن قواعد العدل والعقل والحق كلما ازداد انتشار الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فعند ذلك يزداد حقدهم وحسدهم، وتطيش أحلامهم وأفهامهم، فتتوالى من قِبَلهم الحملات الجنونيّة الظالمة على كل ما هو مقدَّس ومعظَّم في دين الإسلام، وكان من آخر ما حدث في هذا المجال الحملة الظالمة الآثمة التي تولّى كِبرَها وحَمَلَ لواءَها بعضُ وسائل الإعلام المقروءة في دولتي الدنمارك والنرويج، عندما أظهرت سيّد البشرية ـ فديناه بالآباء والأمهات ـ في بعض الرسومات الكاريكاتيرية الساخرة المسيئة، متجاوزةً حدود المنطق والعقل، ومنفلِتة من كل القيَم والمبادئ والأعراف، في استهتارٍ واضح بدين الإسلام الذي يَدين به ما يزيد على المليار نَسَمة من البشر على ظهر المعمورة.
بالله، ماذا يبقى في الحياة من لذة يوم ينال من مقام محمد ثم لا ينتصر له ولا يُذاد عن حياضه؟! ماذا نقول تجاه هذا العداء السافر والتهكم المكشوف؟! هل نغمض أعيننا ونصم آذاننا ونطبق أفواهنا وفي القلب عِرق ينبض؟! والذي كرم محمدًا وأعلى مكانته، لبطن الأرض أحبّ إلينا من ظاهرها إن عجزنا أن ننطق بالحق وندافع عن رسول الحق. ألا جفّت أقلام وشُلّت سواعد امتنعت عن تسطير أحرفٍ تذود بها عن حوضِه وتدافع عن حرمته.
فإن أبي ووالده وعرضي…لعرض محمد منكم فداء
عرض نبينا وسيدنا وقدوتنا وإمامنا وحبيبنا فيها ينتقص وينتهك؟! صحف دنماركية تعبث بمقامه؟! ومقامه مقام الخلّة؛ فهو أحب الخلق إلى الله تعالى. فيا ويلهم من الله تعالى حيث قال: (( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) )، وأكبر الأولياء وسيدهم محمد بن عبد الله . فالله تعالى قد آذنهم بالحرب، اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.