(13) مجلة العربي، عدد 256، ربيع الثاني 1400هـ -مارس 1980م
أتساءل كثيرًا لماذا نحن العرب المسلمين دائمًا نعجب وننجذب للتاريخ الغربي الأوروبي؟! ونجد أيدينا تسارع لقراءة أحداث التاريخ الأوروبي الذي يحدثنا عن قصة الصراع الطبقي الذي كان محتدمًا في القرون الوسطى، وحرب المئة عام التي تعد من أطول الحروب التي نشبت في التاريخ، ودارت رحاها بين فرنسا وانجلترا، ويحدثنا ذلك التاريخ عن الصراع بين السلطة الدينية والدنيوية، ومن ثم بزوغ نجم «النهضة الأوروبية» التي أفرزت «ليونارد دافنشي تطمح للديموقراطية، ومحاربة الاستبداد، ثم تجذبنا انتصارات نابليون بونابرت وإقامته لإ الأحداث التي تعد علامة مميزة في جبين التاريخ الغربي الأوروبي.
ويظل السؤال قائمًا بإلحاح: ما سبب إعجابنا بالتاريخ الغربي الأوروبي؟ وما سبب إهمالنا وابتعادنا عن تاريخنا العربي الإسلامي؟! وللإجابة عن هذا السؤال لدينا العديد من المبررات التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولا: التاريخ الإسلامي
تاريخ دين ودولة
لا يعد ا
ونتيجة لأن تاريخنا الإسلامي يجمع بين الدين والدنيا، وجدنا الكثير من التحريف والتشويه، سواء جا
إن التاريخ الإسلامي يتميز عن غيره من التواريخ بمعالم وسمات أصيلة تهبه شخصية مستقلة، فهو يعبر أكثر من غيره عن حصيلة أوسع ولقاء خلاق بين السماء والأرض، وعن طموح الإنسان المؤمن لإعادة سير التجربة البشرية في مجر وراء الطبيعة، والوحدة والتنوع، والأخلاقية والمنفعية، والفردية والجماعية، والعدل والحرية، والوحي والتجريب، والدنيا والآخرة، والفناء والخلود.
ثانيًا: التاريخ الإسلامي تعرض للتشويه والتحريف
لقد سبق أن قلنا بأن التاريخ الإسلامي عقيدة ودولة، لذلك تعرض للتحريف والأكاذيب، ومما عزز هذا التشويه وجود بعض المستشرقين الذي كانوا كثيرًا ما يثيرون الشبهات حول التاريخ الإسلامي من والمؤرخين المسلمين، ومن المنصفين من غيرهم، بل ربما اعتمدت اعتمادًا كبيرًا ـ إن لم يكن كليًا ـ على منابع غير صافية كتبتها أيادٍ غير أمينة، نتيجة لأهوائهم وأخطائهم في هذا التاريخ، ونقصد بهؤلاء على وجه الخصوص المستشرقين المغرقين من كل الأمم ومن تابعهم من أبناء هذه الأمة.
يقول الدكتور محمد قطب: «.. ومعظم المراجع الحديثة المتأثرة بالمنهج الاستشراقي، من ناحية الشكل نجدها مكتوبة في صورة جذابة مغرية بالقراءة ولكن عيبها من الناحية ويضعون عليها أسماءهم.. فهي في الحالتين صادرة عن أناس لم يتحروا الحقيقة المجردة، بل تجاوزوا
ثم يوضح لنا التواءات المستشرقين بقوله: «ومن التواءاتهم العلمية التي كثيرًا ما يلجأون إليها إساءة تأويل النص ـ عمدًا ـ لاستخراج دلالات لا يحتمله عن المصادر الموثوقة» .
ويقول الدكتور عماد الدين خليل: «إن مناهج البحث الغربية - نصرانية ومادية - لا يمكن بحال أن تقدم تفسيرًا معقولًا شاملًا متماسكًا لتاريخنا الإسلامي، فهي إن نجحت في تفسير وتقويم التاريخ الغربي فستخفق حت التاريخ بل طمسها أحيانًا، وإنكارها أساسًا، في أحيان ثالثة، كعوامل في صيرورة التاريخ البشري.. وهذه المناهج من جهة أخرى تقدم تاريخ العالم كله، وبضمنه
وبعد أن تحدث الدكتور محمد قطب عن تشويه المستشرقين للتاريخ الإسلامي أوضح الهدف من
كما يعد تضارب الروايات التاريخية أحد أسباب تشويه التاريخ الإسلامي وهذ
ثالثًا: الإعجاب بالغرب
إن الإعجاب بالغرب هي مشكلة العالم العربي والإسلامي على السواء حيث نجد أنفسنا تميل إلى استماع أخبار وقصص الغرب رغم مخالفتهم لديننا الإسلامي الحنيف، أو حتى خروجهم على تعاليم الدين النصراني، كذلك عندم شبهاتهم والتواءاتهم دون تمحيص، والتوهم بأن المنهج العلمي لا يتحقق إلا بالتشكيك في كل عمل فاضل وصفة فاضلة وتبني الظنون الفاسدة وإبراز العيوب.
ويقول الدكتور عبدالرحمن الحجي: «إن إعجا
رابعًا: التفسير الإسلامي للتاريخ واقعي
إن التفسير الإسلامي للتاريخ واقعي لذلك لا يتأثر بقيمه، ومثالياته ممكنة الوقوع أساسًا في تفسيره للواقع ـ كما يفعل هيغل وماركس على سبيل المثال ـ إنما يتكلم عن الواقع كما هو، دون تبرير أ الأشياء والواقعية للتاريخ لصياغة العالم المرتجى.
لقد كان المؤرخون المسلمون يلتزمون الأمانة العلمية الخالصة فيثبتون كل ما وصل إلى علمهم من معلومات وإن تعددت الروايات وتناقضت، وإن بعدت عن الاحتمال أحيانًا.. فقد رأوا أن الأمانة تقتضي ألا يهملوا
يقول الطبري ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتابه
خامسًا: تكرار الحادثة الخاطئة في المراجع يجعلها بمرور الوقت حقيقة
قد تكون هناك حادثة أو رواية تاريخية خاطئة أو مكذوبة فيوردها مصدر أو مرجع واحد ثم يأتي بعض المؤلفين والمؤرخين المحدثين ويأخذون بها فتتوثق تلك الحادثة ـ بمرور الوقت وتكرار إيرادها في عدة مراجع ـ وكأنها حقيقة مسلم عليها وكأنها أضحت حقيقة وهي في الأساس خلاف ذلك، ولذا فالتاريخ عامة والتاريخ العربي والإسلامي خاصة ناله بعض التحريف على يد البعض ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ وذلك عند تكرار حدث أو خبر مشكوك في لازمين لتأكيدها الأول: تكرار الحادثة، والثاني: مرور الوقت.
سادسًا:
غياب المصداقية
نتيجة لما حدث للتاريخ الإسلامي من تحريف.. غابت في الكثير من سطوره وفصوله المصداقية، تلك المصداقية التي يحاول الغرب أن يظهر أنه مازال متمسكًا بها.
وتحضرني قصة عربي كان في مدينة «عنابة بالجزائر» وبالتحديد سنة 1384هـ أراد ذلك العربي أن يتملق الفرنسيين بتأليفه مسرحية عن «عبدالقادر الجزائري» وأراد أن يزيف التاريخ و
سابعًا:
الفضول وحب الاستطلاع
قد يكون من أسباب انجذابنا للتاريخ الأوروبي دافع الفضول، وحب الاستطلاع وقراءة أو سماع أخبار العرب، فيسترعي انتباهنا فضائح الكنائس، ونظام الإقطاع الجائر، والنزاع بين السلطتين الدينية والدنيوية، وغيرها من الأحداث والقصص.
وبعد إجابتنا عن هذا التساؤل يلوح في الأفق سؤال آخر مهم ألا وهو «كيف يمكننا إعادة الأنظار إلى التاريخ الإسلامي، والتقليل من إعجابنا بالتاريخ الأوروبي؟!» .
والإجابة عن هذا السؤال تنحصر في تأكيد الاعتزاز بالتاريخ الإسلامي وتنمية ذلك ليكون مطلبًا من أشد متطلبات إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ـ أو عرضه وتحليله ـ وتخريج وتكوين مثقفين للمعرفة والتوجيه. وإن كانت هذه الإجابة المقتضبة لم تف بالغرض إلا أننا سوف نناقش موضوع: «كيف يمكننا إعادة الأنظار إلى التاريخ الإسلامي؟» في مقال قادم بإذن الله.
أبرز المراجع
1-تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك) ، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
2-نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، للدكتور عبدالرحمن الحجي.
3-حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، للدكتور عماد الدين خليل.
4-كيف نكتب التاريخ الإسلامي، للأستاذ محمد قطب.
عبد الله زنجير *
الكتاب: كيف نكتب التاريخ الإسلامي
المؤلف: محمد قطب
عرض: عبد الله زنجير
لعل من أهم الشبهات التي ما تزال تختزل كثيرًا من الطاقات الفكرية والثقافية للمسلم المعاصر، بل وتقف دومًا حجر عثرة أمام مشاريع النهضة الروحية والحياتية. مسببة باستمرار حيرة عقلية ونفسية تتأثر فيها بشكل أو بآخر شخصية المسلم الجديد - ولدى الصحوة الإسلامية- وهو يواجه كل الطاغوت، وهو يجابه كل المادية.