التوازن في الحب، والتوازن في البغض، يساعد على الائتلاف؛ لأنه إعمال لقاعدة: أن الجماعة أو الطائفة والرجل قد يجتمع فيهم الخير والشر وموجبات الحب وموجبات البغض، فيكون الحب بقدر ما فيهم من طاعة، ويبغضوا بقدر ما فيهم من معصية. كما أن التوازن يساعد على النظر الصحيح في تقويم الأخطاء بدون تهوين ولا تهويل، والتوازن في الأمور يجعل المسلم يقبل الحق من الحبيب ومن البغيض، والتوازن في الأمور يجعل عند المسلم القابلية والمرونة في التعامل مع المخالف له في باب التعاون على البر التقوى.
المحور الخامس: توصيات ومقترحات
أشعر بأننا بحاجة ماسة إلى النفاذ إلى برامج عملية لإنزال فقه الائتلاف بيننا؛ لتحصيل الاتفاق في العمل الإسلامي، وهذا يحتاج إلى قدر كبير من الصبر على هذه الفكرة، والصمود عليها، وعدم اليأس من تحقيقها، كما تحتاج الفكرة إلى قدر كبير من الشفافية والصفاء والوضوح؛ لنحصل على وحدة إسلامية حقيقية فاعلة، كما علينا أن نستصحب الواقع الموجود في ساحة العمل الإسلامي من وجود كيانات تخشى التذويب أو التجاوز أو تتوجس خيفة على كيانها وجماعتها.
أقترح وأوصي بالآتي:
(1) إدارة حوار واسع وواضح بين الفصائل والجماعات والأفراد المهتمين بهذا الأمر:
وذلك لإيجاد برنامج حد أدنى، يتفق عليه من النواحي الفكرية والمنهجية، وأن يقود هذه المبادرة العلماء وطلاب العلم والدعاة والمختصون في شكل حوار مثمر ومتأني. وهذا مفيد في أن هذا الحوار الشفاف قد يخرج بالشكل المتفق عليه بين الجميع لوحدة العمل الإسلامي وصور التعاون فيه، وقد يخرج بوثيقة فكرية وكليات منهجية وثوابت شرعية يتفق عليها لتكون دستورًا للجميع في المرحلة القادمة.
(2) نشر أدب الخلاف وفقه الائتلاف وثقافة الوفاق في المرحلة القادمة:
إن من أكبر معوقات الائتلاف هو وجود طلاب حول كل شيخ من الشيوخ وهم الأقرب إلى قلبه ومنهجه، وكذلك في الجماعات، ويظل ارتباط الشيخ بطلابه وآرائه أكبر من جماعة المسلمين ومصلحة الأمة. وكذلك الجماعات فقد تكون قياداتها واعية، ولكن قواعدهم وطلابهم يعتبرون هذا تضييعًا للقضية، ونوعًا من أنواع المداهنة للباطل وإلى غير ذلك من الألفاظ الثورية.
والتعامل مع هذه القضية من أوجه:
(أ) على الشيوخ والقيادات العلمية والدعوية أن يربوا أفرادهم على التوازن، وفقه الخلاف، وفقه الائتلاف من أول الأمر؛ حتى لا ينقلبوا عليهم في مسائل خلافية.
(ب) علينا جميعًا أن نؤثر على الساحة الدعوية، وأن نشكل الجميع، طالما أنهم موجودون في الساحة، وهنا سيحمل الطلاب والقواعد شيوخهم وقياداتهم على الائتلاف.
(3) بناء جسور الثقة بعمل اجتماعي كبير:
قد تبدو الهوة ــ لأول مرة ــ كبيرة بين الفصائل والتيارات الموجودة؛ لأسباب ترجع للتباين المنهجي، مع تباين المواقف، مع الإشكالات والصدام ولو بالكلام في الواقع، وترميم هذه الهوة تحتاج إلى عمل اجتماعي من زيارات ولقاءات وجلسات أنس ومودة تبني شيئًا من الثقة قبل البدء في أي حوار أو نقاش أو مشروع. ويجب أن يكون هذا عفويًا وفي نفس الوقت مرتبًا ليؤدي إلى النتيجة المطلوبة.
(4) التنسيق خطوة نحو الائتلاف:
وأعني بذلك علينا ــ ونحن نتعامل مع واقعنا ــ أن نتفق على أولويات العمل الإسلامي في المرحلة القادمة، ثم تقسم المهام على الجميع، وهذا يحفظ لكل فصيل أو جماعة أو تيار خصوصيته، كما يشغلهم بواجب المرحلة، ويساعد على بناء الأمة، واستثمار جهودهم، وهذا يتطلب مبادرة فكرية تطرح على الجميع وتقسم حسب الطاقات والإمكانات المتاحة والموجودة.
وختامًا أشكر الله تعالى أن يسر لنا هذا الملتقى، ثم أشكر القائمين على أمره، الحادبين على مصلحة الأمة، جزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
(1) الشاطبي في الاعتصام 2/232.
(2) الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية 28/21.
(3) سورة الفتح: 29.
(4) صحيح البخاري رقم 6011، وصحيح مسلم رقم 2586.
(5) صحيح البخاري رقم 481، وصحيح مسلم رقم 2585.
(6) أبو داود رقم 4918.
(7) راجع منهاج السنة النبوية 1/63.
(8) الفتاوى الكبرى 6/53.
(9) طريق الهجرتين ص 286.
(10) راجع مجموع الفتاوى 28/212.
(11) مناقب الإمام أحمد ص 323.
(12) الفتاوى الكبرى بتصرف 22/356ــ360.
(13) الفتاوى الكبرى 19/123.
(14) الفتاوى الكبرى 6/53.
(15) الرسالة للشافعي.
(16) ابن حجر في الفتح 12/376.
(17) منهاج السنة 5/256.
(18) الشاطبي في الاعتصام2/168.
(19) الفتاوى الكبرى 11/15.
(20) الصواعق المرسلة 2/519.
(21) فقه الائتلاف، إعداد محمود محمد الخزندار ص 29.
(22) سورة آل عمران: 103.
(23) أضواءالبيان 1/6.
(24) سورة النور: 12.
(25) سورة الحجرات: 12.
(26) رواه البخاري في كتاب الشروط باب 15 حديث رقم 2731.
(27) الفتح 5/420.
(28) تصنيف الناس بين الظن واليقين، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ص 78.
(29) صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث 6
د. عثمان علي حسن*
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين
الافتراق من آثار الاختلاف ونتائجه وليس من لوازمه، أي يمكن للناس أن يختلفوا مع اجتماع الكلمة وحصول الألفة. وقد اختلف خيار الصحابة في كثير من المسائل العلمية والعملية ولم ينحل عقد الأخوة، ولم ينصرم حبل المودة بينهم، فكان الاختلاف توسعة ورحمة وتنوعًا وإثراء.
الافتراق حالة مرضية كانت في الأمم قبلنا، وهو صفة بارزة في اليهود والنصارى، وقد حُذرنا أن نكون مثلهم: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) [سورة آل عمران:105] ، لكن استفاد متأخروهم من دروس سابقيهم، حتى سعى بابا الفاتيكان ليبرأ اليهود من جريمتهم التاريخية في سفك دم المسيح (على حد زعمهم) . هذه العقيدة التي تطاولت عليها القرون، وتعاقبت عليها أجيال النصارى، يراد لها أن لا تكون عائقًا دون الالتقاء والتعاون، ونحن نملك من أسباب الالتقاء والتعاون والتنسيق ما لا يملكه غيرنا، ونواجه من دواعي ذلك ومبرراته وأسبابه ما يحتم اجتماع الكلمة واتحاد الموقف وتراص الصفوف.
تناسوا اختلافاتهم الدينية والمذهبية والعرقية في سبيل الرقي بمجتمعاتهم. فهل نعتبر من تاريخنا أو تاريخهم؟ (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) [سورة الأنفال: 73] .
الأصل في الإسلام وأهله الاجتماع لا الافتراق، والتعاون لا التصارع، والتآخي لا التعادي، والاتحاد والترابط لا التشتت والتباعد، هذا ما أمر به الإسلام أهله المنتسبين إليه، المتمسكين به.. فلا يوجد دين ولا مذهب دعا إلى هذه الأمور وعُني بها وحرص عليها كما هو الحال عليه في الإسلام..