فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 3028

ويشير الشيخ السديس إلى أن"الصهيونية العالمية رائدة الإرهاب الدولي بلا منازع، ولا سيما في الأرض المقدسة أرض فلسطين المباركة، وهم من قال الله فيهم وفي أسلافهم: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} "، وذلك بقيادتها لمحور الشر الدفين في العالم كله.

الغزو الفكري والغزو المسلح

كان أعداء الأمة الإسلامية قد اكتفوا ولفترة من الزمان بما يسمونه بالحرب الباردة أو الغزو الفكري، والتي كانوا يقتصرون فيها على حرب العقول، ولكن وبعد أن أعدوا فئة من أبناء الأمة الإسلامية للقيام بهذا الدور فقد تفرغوا لِهمٍّ آخر، وعادوا إلى ما كانوا قد بدءوه فور ظهور دعوة الإسلام، وهو الحرب المسلحة، وكأنهم أصبحوا مطمئنين إلى أن هناك من يحمي ظهورهم لا من الخارج وحسب بل ومن الداخل أيضا، ومن يدلهم على أقرب الطرق وأصحها لتدمير هذه الأمة، وفي أسرع وقت.

فقامت هذه القوى المعادية بغزو البلاد وإعمال القتل والتقتيل في العباد دون رقيب أو حسيب، بمعاونة من هم أدرى بشعاب البلدة؛ حيث إن أهل مكة أدرى بشعابها.

ثم يشدد الشيخ السديس على أنه لا نجاة للأمة وأبنائها إلا بالاعتصام بمصدري التشريع الإسلامي، واتباعهم لما جاء في القرآن والسنة.

عبد الرحيم السايح

* من مواليد محافظة قنا بصعيد مصر.

* حصل على الدكتوراه في العقيدة والفلسفة من كلية أصول الدين، جامعة الأزهر.

* عضو اتحاد الكتاب بمصر.

* من مؤلفاته: أضواء على الحضارة الإسلامية- فلسفة الحضارة - هذا هو الإسلام وحاجة الإنسانية إليه - التيارات الفكرية - المعرفة في الإسلام بين الأصالة والمعاصرة - الفضيلة والفضائل - معارك حاسمة في حياة المسلمين - العقاد وفلسفته الإسلامية - أضواء حول الثقافة.

* شارك في مؤتمرات دولية، وندوات مختلفة.

* يعمل بكلية أصول الدين والدعوة جامعة الأزهر وكلية الشريعة جامعة قطر.

تقديم: عمر عبيد حسنه

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، فقال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا ) (الفتح:28) .. وهذا الإظهار، أو الظهور على الدين كله، ليس سبيله القهر، والغلبة المادية، والتسلط، وإلغاء الآخر، وانتقاص كرامة الإنسان، ونسخ اختياره، وإنما سوف يتحقق ذلك بما يمتلك الإسلام من خصائص ذاتية، تلتقي مع الفطرة، وتحقق إنسانية الإنسان، وتحمي كرامته، وتصون حريته، وتحقق له اختياره، وتهديه إلى المنهاج الحق، الذي يشكل دليل التعامل مع الحياة والأحياء، ويستنقذه من الضلالة والشقوة، ذلك أن هذا المنهاج برئ من التعصب، لأنه ليس حكرًا على لون أو جنس، أو قوم، أو جماعة، أو طائفة، كما أنه ليس حكرًا على زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وإنما هو من خالق الإنسان، الذي يعلم كينونته ومتقلبه ومثواه.

لذلك لا يمكن أن يكون وسيلة لتسلط الإنسان على الإنسان، ولا أن يتجاهل حاجة من حاجات الإنسان التي فطره الله عليها، وكأن بين دين الهدى والحق، الذي أنزله خالق الإنسان،والإنسان، تواعد والتقاء، وأن معوقات هذا الظهور للدين، أو هذا اللقاء بالإنسان، إنما تكون بسبب الإنسان نفسه، وما لحق به من الإصابات التي تشكل له حواجز وعثرات، أو بسبب من تخلف أدوات الدعوة، وافتقادها القدرة على التوصيل، والبلاغ المبين.

وحسبنا أن نقول: إن من أهم عوامل ومقومات الظهور والإظهار لهذا الدين، هي في إيقافه عبودية الإنسان للإنسان،وتسلط الإنسان على الإنسان، وتحقيق انعتاق البشر، من إسار اللون، والجنس، والقوم، وعقدة الذنب، والفعل الخاطئ ، أو الخطيئة، ومنحهم القدرة على التوبة والتجاوز والارتقاء، حيث ميزان الكرامة التقوى والعمل الصالح، دون أي اعتبار آخر، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13) .

والصلاة والسلام على المبعوث بالهدى ودين الحق، الذي انتهت إليه أصول الرسالات السماوية جميعًا، فهو ليس بدعا من الرسل، وإنما الهداية والحق الذي جاء به: هو ما وصى الله به، وشرعه طريقًا للنبوة كلها، قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه كبر على المُشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) (الشورى:13) .

لذلك فالذي يؤمن بالإسلام دين الهداية والحق، هو مؤمن بطبيعة الحال بالأنبياء جميعًا، لا يفرق بين أحد من رسل الله، والذي كانت سنته بيانا للقرآن، وسيرته تنزيلًا له على الواقع، لإقامة المجتمع الأنموذج، الذي يسدده، ويصوبه، ويعصمه الوحي، ويربيه الله على عينه، وكفى بالله شهيدًا. وبعد:

فهذا كتاب الأمة الثامن والثلاثون"في الغزو الفكري"، للدكتور أحمد عبد الرحيم السايح، أستاذ العقيدة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر، في سلسلة كتاب الأمة، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في دولة قطر، مساهمة في إيقاظ الوعي الحضاري، وتحقيق الحصانة الفكرية والثقافية، وإعادة بناء المرجعية، وتشكيل مركز الرؤية، في ضوء هدايات وعطاء الوحي، ومعارف وتجارب ومكتسبات العقل، وفك قيود التحكم، والارتهان الثقافي، والاستلاب الحضاري، ومعالجة أسباب التقليد الجماعي، والتخاذل الفكري، الذي يصيب الأمة بالوهن، والعجز عن الإنتاج المأمول، في المجالات المتعددة، الأمر الذي يخلق عندها فراغات، وقابليات لامتداد الآخر، ويجعلها أشبه بالأرض المنخفضة، التي تصب فيها، وتنتهي إليها كل موارد ومواريث الأمم الأخرى. وإننا مهما حاولنا إقامة السدود، وبناء الحدود، ومحطات الإنذار المبكر، أو المتأخر، فسوف لا يجدي ذلك شيئًا، إذا لم نكن قادرين على الإنتاج، والعطاء، سواء في ذلك الداخل الإسلامي، أو الخارج الإنساني.

إن صوت النذير، وصيحات التحذير، بالخطر القادم من الطوفان الإعلامي، والثقافي، والحراسة على الحدود، سوف لا تغني عنا فتيلًا، إذا لم نحسن إعادة البناء، ووضع البرامج والكيفيات، التي ترتقي بأدائنا إلى مستوى العطاء العالمي، إلى مستوى الإسلام والعصر.

ونخشى أن نقول: إن استمرار وامتداد مرحلة التعبئة والتحذير، وضرب طبول الحرب، دون القدرة على صناعة الأسلحة، وامتلاك الشوكات المتعددة، يمكن أن يصنف في النهاية، في إطار المساهمات السلبية، والتمكين لوسائل الغزو الفكري، حيث تتحول هذه التحذيرات والصيحات إلى أدوات نعالج بها أنفسنا، أو نوبخ بها أنفسنا، بشكل أصح، فمن خالف قوله فعله، فكأنما يوبخ نفسه.

والأمر الذي لا بد أن نذكِّر به هنا، أن مسألة الغزو الفكري، لم تعد تفد إلينا، أو تتهددنا من خارج الحدود فقط، أي لم تعد غزوًا من الخارج، ذلك الغزو، الذي يمكن إن أحسنا التعامل معه، أن يستفزنا، ويحرك طاقاتنا، وجمِّع قوانا، ويقضي على الجوانب الرخوة، والشائخة في حياتنا، ويعيد فاعليتنا، ويكون بمثابة منبه، أو محرض حضاري، وثقافي، لواقعنا المتخلف، ويحفزنا على امتلاك القدرة على الصمود، والتجاوز للواقع، والإقلاع من جديد.

إن مسألة الغزو الفكري، لم تعد غزوًا من الخارج كما أسلفنا، وإنما -وهذا هو الأمر الأخطر- جرت وتجري محاولات متعددة الوسائل، لاستنباتها في تربة العالم الإسلامي، وتكييفها مع ظروفه ومناخه الثقافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت