وأما وسائلهم فكثيرة يطول تفصيلها، ويضيق المقام عن حصره، ولكن يمكن التعريج إلى ذكر بعض منها، وبلمحة يسيرة موجزة نذكر أهمها، فمن ذلك الدعوة إلى تنصير وتهويد المسلمين، وإخراجهم من دينهم إلى دينٍ محرف باطل زائف، وحملات التبشير شاهدة على ما يحاك على رداء الإسلام، والاستشراق والتغريب ومحاولة وضع بصمات الغرب في بلاد الشرق، وطبع أهله بطوابع كاسفة غربية دهماء، وأيضًا زرع الفتن والقوميات والعصبيات الجاهلية وإثارتها، وجعلها محورًا مصيريًا يتنازع عليه، ويختلف فيه، وتبذل المهج والأرواح فدًا له، ونشر المسميات والطائفيات والقبليات وعنصرة الناس وتقسيمهم، بحيث يفتح المجال للعدو أن يسيطر فيستنسر حينها البغاث.
ومهما يكن من أمر فإن الأمر خطير، والخطب عظيم، وإنه ليراد بأمتنا أن تنسلخ من دينها، كما قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (217:سورة البقرة) ، فيا ترى هل ستتيقظ الأمة لذلك، وهل ستتناول أسباب الحذر، وحبال الحيطة، أم أنها ستهيم هيام التائهين، وتنام في سبات عميق، حين يجعل أعداؤهم كل أيامهم صباحًا!!.
نسأل الله بمنه وكرمه العظيم أن يردنا إليه مردًا جميلًا، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يهيئ لنا أسباب النصر، ويمكن لعباده الصالحين آمين1.
والحمد لله رب العالمين.
1 للاستفادة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى كتاب: واقعنا المعاصر لمحمد قطب، وأصول ومبادئ الثقافة الإسلامية للأشقر، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي، والعلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة للحوالي، وحصوننا مهددة من داخلها، والإسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسي
لقمان عطا المنان*
الغزو الناعم الغزو الفكري أحد أهم الأسباب التي ساهمت في خلق أزمة هوية لدى الشباب وهذا الغزو هو أحد أبرز أشكال الغزو الحديث والقديم. ومما لا شك فيه أنه ظهر منذ زمن بعيد. وتجلى في زمن الحروب الصليبية. لكنه اليوم يجسد مسارًا بدأ منذ حوالي ثمانين عامًا، وتطور وتوسع إلى أن وصل إلى ما وصل إليه اليوم.
فمع انتهاء الحرب العالمية الأولى أقرت اتفاقات سايكس بيكو تقسيم الوطن العربي إلى دول وإمارات محميات، وبدا واضحًا أن المخطط الاستعماري شمل ليس فقط تقسيم الجغرافيا بل تقسيم الأفكار والانتماءات، وتشجيع الدعوات القطرية والمذهبية المدمرة.
بدأ الغزو الفكري بتصدير النظريات الفكرية كالوجودية الرأسمالية، والماركسية إضافة لتصدير ما أنتجه الفكر الغربي من فلسفة فردية اغترابية.
ولما كان الشباب هم اكثر اقترابًا من الثقافة والتعليم. فقد وقعت في أيديهم هذه الأفكار مبثوثة في الكتب المترجمة والصحافة. وتناولوها معجبين ومشجعين. مما أنتج فيما بعد بعض الحركات والأحزاب والجمعيات التي تتبنى تلك النظريات والأفكار.
وحين نقترب أكثر فأكثر إلى واقعنا، نرى أن الغزو الفكري اتسع كثيرًا جدًا وساهمت في انتشاره وسائل التقنية الإعلامية والاتصالات وانتشار الصحافة والكتب والمجلات بشكل لم يسبق له مثيل.
تعددت أساليب الغزو الفكري وتنوعت واستخدمت فيها عدة وسائل. وكان منها ما هو مباشر وما هو غير مباشر.
*عبدالقادر عمر أحمد_مدير مدرسة
الغزو الفكري ليس هو بجديد على أمتنا،فهو نبت منذ أمد بعيد جدًا،ولكنه متطور يومًا بعد يوم،والأمة في تغط في نوم عميق!!
*عثمان بخاري جبارة_طالب بجامعة الأزهري
الغزو الفكري آثاره واضحة على مجتمعنا المثخن بالجراح،لاسيما في الوقت الحالي الذي يشهد موجات لم تحصل من قبل بعد أن كان مجتمعنا لا يعرف غير العادات والتقاليد السمحاء التي هي أقرب للإسلام،ولكن ما الذي جرى الآن؟؟إنه الغزو الفكري الذي دخل كل بيت بقوة وقد وجد استقبالًا حارًا من الكثيرين!!
*آثار الغزو الفكري
إن لدى الأعداء بضاعة يقدمونها ويصدرونها إلى الضعاف وهي كل ما يسلب الأخلاق ويدمر القيم ويذل الأمة ويخدر شبابها ويميع أبناءها وكثيرا من الدويلات تظن نفسها من التحضر والتقدم بمكان بينما أبناؤها عبيد أرقاء شاءو أم أبوا تشهد على ذلك مدارسهم، ومناهجهم، ومكاتبهم، وبيوتهم، وأسواقهم ومجتمعهم، ومحاكمهم قوانين فرنسية ومحاكم دستورية فرنجية وتقليد للمستعمر في اللباس وفي العمارة والتشييد وفي الكلام واللغة والاستهتار والانحلال وفي التخلى عن الروابط الاجتماعية والجرأة على المحرمات الشرعية.
لقد كان غزوهم شاملا في العقائد، والسياسة، والحكم، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والتقاليد. هجوم من الخارج تارة ومن الداخل تارة أخرى فمن أبناء جلدتنا من هم أبواق للمستعمرين ودعاة للكافرين والملحدين.
يقول بعض زعماء اليهود: (لقد نشرنا روح التحرر الكاذب بين الشعوب الغيورة لإقناعهم بالتخلى عن دينهم بل استطعنا تثبيت الشعور بالخجل من الإعلان عن تعاليم الدين وأوامره ونواهيه)
هناك (غزو فكري) مقصود، يعمل لإذابة الشعوب، وانسلاخها عن عقائدها، ومذاهبها، وحضاراتها، لتصبح مسخًا شائهًا تابعًا لغيره، يؤمر فيطيع. . ولقد عمل هذا الغزو على تضليل المجتمعات الإنسانية، وخداعها، والتمويه عليها، وقلب الحقائق، وتشويه الحقيقة، عن طريق تصنيع الكلمة، وزخرفة القول، والدخول إلى المخاطب، من نقطة الضعف، والاستغفال لإغرائه، والإيقاع به، والإيحاء إليه بسلامة الفكرة، وصحة المفهوم المزيف الذي تحمله كلمات الغزو.
لقد تهاوت أمم وشعوب وأجيال، وتساقطت في هاوية الضلال والانحراف، والفساد الخلقي، والعقدي، والاجتماعي، بسبب تصورات (الغزو) المزخرفة الخداعة، التي يرقص السذج، والجهال على نغم إيقاعها، ويفتنون بسماعها وأناقة ظاهرها.
ولكم عانى الإنسان والشعوب من أولئك الذين يصنعون (الغزو الفكري) ، ويصدرونه في موجات، تقتحم الديار والبيوت، لقد قيدت الإنسانية إلى هاوية الضلال، والانحراف. ولقد كان (للغزو الفكري) في كل جيل، وفي كل عصر دوره التخريبي، في حياة الناس، إلا أن البشرية لم تشهد في مرحلة من مراحل حياته وضعا كان فيه (للغزو الفكري) خبراء، ومتفلسفون، وأجهزة، ومؤسسات، كعصرنا الحاضر هذا، الذي اتخذ فيه (الغزو الفكري) صبغة الفلسفة، والنظرية، والمبدأ، الذي يعتنقه الأتباع، ويدافعون عنه، وينقادون له. .
و قضية الغزو الفكري، أصبحت اليوم، من أشد القضايا خطرًا، وتبدو ظواهر هذا الغزو المدمر، في قلوب وعقول كثير من المثقفين، في هذا العصر واضحة بينة، والسلاح الذي يستعمله (الغزو الفكري) مدمر قتّال، يؤثر في الأمم والمجتمعات، أكثر مما يؤثر المدفع والصاروخ والطائرة، وقد ينزل إلى الميدان، ويعظم خطره، حين تخفق وسائل الحديد والنار، في تحقيق الهدف، والوصول إلى الغاية، والخطر الذي يحتجنه هذا الغزو أكثر بكثير من قتل الأفراد، بل من قتل جيل بأسره. إذ يتعدى ذلك إلى قتل أجيال متعاقبة، والسلاح الذي يستعمله هذا الغزو هو سلاح الحيلة والشبهات وتحريف الكلم، والخديعة، في العرض.
*التغيير الإجتماعي