كتب ( فردريك أنجلز) :
(لابد للإنسان أن يجد لباسا يستر به جسده وخبزا يشبع به بطنه حتى يستطيع الخوض في الفلسفة والسياسة ) .
والواقع إن الأسئلة الأولى التى يسعى الإنسان إلى معرفة جواب عنها في حياته هى:
من أنا ؟
وما هذا الكون ؟
وكيف بدأت حياتى ؟
وإلى أين ستنتهى ؟
إنها أسئلة الفطرة الأساسية . فالإنسان يفتح عينيه في عالم يحوى كل شيء غير جواب هذه الأسئلة ؛ فالشمس توصل إليه الحرارة اللازمة ولكن الإنسان غافل عن حقيقتها وعن أسباب قيامها بهذه العملية لخدمته ، والهواء يعطى الحياة للإنسان ولكن الإنسان غير قادر أن يؤثر فيه ليجيب عن السؤال: من أنت ؟ ولماذا تقوم بهذا العمل ؟
إنه يمعن في وجوده ولكنه لا يفهم من هو ؟ ولماذا جاء إلى هذه الدنيا ؟ .
والذهن الإنسانى غير قادر على وضع إجابات هذه الأسئلة الأساسية في حياة البشر ، ولكنه لن يتخلى عن بحته ، ولن يمل هذا البحث عن جواب .
هذه الأسئلة وإن وردت ألفاظا على ألسنة الجماهير ، فإنها تؤلم روحها ، وهى ترد أحيانا بطريقة يصاحبها الإنفعال حتى يصبح الإنسان مجنونا .
لقد عرفنا أنجلز مفكرا ملحدا ، ولكن إلحاده أتى عن طريق المجتمع المصاب بالبلبلة وعدم الإستقرار . لقد كان شغوفا بالدين ، وكان يقضى وقتا طويلا بالكنيسة ؛ ولكنه بعد ما كبر وتوسع نظره في الدراسة أعرض عن الدين التقليدى. وهو يكتب أحوال هذه الفترة في خطاب له إلى أحد أصدقائه ، قال:
(إننى أدعو كل يوم وأقضى اليوم كله داعيا أن تنكشف لى الحقيقة . لقد أصبح الدعاء هوايتى منذ وجدت الشكوك طريقها إلى قلبى ؛ إننى لا أستطيع أن أقبل عقائدكم إن قلبى يفيض بالدموع الغزار وأنا أكتب هذه السطور ، قلبى يبكى عينى تبكى ولكننى أشعر أننى لست بطريد من رحمة الله بل آمل أن أصل إلى الله الذى أتمنى رؤيته بكل قلبى وروحى وأقسم بحياتى أن عشقى وبحثى هذا لمحة من روح القدس . ولن أقلع عن تفكيرى هذا ولو كذبه الإنجيل المقدس عشرة آلاف مرة !! )
لقد أقلقت غريزة البحث عن الحق روح أنجلز الشاب ، ولكن الدين المسيحى التقليدى لم يمنحه السكينة التى كان ينشدها فانقلب متمردا عليه وانغمس في الفلسفات السياسية والمادية الإلحادية .
وجذور هذه الغريزة الإنسانية هى إحساس البشر بحاجتهم إلى الرب الخالق ؛ ففكرة: ( الله خالقى وأنا عبده منقوشة في اللاشعور الإنسانى وهى ميثاق سرى مأخوذ على الإنسان منذ يومه الأول وهو يسرى في كل خلية من خلايا جسمه ؛ وعندما يفتقد إنسان ما هذا الشعور يحس بفراغ عظيم ؛ وتطالبه روحه من أعماقه أن يبحث عن إلهه الذى لم يره قط ، والذى لو وجده لخر راكعا على ركبتيه ، ثم ينسى كل شيء . وليس الإهتداء إلى معرفة الله غير الوصول إلى النبع الحقيقى لهذه الفطرة الإنسانية ، والذين لا يهتدون إلى المعرفة يقبلون على أشياء أخرى . فإن كل قلب يبحث عمن يهدى إليه خير أمانيه .
وعندما عندما رفرف العلم الوطنى لأول مرة على الأبنية الحكومية في الهند بدلا من العلم البريطانى:"اليوناك جاك"، في صباح 15 أغسطس 1947 - اغرورقت عيون كثيرة بالدموع ، وهى ترى الصورة التى طالما حلمت بها . وكانت هذه الدموع مظهرا لعلاقة أصحابها"بالمعبودة الحرية"التى ضحوا من أجل الحصول عليها بخير أيام حياتهم .
وهكذا عندا يذهب زعيم وطنى إلى أبى الوطن ثم يقف أمامه لحظة مطأطئا رأسه ، فهو حينئذ يباشؤ نفس العمل الذى يقوم به المؤمن أمام معبوده ، حين يركع ويسجد .
وحين يمر شيوعى أمام تمثال لينين ويرفع قبعته عن رأسه ، ويبطىء في سيره يكون هو الآخر مثل رجل الدين ، يقدم أحسن تمنياته إلى إلهه . فكل إنسان مجبور على أن يتخذ شيئا ما إلها له ، ويقدم له قرابين أمانيه الصادقة .
ولكن الإنسان إذا قدم هذه القرابين لغير الله ، فهو يشرك بمن يستحق وحده العبادة ... و"إن الشرك لظلم عظيم"
(215) ، والظلم أن تضع الشيء في غير موضعه ، فلو كنت تريد أن تتخذ من غطاء الوعاء قبعة فهو"ظلم"، والإنسان عندما يميل لغير الله لملء فراغه النفسى ويتخذ من غير الله ملجأ له ، فهو ينحاز عن مكانه الصحيح ، ويتخذ من مكانته أسوأ أسياب الضلال .
ولما كانت هذه الغريزة فطرية ، فإنها تظهر دائما في صورتها الطبيعية متجهه إلى الله ، ولكن المجتمع وأحوال البيئة يعطيان هذه الغريزة اتجاها مغايرا ، فتبدأ الشكوك تساور الإنسان في أول الأمر ، ولكنه سرعان ما يتخلص من هذه الشكوك عمدا او عفوا ، لأنه يتمتع بحرية أكثر في الحياة الجديدة فيرضى بها ولو ظاهريا .
لقد كان ( برتراند راسل) شديد العلاقة بالدين في أول حياته وكان يواظب على حضور صلوات الكنيسة باهتمام ، وفى يوم من الأيام سأله جده: ما تكون دعواتك المفضلة يا (برتى ) ؟
فأسرع الشاب برتراند راسل يقول: ( لقد سئمت الحياة ، وأنا مدفون تحت وطأة ذنوبى - يا إلهى !)
وعندما جاوز برتراند 13 من عمره بدأت خواطر التمرد تراود ذهنه بفعل البيئة التى أحاطت به ، إلى أن تحول ذلك الطفل المواظب على صلوات الكنيسة فأصبح من بعد: برتراند راسل الفيلسوف الملحد الذى لا يؤمن بالحقائق السماوية .
وقد أجرت الإذاعة البريطانية حديثا معه عام 1959 ، وعندما سأله (فرى مان ) - المعلق السياسى بالإذاعة -: (هل وجدت أن هواية الإشتغال بالرياضيات والفلسفة يمكن أن تحل محل المشاعر الدينية عند الإنسان ؟ ) ، أجاب ( راسل ) قائلا: ( نعم لقد وصلت في سن الأربعين إلى الطمأنينة التى قال عنها أفلاطون: إنه يمكن الحصول عليها من طريق الرياضيات إنها عالم أبدى ، حر،لا يقاس بزمان ولقد حظيت في هذا العالم بسكينة تشبه تلك التى يحصلون عليها في الدين) .
لقد أنكر هذا المفكر البريطانى حقيقة المعبود السماوى ولكنه لم يستطع الإستغناء عن ضرورتها القصوى بسبب غريزته الفطرية التى ولدبها الإنسان فجاء بالرياضيات والفلسفة ، وأجلسهما في المقعد المخصص لله وحده بل اضطر أن يخلع على الرياضبات والفلسفة نفس الصفات التى ينفرد بها الله سبحانه ،وهى: الأبدية ، والتحرر من أبعاد الزمن والسر في ذلك أنه لا يمكن الحصول بدونهما على الطمأنينة التى يبحث عنهما الإنسان .
"جواهر لال نهرو في حالة الركوع !"لو كانت الصحف قد نشرت هذا الخبر في يوم من الأيام لما صدقها الناس ! ولكن الصورة التى تحملها الصفحة الأخيرة من جريدة ( هندوستان تايمز) ، الصادرة في دلهى يوم 3 أكتوبر من عام 1963 ، تصدق هذا الخبر . وقد ظهر في تلك الصورة رئيس وزراء الهند الأسيق في حالة ركوع واقفا أمام ضريح المهاتما غاندى في ذكرى ميلاده وهو يقدم تمنياته إلى ( أبى القومية الهندية ! ) .
إن مثل هذه الأحداث تقع كل يوم في كل مكان من العالم وآلاف من الناس الذين ينكرون وجود الله يركعون أمام معبوداتهم تسكينا لغريزنهم التعبدية وذلك لأن ( الإله ) ضرورة فطرية للإنسان وهذه المظاهر كافية لتأييد هذه الغريزة على أمها طبيعية ، لأن الإنسان يضطر إلى الركوع أمام آخرين كثيرين إذا ما امتنع عن السجود أمام ( الله الواحد ) ؛ أى أن فطرته لن تتمكن من ملء الفراغ الذى يخلو عند إنكار وجود الله والإلحاد .
وليست الحقيقة أن يتخذ الإنسان آلهة آخرين عند الكفر بالله ، فيسكن غريزته ، بل سوف أقول: إن الذين يتخذون من غير الله إلها محرومون من الاستقرار والطمأنينة الحقيقيين ، كالطفل اليتيم الذي يحاول أن يتخذ من مصنوعات البلاستيك ( أما ) له .
وكل ملحد ، مهما بدا له أو للآخرين ، أنه ناجح ، يتعرض في حياته لمواجهة لمحات يضطر إزاءها أن يفكر فيما إذا كانت الحقيقة التى قبلها _ مصطنعة وزائفة ؟