(ا) إن أول حقيقة في هذا الأمر هي أن الرجل والمرأة يختلفان كل الاختلاف في نوعية كفاءاتهما الطبيعية ، واعتباراهما متساويين إنما هو مخالفة كبري لقوانين الطبيعة في حد ذاتها.
كتب الدكتور (الكسيس كيريل) الحائز علي جائزة نوبل للعلم- وهو يبين الفارق العضوي بين الرجل والمرأة- يقول:
(إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة لا تتحدد في الأشكال الخاصة بأعضائها الجنسية والرحم والحمل ، وهي لا تتحدد أيضا في اختلاف طرق تعليمهما ؛ بل إن هذه الفوارق هي ذات طبيعة أساسية ؛ من اختلاف الأنسجة في جسم كليهما ؛ كما أن(المرأة) تختلف عن (المرء) كليا في المادة الكيماوية التي تفرز من مبيض الرحم داخل جسمها. والذين ينادون بمساواة الجنس اللطيف بالرجل يجهلون هذه الفوارق الأساسية ، فيدعون أنه لابد أن يكون لهما نوع واحد من التعليم والمسئوليات والوظائف. ولكن المرأة في الواقع تختلف عن الرجل كل الاختلاف ؛ فكل خلية من جسمها تحمل طابعا أنثويا ، وهكذا تكون أعضاؤها المختلفة بل وأكثر من ذلك هذه هي حال نظامها العصبي.
إن قوانين وظائف الأعضاء محدودة ومنضبطة كقوانين الفلك ، حيث لا يملك إحداث أدني تغيير فيهما بمجرد الأمنيات البشرية ، وعلينا أن نسلم بها كما هي ، دون أن نسعى إلي ما هو غير طبيعي ، وعلي النساء أن يقمن بتنمية مواهبهن بناء علي طبيعتهن الفطرية ، وأن يبتعدن عن تقليد الرجال) (206) .
ولقد صدقت التجارب العملية نتائج هذه الفوارق الطبيعية ، فقد فشلت المرأة في أن تحرز أية مساواة مع الرجل في أي ميدان . . حتى إن الرجل يتقدم المرأة في الميادين التي كانت تعتبر حكرا علي المرأة في الماضي. ومن ذلك أن المرأة فشلت في المساواة مع الرجل في حقل السينما. وليس الرجل هو الذي يدير اليوم كل ما هو متعلق بالسينما ، ومع ذلك فهو يتقاضى أجرا أكثر من المرأة . فممثل كبير يتقاضى اليوم ستة ملايين روبية (207) ، في السنة علي حين لا يزيد دخل أعظم ممثلة هندية علي أربعة ملايين روبية! !
وليس هذا هو كل ما في الأمر. . فإننا لو أنكرنا القوانين الطبيعية ، والضوابط الفلكية ، وبدأنا نعمل علي عكسها فسوف نكسر رؤوسنا بأيدينا . وهكذا جلب النظام الذي صاغه الإنسان - متجاهلا الحيثيات الفارقة بين الجنسين- صنوفا من الأمراض والجرائم إلي داخل المجتمع . إن شباب هذا المجتمع الجديد يشكو أنواعا من الأمراض الجنسية والخلقية والنفسية ، فضلا عن العصمة التي أهدرها المجتمع ، نتيجة هذا الاختلاط المروع.
ومن الظواهر التي تتكرر مرارا أمام أطباء هذا المجتمع أن تدخل فتاة غرفة الطبيب، وهى تشكو من الصداع وقلة النوم ، وتمضى بعض الوقت تتحدث عن هذه الآلام.. ثم لا تلبث تتحدث عن شاب التقت به منذ مدة .. وحينئذ يشعر الطبيب أنها تتعثر وتتلعثم في كلامها فيقول لها:
حسنا ثم دعاك إلى شقته فماذا قلت له ؟
وتقول الفتاة في دهشة:
"كيف عرفت ذلك، لقد كنت أريد أن أقول لك ذلك حالا !"
ومن الممكن قياس كل ما ستقول الفتاة للصبيب بعد هذا الحديث . وهذا هو الذى دفع علماء الغرب إلى الشعور بخيبة الأمل فانتهوا إلى أن الحفاظ على العفة والعصمة كلام فارغ في ظل مجتمع العلاقات الحرة وقد قال طبيب غربى:
( من الممكن أن يصل الرجل والمرأة إلى نقطة يستحيل عندها التحكم في الأعصاب ، والإحساس بالعواقب)
وقد بدأت حملة شديدة ضد هذه الظواهر في صورة المقالات والكتب . وبدأ علماء الغرب يشعرون بالكارثة التى تهدد حضارتهم ولكنهم رغم ذلك كله غير قادرين على فهم جذور الموقف
ولقد نشرت الطبيبة المعروفة (ماربون هيل ياارد) مقالا عنيفا ضد الإختلاط الحر ، فقالت:"إننى لا أستطيع أن أسلم كطبيبة بأن العلاقات الطاهرة ممكنة بين رجل وامرأة ينفردان برضاهما وقتا طويلا)."
ولكن الدكتورة هيل يارد تستطرد قائلة: ( ولست على هذه الدرجة من الغباء ، حتى أنصح الشبان والفتيات أن يمتنعوا عن التقبيل . ولكن أكثرية الأمهات لا تخبرن أولادهن أن القبلة لا تبرد العواطف وإنما تلهبها ) (208)
وتسلم الدكتورة هيل يارد بهذا القول بالقانون الإلهى الذى يحرم هذه الظواهر ، حتى لا يصل الإنسان إلى حافة الجرائم الجنسية القبيحة؛ ولكن الطبيبة لا تعرف كيف تحرم هذه الظاهرة التى تنتهى إلى الأعمال الشيطانية لا محالة!؟
(ب) لقد أباح مشرع الإسلام ( تعدد الزوجات ) وأثيرت ضجة كبرى ضد هذا التشريع وأطلق عليه - هو الآخر - أنه تذكار العصر الجاهلى .ولكن جاءت التجارب العملية لتثبت أنه كان تشريعا مناسبا للطبيعة الإنسانية ، لأن سد باب تعدد الزوجات إنما هو فتح لعشرات الأبواب الفاجرة غير الشرعية .
وسوف أشير هنا إلى النشرة الإحصائية التى نشرتها هيئة الأمم المتحدة عام 1955 لقد أتبتت هذه النشرة بالأرقام والإحصائيات: أن العالم يواجه الآن مشكلة ( الحرام أكثر من الحلال ) (More out than in
فى شأن المواليد ! . وجاء في هذه الإحصائية أن نسبة الأطفال غير الشرعيين قد ارتفعت إلى ستين في المائة. وأما في بعض البلاد وعلى سبيل المثال بنما فقد جاوزت هذه النسبة الخمسة والسبعين في المائة ، أى أن ثلاثة عن طريق الحرام من كل أربعة مواليد ! وأرفع نسبة لهؤلاء الأطفال غير الشرعيين موجودة في أمريكا اللاتينية .
وتثبت هذه النشرة أيضا أن نسبة الأطفال غير الشرعيين تصل إلى العدم في البلدان الإسلامية. وتقول النشرة أن نسية هؤلاء الأطفال أقل من واحد في المائة في جمهورية مصر العربية مع أنها أكثر البلاد الإسلامية تأثرا بالحضارة الغربية .
فما الأسباب التى تحمى الدول الإسلامية من هذه البلية ؟ يقول محرروا هذه النشرة الإحصائية ( إن البلدان الإسلامية محفوظة من هذا الوباء لأنها تتبع نظام تعدد الزوجات( 209)
لقد استطاع هذا القانون الإلهى الحكيم أن يحمى بلادنا الإسلامية من كارثة محققة في هذا العصر .
فقد أكدت التجارب الإنسانية أن القانون الإلهى القديم هو الذى كان مبنيا على الحق والرحمة بالإنسانية ( 110)
التمدن:
شرع الإسلام القصاص ممن قتل عمدا، إلا أن يرضى ورثة القتيل بالدية . ولقد تعرض هذا القانون لنقد شديد من جانب رجال القانون في العصر الحاضر ، وأهم ما يستدلون به: أن معنى هذا التشريع أن تضيع نفس أخرى بعد أن ضاعت الأولى بالفعل ؛ ودفعهم هذا إلى إلغاء نظام الإعدام شنقا في كثير من البلاد .
إن القانون الذى يقرره الإسلام له فائدتان هامتان:
أولاهما: أن تستأصل جذور هذه الجريمة ، لأن أحدا من الآخرين لن يندفع إلى ارتكابها مرة أخرى نظرا للعاقبة الوخيمة التى لقيها أحد أفراد المجتمع ( 211)
وأما الثانية: فهى الدية وقد راعى المشرع النتائج راعاة تامة ، فلو قتل الإبن الوحيد لشيخ فعلى القاتل أن يدفع لوالد المقتول مبلغا من المال يرضيه فيعفو عن الجريمة لقاء المبلغ الذى تقاضاه . وقد جعل التشريع الإسلامى حقا للدولة أن ترفع مبلغ الدية إخمادا لنار الثأر .
إن هذا التشريع حكيم لدرجة عظيمة وتجربته تؤكد أن غريزة القتل قد قضى عليها في أى بلاد طبقته ، كما أكدت التجارب أيضا أن أى بلاد ألغت هذا التشريع قفزت فيها جرائم القتل إلى نسب خيالية حتى إن نسبة الإغتيالات قد ارتفعت في بعض هذه الدول إلى 12 بالمائة .
وهناك أمثلة أخرى عديدة: بلاد ألغت عقوبة القصاص ، ولكنها عادت فأقرته مرة أخرى نظرا للعواقب . فقد أصدر البرلمان السيلانى قانونا سنة 1956 يحرم القصاص في حدود سيلان .. فارتفعت نسبة جرائم القتل ارتفاعا مخيفا بعد صدور القانون ولم يستيقظ السيلانيون من سباتهم إلا يوم 26 سبتمبر 1959 ، عندما تسلل رجل مسلح داخل منزل رئيس الوزراء السيد بندرانيكا وقتله بكل جرأة في غرفته ، وكان أول ما فعله أعضاء البرلمان السيلانى بعد دفن رئيس الوزراء المأسوف عليه أن عقدوا جلسة طارئة استغرقت 4 ساعات أعلنوا عند ختامعا أن سيلان قررت إلغاء القانون وإصدار قانون جديد بتشريع القصاص .
المعيشة:
إن النظام الذى يقرره الإسلام في المعيشة يسلم بالملكية الفردية لوسائل الإنتاج الزراعى ، وهيكل المعيشة في الإسلام يقوم على أساس الملكية الفردية . وقد راج هذا النظام عصورا طويلة في العالم ( 212 ) ثم تعرض بعد الثورة الصناعية لنقد قاس ؛ حتى إن المثقفين رضوا بإلغائه .
وقد راج في أوربا ، فيما بين النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين شعور بأن الملكية الفردية أحد القوانين المجرمة التى تفشت في عصر الجاهلية المظلم .. وأنهم قد استطاعوا الآن أن يكشفوا عن نظام الملكية الجماعية التى هى أقوى أساس لتنظيم المعيشة .
ثم بدأت أول تجربة للنظرية الجديدة - الملكية الجماعية ؛ ونفذت على رقعة واسعة من الأرض ، وبدأت دعاية كبيرة في شأنها وعقدت عليها آمال كبار ، ولكن التجربة الطويلة أثبتت أن هذا النظام رغم الجهود الضخمة التى بذلت في سبيله لم يأت إلا بإنتاج أقل من الإنتاج الذى يأتى به نظام الملكية الفردية .
هذا ، فضلا عن نقائصه الكثيرة التى تتلخص في كونها غير طبيعية ، إلى استخدام العنف في تنفيذها ؛ وأنها تمنع التقدم الإنسانى وأنها أكثر من الأنظمة الرأسمالية تركيزا واستغلالا وديكتاتورية.
وسوف أضرب هنا مثالا لروسيا ؛ لقد نفذت الحكومة الروسية نظام الملكية الجماعية في جميع أنحاء البلاد ؛ والدولة تملك جميع الأراضى الزراعية ، فهى تقوم بزراعة أراضيها في صورة المزارع الجماعية .
وقد منح القانون الزراعى الذى أصدرته الدولة عام 1935 الفلاح حقا بملكية الثلث أو نصف الفدان أو فدادين في بعض الأحوال الإستثنائية وسمح له أن يربى بعض الأنواع من الحيوانات مثل الأبقار والأغنام والدجاج .
وتثبت الإحصائية الرسمية التى نشرت عام 1961 أن الأراضى الزراعية في روسيا كانت 204 مليون هكتار ، منها أراض قدرها ستة ملايين هكتار في حوزة الملكية الفردية أى ثلاثة في المائة من مجموع مساحة الأراضى الزراعية ، ولكن نسبة المحصول الزراعى للبطاطس عام 1961 كانت كما يلى:
المزارع الجماعية:
نسبة الأراضى المزروعة بالفدان 4352000
ونسبة المحصول بالطن 30800000
الأراضى الفردية:
نسبة الأراضى المزروعة بالفدان 4526000
ونسبة المحصول بالطن53500000
وتؤكد هذه الإحصائية أن المحصول الزراعى كان 11 طن من البطاطس في الأراضى الفردية مقابل 7 أطنان في الأراضى الحكومية. وهذهالنسبة توجد كذلك في المحاصيل الأخرى ، على حين أن الأراضى الفردية لا تتمتع بتسهيلات الآلات الزراعية والسماد والكفاءات التى تتمتع بها المزارع الجماعية الحكومية .
وأما الماشية فهى أسوأ حالا في المؤسسات الحكومية الحيوانية فهى تموت بكثرة بسبب نقص الكلأ والإستهتار في الرعاية ؛ وقد مات 170 ألف من الرؤوس في إقليم واحد في مدة 11 شهر عام 1962
وأما حيوانات الملكية الفردية فهى آخذة في الإزدياد والنمو رغم العقبات العديدة وهى كذلك أكثر إنتاجا من غيرها . فالمؤسسات الحكومية التى تملك 70 في المائة من من الحيوانات والدجاج لم تقدم للسوق من اللحوم إلا ما يزيد على عشرة في المائة بالنسبة إلى أصحاب الملكية الفردية ، الذين لا يملكون أكثر من 30 بالمائة من الحيوانات والدجاج ، ويقدمون إنتاجهم للحكومة ، وهو ما يتبقى لديهم بعد استهلاكهم الذاتى . وقد تخلفت المؤسسات الزراعية كثيرا في إنتاج البيض . ويمكن استنتاج هذه الفوارق من إحصائية رسمية لعام 1961:
المحصول ////// النسبة الحكومية بالطن ///// النسبة الفردية بالطن
اللحم 4800000 3900000
اللبن 3400000 28500000
الصوف 387000 97000
البيض 6,300 مليون بيضة---79,000 مليون بيضة
إنه لمن الطريف أن يقوم الأفراد بسد حاجات حكومة تملك ، بل وتحتكر كل وسائل الإنتاج !
إن الإحصائية تدلنا على أن إحدى الجمهوريات السوفييتية حصلت من الأفراد على 26 في المائة من البطاطس وأربعة وثلاثين في المئة من البيض , لسد احتياجاتها المحلية , وهكذا اضطرت إلى شراء أشياء أخرى مماثلة من الأفراد لاستهلاكها محليا ( 213)
ومن العواقب الوخيمةلهذه الملكية الجماعية أن روسيا - التى كانت بين الدول الخمسة المصدرة لإنتاجها الزراعى في عهد القياصرة _ اضطرت إلى شراء 15 مليونا من أطنان القمح من كل من: استراليا وكندا , والولايات المتحدة الأمريكية . وهذه الحال مستمرة في التدهور , فقد اشترت روسيا 1250000 طنا من القمح من الولايات المتحدة فيما بين 1941 و 1956 .. وهذا هو الذى يجرى في الصين الشيوعية ( 214)
وتؤكد هذه التجارب القاسية التى خاضتها البشرية أن العقل الإلهى - الذى هو منبع القانون الحقيقى - هو أعرف بالطبيعة الإنسانية ، وأكثر فهما لمسائلها ومشكلاتها .
إن في الدين جوابا محددا لكل الأسئلة التى تؤرقنا في كفاحنا الحضارى . إنه يوجهنا إلى المشرع الحقيقى الطبيعى ؛ وهو يضع لنا الأساس النظرى للقانون .. فهو يمنحنا أساسا صائبا لكل مسألة في الحياة البشرية حتى يمكن لها الوصول إلى أعلى درجات الإذدهار والرقى ؛ وهو الصورة الوحيدة للمساواة الكاملة بين الحاكم والرعية . وهو يهىء الأساس النفسى الذى يصبح القانون بدونه مشلولا بلا حراك وهو يخلق لنا ذلك المناخ المناسب الذى لا بد منه لتطور أى مجتمع تطورا حيويا وفعالا .
وهكذا يعطينا الدين كل ما نحتاج إليه لبناء الحضارة في حين لا يتيح لنا الإلحاد والكفر شيئا ما سوى الضياع والفاقة فهو عقيم لا يجدى نفعا