فهرس الكتاب

الصفحة 1321 من 3028

رابعا- القانون والأخلاق:

لا يستطيع القانون أن يستقل بذاته في أي وقت من الأوقات ، بل لابد له أن يقترن بالأخلاق. ولتوضيح هذه النقطة نقول:

1-لو طرحت قضية أمام القانون-علي سبيل المثال- وتعمد الفريقان وشهودهما الكذب فلم يتبين الصدق أمام القاضي ، فسوف يقضي علي العدل ، ولن يتمكن القاضي من الحصول عليه مهما حاول. ولذلك كان لابد من قانون آخر (وراء القانون) يحرك الناس ، ويحملهم علي الإدلاء بالبيانات الصادقة للوصول إلي العدل. وقد اعترفت جميع محاكم العالم بهذا المبدأ ، حتى إنها تلزم كل شاهد (أن يقسم بالله أن يقول الحق) قبل الإدلاء بشهادته. . وهو دليل واضح علي أهمية المعتقدات الدينية ، حتى أصبحت أيمان المحاكم أضحوكة ، تقليدا لا يأتي بنفع أي نفع!

2-ومما لابد منه أن يكون أي (عمل) يعاقب عليه القانون (جريمة) في نظر المجتمع أيضا ، وأي بند من قانون مكتوب لا يمكنه أن يخلق نفسية في المجتمع ، تري في عمل ما جريمة ، كما يراه القانون ؛ إذ لابد من أن يشعر مرتكب الجريمة بأنه (مذنب) ويعتبره المجتمع مذنبا. ويقبض عليه رجال الشرطة بكل اقتناع ، ثم يصدر قاضي المحكمة-وهو في غاية الاطمئنان-حكما ضد ذلك الرجل. ولذلك كان لابد أن تكون كل جريمة (ذنبا) أيضا. وهذا هو ما يراه أصحاب المدرسة التاريخية من رجال القانون:

(إن أي تشريع لن يصيب هدفه إلا إذا كان مطابقا للاعتقادات السائدة عند المجتمع الذي وضع له ذلك القانون ، ولو لم يطابق التشريع اعتقادات المجتمع فلابد من فشله(201 ) )

هذا الرأي الذي عبرت عنه (المدرسة التاريخية) لرجال القانون غير صائب في مغزاه الحقيقي الذي يرمي إليه إطلاقا ، ولكنه ذو صدق خارجي.

3-إن خوف الشرطة والمحكمة لا يكفي لدرء الجرائم ، وإنما لابد أن يكون هناك وازع في المجتمع يمنع الناس من ارتكاب الجرائم ، لأن الرشاوى ، والمحسوبيات ، وخدمات المحامين البارعين ، وشهود الزور-كل هذه العوامل تكفي لحماية المجرم من أية شرطة أو محكمة إنسانية ، والمجرم لا يرهب عقابا ، أي عقاب ، لو استطاع أن يفلت من أيدي القانون.

إن الشرع الإلهي يستوفي كل هذه الأمور ، فعقيدة (الآخرة) ، التي يحملها الشرع الإلهي هي خير وازع عن ارتكاب الجرائم ، وهي تكفي لتبقي إحساسا بالجريمة واللوم يعتمل في قرارة ضمير الإنسان لو أدلي بشهادة كاذبة أمام القاضي.

لقد أقيم في فناء محكمة (ويسترن سر كيت) نصب من حجر يذكر الناس بشاهد أدلي بشهادة زور في فناء الدار ، ثم قال: (وإذا، كنت كاذبا ، فليمتني الله ، هنا في الحال! ولم تكد هذه العبارة تخرج من فم الشاهد حتى سقط علي ساحة الأرض ، ومات في الحال(202) ! !

وهناك وقائع أخري من هذا النوع حدثت لشدة إحساس أصحابها باللوم والذنب.

إن قرارات البرلمانات لن تخلق في الجماهير شعورا بشناعة فعل ما ، إلا إذا كانت معتمدة من القانون الإلهي ، وراسخة في معتقدات المجتمع.

والوازع الذي يمنع من ارتكاب الجرائم ليس هو الدين في حد ذاته ، فإنه لا يقدم لنا تشريعا فحسب ، وإنما يخبرنا أن صاحب هذا التشريع يشاهد كل أعمالنا من خير وشر. . فنياتنا وأقوالنا وحركاتنا بأكملها تسجل بواسطة أجهزة هذا الشرع ، ولسوف نقف بعد الممات أمامه ، ولن نستطيع أن نفرض ستارا علي أدني أعمالنا.

ولو أننا استطعنا الهروب من عقاب محكمة الدنيا ، فلن نتمكن بالتأكيد -من أن نفلت من عقاب صاحب التشريع السماوي.

ولو أننا حاولنا تفادي عقاب الدنيا. فسوف نذوق عذابا مضاعفا يوم القيامة ، يفوق عقاب الأرض ملايين المرات ، قسوة وعنفا.

خامسا - القانون والفرد:

ورد في التاريخ الإنجليزي أن الملك (جيمس الأول) أصدر مرسوما يقول بأنه (الملك) يستطيع أن يحكم البلاد مطلق العنان ، كما أن من حقه إصدار أحكام دون أن تخضع للمرافعة أو الاستئناف في المحاكم.

وكان رئيس القضاة حينئذ هو القاضي الشهير (اللورد كوك) Coke وكان شديد التمسك بالدين حتي اعتاد أن يقضي ربع يومه في الكنيسة وذهب اللورد كوك ليقول للملك (ليس من حقك أن تحكم في أي شئ ولابد لجميع القضايا أن تذهب إلي المحكمة للنظر فيها.)

فقال له الملك: (إنني أري- وهو ما سمعته- أن القوانين قد وضعت علي أساس العقل ، فهل أنا أقل من قضاتك عقلا؟ .

فأجابه رئيس القضاة: (أنه ما لا شك فيه أنكم تتمتعون بعلم وكفاءة مثاليين ، ولكن القانون يتطلب تجربة طويلة ودراسة عميقة. وفوق ذلك هو الميزان الذهبي الذي يزن حقوق الرعية ؛ وهو الذي يصون شخصيتهم.)

فغضب الملك بشدة وقال: (هل أنا أيضا أخضع للقانون ؟ إن هذا المقال بمثابة تمرد وخيانة!)

وكان جواب (اللورد كوك) أن ذكر الملك برأي (براكتون) Bracton الذي قال: (إن الملك لا يخضع لأحد من الناس ؛ ولكنه خاضع لله وللقانون(203) .)

وهنا-ل جردنا القانون من (الله) فلن نجد أساسا معقولا للقول بأن: ( الملك خاضع للقانون) - لأن الذين صاغوا القانون ، وأصدروه بإرادتهم يستطيعون-في الوقت نفسه- تعديله وتغييره إذا ما أرادوا ذلك ، فكيف -إذن- سيخضعون لذلك القانون (204) ؟. .

إن الإنسان إذا كان هو المشرع ، فهل يحل محل القانون والإله معا ، وحينئذ يستحيل احتواؤه داخل دائرة القانون ، بأي صورة من الصور.

وقد أدي هذا العيب في القوانين الحديثة إلي أنه-علي الرغم من أن كل الجمهوريات تقر مبدأ المساواة المدنية-فإن هذه المساواة لا تنفذ فعلا في أية دولة ، فلو أنك كنت تريد أن تحاكم رئيس جمهورية الهند ، أو أحد حكام الولايات ، فلن تستطيع ذلك ، كما تستطيع أن تحاكم المدنيين العاديين ، إذ كان لابد لك من الحصول علي موافقة الدولة. قبل الذهاب إلي المحكمة ، فقد أضفي الدستور الهندي (في المادة361) علي رئيس الجمهورية ونائبه وحكام الولايات هالة وامتيازا ، بحيث لا تمكن محاكمتهم إلا بعد موافقة البرلمان المركزي. وكذلك لابد من الحصول علي موافقة الحكومة لمحاكمة الوزراء!

والأمر لا يقف بنا عند هذا الحد ، بل تنص المادة197 ، من (لوائح العقوبات الهندية) علي: (أن قاضيا ، أو وكيلا للنيابة العامة ، أو أحد الموظفين الحكوميين(من الذين لا يجوز فصلهم من الخدمة إلا بعد موافقة الحكومة المركزية) لو اتهم أحدهم بارتكاب جريمة ما ، فليس من شأن المحاكم النظر في قضية أحدهم ، إلا بعد الحصول علي موافقة الحكومة المركزية أو المحلية. التي تتعلق بها وظيفة المتهم المطلوب محاكمته) ! !

وبكلمة أخري: لو أردت أن تحاكم سياسيا كبيرا ، أو أحد أعضاء السلطة التنفيذية العليا-فعليك أن تسأل هؤلاء أنفسهم: (هل تبيحون لنا محاكمتكم؟ ) !

وليس هذا عيب الدستور الهندي بالمرة ، بل هو عيب القانون البشري بعامة ، وهو عيب موجود ، حيث يوجد هذا النوع من الدساتير الوضعية.

ليس من الممكن أن يتحقق العدل الكامل إلا في ظل القانون الإلهي ، حيث يكون كل إنسان مساويا للآخرين أمام الدستور, وحيث تمكن مقاضاة أية سلطة سياسية وتنفيذية ، كما يحاكم ابن الشعب ، لأن الحاكم في هذا القانون هو (الله) سبحانه وحده ، والمحكومون هم سائر أفراد المجتمع دون أدني تمييز (205) . .

سادسا- القانون والعدل:

إن أهم وأكبر أساس في هيكل القانون هو العدل) الذي يبحث عنه خبراء القانون من قرون طويلة ، وهو موجود في القانون الإلهي في أتم الصور وأكملها. والقول بأن: عدم اهتداء الإنسان إلي أساس العدل يرجع إلي أن بحوثنا لا زالت ناقصة ، وتتطلب المزيد من البحث- قول باطل. فهذا الكلام يثبت أنه ليس في مستطاع الإنسان أن يحصل علي هذا الأساس أبدا.

لقد قطعنا شوطا كبيرا في مضمار البحوث الطبيعية بنتائج باهرة في كل مجال ، ولكنا رغم جهودنا المضاعفة في البحث عن القوانين المدنية ، لم نحرز نجاحا ، ولو بنسبة واحد في المائة من الدرجة المطلوبة. وهذه الخيبة تؤكد أن إخفاقا لا يرجع إلي نقص الجهود ، وإنما سببه الحقيقي أن هذا الأمر خارج-علي الإطلاق-عن نطاق بحث الإنسان.

لقد صور الإنسان أول صورة فوتوغرافية في عام 1826م. وقد بذل العالم الفرنسي الذي اخترع الجهاز ، ثماني ساعات متواصلة لتصوير شرفة المنزل. . والآن تستطيع آلات تسجيل الأفلام أن تصور أكثر من ألفي صورة في الثانية الواحدة ، ومعني ذلك أننا نستطيع اليوم أن نصور أكثر من ستين مليون صورة ، في نفس الوقت الذي استغرقته عملية التصوير الأولي ، أي أ، سرعتنا قد زادت ستين مليون مرة ، في 140 سنة فقط! !

وعند بدء هذا القرن العشرين لم يكن يوجد في شوارع الولايات المتحدة غير أربع سيارات ، علي حين تمرق الآن علي شوارعها الفسيحة عشرة ملايين سيارة.

ويمضي الإعجاز العلمي بالإنسان إلي أن يقسم الزمن إلي1/1,000,000 جزء من أجزاء الثانية! وتستطيع المراصد العلمية أن تكشف عن أدني فارق في حركة دوران الأرض- حتى ولو بلغ في مدته1/1.000.000!

لقد اخترعنا آلات حساسة يمكنها الكشف عن فارق الوزن الذي يطرأ علي كتابة (حرفين) بالحبر ، علي ورقة من أوراق موسوعة من ثلاثين مجدا !

هذه هي حال الإنسان في حقل البحث العلمي ، علي حين لم يتمكن من إحراز أي تقدم - ولو بمقدار (بوصة) -في مجال القوانين المدنية.

وسوف أورد هنا بعض الأمثلة من مختلف مجالات الحياة ، لنتبين مدي صدق القول: بأن الدستور الإلهي هو وحده الأساس الحقيقي ، الذي يصلح لأن يكون مصدرا لقوانين الحياة الإنسانية.

المرأة والمجتمع:

إن الإسلام لا ينظر إلي المرأة والرجل نظرة واحدة ، فهو يحرم العلاقات الحرة بينهما. وقد أخذ العلماء عند بدء العصر العلمي يسخرون من هذه القوانين ، وأطلقوا عليها: (مخلفات العصر الجاهلي) .

وقالوا بشدة: إن الرجل المرأة متساويان ، ويرثان النسل الإنساني بطريقة متساوية ، ولسوف تكون جريمة كبري لو أقمنا العقبات في طريق في طريق علاقاتهما الحرة.

قد أنتجت هذه الفكرة مجتمعا جديدا في الغرب . بيد أن التجارب الطويلة المريرة التي مرت بها الإنسانية بعد هذه الإباحة الجنسية هي أقسي ما عاناه البشر ؛ فقد ثبت بعد هذه التجارب أن المرأة والرجل لا يتساويان فطريا ، ولا طبيعيا ، وأي مجتمع يقوم علي أساس مساواتهما سوف يسبب خرابا ودمارا عظيمين للحضارة البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت