أما الغزو اليهودي فهو كذلك ؛ لأن اليهود لا يألون جهدا في إفساد المسلمين في أخلاقهم وعقائدهم ، ولليهود مطامع في بلاد المسلمين وغيرها ، ولهم مخططات أدركوا بعضها ولازالوا يعملون جاهدين لتحقيق ما تبقى ، وهم وإن حاربوا المسلمين بالقوة والسلاح واستولوا على بعض أرضهم ، فإنهم كذلك يحاربونهم في أفكارهم ومعتقداتهم ، ولذلك ينشرون فيهم مبادئ ومذاهب ونحلا باطلة ، كالماسونية والقاديانية والبهائية والتجانية وغيرها ، ويستعينون بالنصارى وغيرهم في تحقيق مآربهم وأغراضهم .
أما الغزو الشيوعي الإلحادي فهو اليوم يسري في بلاد الإسلام سريان النار في الهشيم ؛ نتيجة للفراغ وضعف الإيمان في الأكثرية ، وغلبة الجهل وقلة التربية الصحيحة والسليمة ، فقد استطاعت الأحزاب الشيوعية في روسيا والصين وغيرهما أن تتلقف كل حاقد وموتور من ضعفاء الإيمان ، وتجعلهما ركائز في بلادهم ينشرون الإلحاد والفكر الشيوعي الخبيث ، وتعدهم وتمنيهم بأعلى المناصب والمراتب ، فإذا ما وقعوا تحت سيطرتها أحكمت أمرها فيهما وأدبت بعضهم ببعض ، وسفكت دماء من عارض أو توقف ، حتى أوجدت قطعانا من بني الإنسان حربا على أممهم وأهليهم وعذابا على إخوانهم وبني قومهم ، فمزقوا بهم أمة الإسلام ، وجعلوهم جنودا للشيطان ، يعاونهم في ذلك النصارى واليهود بالتهيئة والتوطئة أحيانا ، وبالمدد والعون أحيانا أخرى؛ ذلك أنهم وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم جميعا يد واحدة على المسلمين ، يرون أن الإسلام هو عدوهم اللدود ، ولذا نراهم متعاونين متكاتفين بعضهم أولياء بعض ضد المسلمين ، فالله سبحانه المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل .
ثالثا الغزو الفكري
مجلة البحوث الإسلامية - (ج 21 / ص 253)
ثالثا: الغزو الفكري:
لم يكتف الاستعمار بتحطيم الخلافة الإسلامية وتفريق الأمة إلى دول وشعوب . . ونهبوا خيراتها وشتتوا ولاءاتها . . بل أضافوا إلى ذلك غزوا للعقول والقلوب بشعارات ومبادئ جديدة تفسد العقول وتخرب القلوب ليبقى لهم السيطرة والنفوذ ما دامت هذه الشعارات والمبادئ تحكم هذه البلاد .
وقد ذكر الأستاذ محمد محمود الصواف عن وسائل الاستعمار في غزو المسلمين والجبهات التي تشترك في ذلك الغزو ، وأكد أن جميع تلك الجبهات تعمل:( سرا وجهرا لأهداف الاستعمار التي يرمي من ورائها إلى إيقاف الوعي الإسلامي وصد المسلمين عن دينهم إبقاء لسيطرته ونفوذه في بلاد المسلمين ، وليتمتع هو وجنوده الأبالسة في خيرات بلاد المسلمين ويسعون في سرقة ثرواتهم والسيطرة عليهم فكريا وسياسا واقتصاديا .
لذا أخذ المستعمرون يبذلون كل الجهود لإشاعة الفساد في المجتمع الإسلامي العظيم وزرع الشكوك في العقول الإسلامية وقتل الطموح في نفوس المسلمين وبث الفرقة والشقاق في الصف الإسلامي حتى تعاونت جميع أجهزة الاستعمار من دعائية وسياسية وفكرية واقتصادية لتحقيق أهداف الاستعمار ) (1) .
وقد شارك اليهود الاستعمار الصليبي في تصدير الأفكار والمذاهب المنحرفة إلى بلاد المسلمين . . بل لعل اليهود أكثر حماسا وحقدا على الإسلام ، والتاريخ يؤكد هذه الحقيقة حيث كان اليهود هم أول من وقف في وجه الإسلام وحاولوا القضاء عليه ، ولكن الله - عز وجل - رد كيدهم في نحورهم وحفظ دينه وأعلى كلمته .
فعبد الله بن سبأ"يهودي"أظهر الإسلام لإفساد الإسلام ودعاة
(1) المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام 99-100 .
الإلحاد وزعماؤه اليوم"يهود"أرادوا إفساد العالم:
كارل ماركس الشيوعي"يهودي" (1) .
وفرويد"يهودي" (2) .
ودوركايم"يهودي" (3) .
وهؤلاء هم زعماء المذاهب المنحرفة في الاقتصاد والأخلاق والاجتماع وقد أثرت مذاهبهم في المجتمعات البشرية عموما وفي المجتمعات الإسلامية على وجه الخصوص .
يقول الأستاذ أنور الجندي: ( ولا ريب أن اليهودية العالمية هي التي أثارت في العالم الإسلامي تمزيق وحدة العروبة والإسلام للحيلولة دون الوحدة وعملا على تعميق التجزئة الإقليمية .
ولما كانت وحدة العرب والمسلمين لها جذورها الضخمة البعيدة المدى في الفكر الإسلامي وفي القرآن نفسه ، فقد طرحت عشرات المذاهب والقضايا والدعوات والأنظمة والنماذج التي طرحت في أوروبا لإفساد المفهوم الإسلامي الجامع للعرب والإسلام (4) .
ويعترف اليهود بذلك في ( بروتوكولاتهم ) حيث يقول البرتوكول التاسع: ( ولقد خدعنا الجيل الناشئ من الأميين وجعلناه فاسدا متعفنا بما علمناه من مبادئ ونظريات معروف لدينا زيفها ) (5) .
(1) مذاهب فكرية معاصرة ص101 .
(2) مذاهب فكرية معاصرة ص107 .
(3) مذاهب فكرية معاصرة ص114 .
(4) الإسلام والعالم المعاصر ص427 .
(5) بروتوكولات حكماء صهيون ص128 .
وكان من جراء هذا الغزو المشترك أن ظهرت في بلاد المسلمين اتجاهات منحرفة تتبنى تلك العقائد الضالة وتحاول نشرها في المجتمعات الإسلامية ، ولعل الصورة التي يعرضها اللورد كرومر للجيل المصري الجديد -كما تصورها هو- تنطبق إلى حد ما على مجموعات من أبناء المسلمين الذين أثر فيهم الغزو الفكري الغربي .
يقول: ( إن المجتمع المصري في مرحلة الانتقال والتطور السريع وكان من نتيجته الطبيعية أن وجدت جماعة من أفرادهم"مسلمون"ولكنهم متجردون عن العقيدة الإسلامية والخصائص الإسلامية ، وإن كانوا"غربيين"فإنهم لا يحملون القوة المعنوية والثقة بأنفسهم ، وأن المصري الذي خضع للتأثير الغربي فإنه وإن كان يحمل الاسم الإسلامي ، لكنه في الحقيقة ملحد وارتيابي ، والفجوة بينه وبين عالم أزهري لا تقل عن الفجوة بين عالم أزهري وبين عالم أوروبي ) (1) .
هذه هي ثمار الغزو الفكري في بلاد المسلمين .
(1) ذكره الأستاذ الندوي في الصراع بين الفكرة الغربية والفكرة الإسلامية ص 114 .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ أما بعد:
فمنذ أشرقت شمس الإسلام وأعداؤه يكيدون له المؤامرة تلو المؤامرة ، فاستخدموا كثيرًا من الوسائل ونوعوا العديد من الخطط ، فتارة بالقوة ، وتارة بالحيلة ، نجحوا أحيانًا وفشلوا أحيانًا أخرى ، وهكذا الصراع بين الحق والباطل.
وعصرنا الحاضر ما هو إلا حلقة في سلسلة التداول بين الإسلام وأعدائه ؛ إلا أن الأعداء هذه المرة ابتكروا أسلوبًا جديدًا ؛ حيث ابتعدوا عن الاعتماد على القوة وحدها ولجأوا إلى محاربة الإسلام بالفكر فكان ما يسمى بالغزو الفكري .
ولا شك أن لهذا الغزو الجديد خطورته ووسائله ، وله أهدافه و آثاره ، مما جعل الغيورين من أبناء المسلمين يتنادون بوجوب مجابهته ومحاربته ، وكشف زيفه وبيان مغازيه .
ومن المحاولات الرامية إلى مواجهة هذا الغزو عقد الندوات والمؤتمرات والمحاضرات الإرشادية ، وكتابة الكتب والمقالات ومنها هذه المقالات والتي هي بعنوان (الغزو الفكري وآثاره) .
أولا: تعريف الغزو الفكري:
الوسائل غير العسكرية التي اتخذها الغزو الصليبي لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية وصرف المسلمين عن التمسك بالإسلام مما يتعلق بالعقيدة , وما يتصل بها من أفكار وتقاليد وأنماط سلوك [1] .
فالغزو الفكري إذًا مجموعة من المعتقدات والأفكار التي تدخل على الفكر الإسلامي هدفها السيطرة على هذا الفكر أو على الأقل حرفه عن وجهته الصحيحة.
نشأة الغزو الفكري: