فهرس الكتاب

الصفحة 2982 من 3028

(وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون . ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه , ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء . فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ? وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة:أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم) . .

إنها عزة هذه العقيدة , واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة , وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة . .

لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء ; ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء . . كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة , وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين ; ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه ; وألا يقيم وزنا بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة ; ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة:

(وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع , لعلهم يتقون) . .

أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم , حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم . ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه , وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم . . فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع , أحق بالإنذار , وأسمع له , وأكثر انتفاعا به . . لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة . فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح . بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه , ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر ; فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم:

(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) . .

لا تطرد هؤلاء الذين أخلصوا نفوسهم لله ; فاتجهوا لعبادته ودعائه في الصباح والمساء ; يريدون وجهه سبحانه ! ولا يبتغون إلا وجهه ورضاه . . وهي صورة للتجرد , والحب , والأدب . . فإن الواحد منهم لا يتوجه إلا إلى الله وحده بالعبادة والدعاء . وهو لا يبغي وجه الله , إلا إذا تجرد . وهو لا يبغي وجه الله وحده حتى يكون قلبه قد أحب . وهو لا يفرد الله - سبحانه - بالدعاء والعبادة ابتغاء وجهه إلا ويكون قد تعلم الأدب , وصار ربانيا يعيش لله وبالله . .

ولقد كان أصل القصة أن جماعة من"أشراف"العرب , أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام ; لأن محمدا صلى الله عليه وسلم يؤوي إليه الفقراء الضعاف , من أمثال صهيب وبلال وعمار وخباب وسلمان وابن مسعود . . ومن إليهم . . وعليهم جباب تفوح منها رائحة العرق لفقرهم ; ومكانتهم الاجتماعية لا تؤهلهم لأن يجلس معهم سادات قريش في مجلس واحد ! فطلب هؤلاء الكبراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطردهم عنه . . فأبى . . فاقترحوا أن يخصص لهم مجلسا ويخصص للأشراف مجلسا آخر , لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف , كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي ! فهم صلى الله عليه وسلم رغبة في إسلامهم أن يستجيب لهم في هذه . فجاءه أمر ربه:

(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) . .

روى مسلم عن سعد بن أبى وقاص , قال:كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر . فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم:اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا ! قال:وكنت أنا وابن مسعود , ورجل من هذيل , وبلال , ورجلان لست أسميهما . . فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع . فحدث نفسه . فأنزل الله عز وجل: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) . .

ولقد تقول أولئك الكبراء على هؤلاء الضعاف , الذين يخصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجلسه وبعنايته ; وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف وما يسببه وجودهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام . . فقضى الله سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل ; ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضا:

(ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء , فتطردهم فتكون من الظالمين) . .

فإن حسابهم على أنفسهم , وحسابك على نفسك . وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله , لا شأن لك به . كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن لهم به . ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه . فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان الله , ولا تقوم بقيمة . . فكنت من الظالمين . . وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون من الظالمين !

وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي ضعاف الجاه الأقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم ; والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا وجهه . واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله . .

عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون:كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء ? إنه لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه ; ولهدانا الله به قبل أن يهديهم ! فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمن الله عليهم من بيننا ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه !

وكانت هذه هي الفتنة التي قدرها الله لهؤلاء المتعالين بالمال والنسب ; والذين لم يدركوا طبيعة هذا الدين ; وطبيعة الدنيا الجديدة التي يطلع بها على البشرية , مشرقة الآفاق , مصعدة بهذه البشرية إلى تلك القمة السامقة ; التي كانت يومذاك غريبة على العرب وعلى الدنيا كلها ; وما تزال غريبة في ما يسمونه الديمقراطيات على اختلاف أشكالها وأسمائها !

(وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ?) . .

ويرد السياق القرآني على هذا الاستفهام الاستنكاري الذي يطلقه الكبراء:

(أليس الله بأعلم بالشاكرين) ?

هذا الرد الحافل بالإيحاءات والإيماءات:

إذ يقرر ابتداء أن الهدى جزاء يجزي به الله من يعلم من أمرهم أنهم إذا هدوا سيشكرون هذه النعمة , التي لا كفاء لها من شكر العبد , ولكن الله يقبل منه جهده ويجزيه عليه هذا الجزاء الهائل الذي لا يعدله جزاء .

وإذ يقرر أن نعمة الإيمان لا تتعلق بقيمة من قيم الأرض الصغيرة التي تسود في الجاهليات البشرية . إنما يختص الله بها من يعلم أنهم شاكرون عليها . لا يهم أن يكونوا من الموالي والضعاف والفقراء . فميزان الله لا مكان فيه لقيم الأرض الصغيرة التي تتعاظم الناس في الجاهليات !

وإذ يقرر أن اعتراض المعترضين على فضل الله إنما ينشأ من الجهالة بحقائق الأشياء . وأن توزيع هذا الفضل على العباد قائم على علم الله الكامل بمن يستحقه من هؤلاء العباد . وما اعتراض المعترضين إلا جهل وسوء أدب في حق الله . .

ويمضي السياق يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله أن يبدأ أولئك الذين أسبغ عليهم فضل السبق بالاسلام ; والذين يسخر منهم أولئك الكبراء الأشراف ! . . أن يبدأهم بالسلام . . وأن يبشرهم بما كتبه الله على نفسه من الرحمة ; متمثلا في معفرته لمن عمل منهم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح:

(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم) . .

وهو التكريم - بعد نعمة الإيمان واليسر في الحساب , والرحمة في الجزاء , حتى ليجعل الله - سبحانه - الرحمة كتابا على نفسه للذين آمنوا بآياته ; ويأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم ما كتبه ربهم عل نفسه . وحتى لتبلغ الرحمة أن يشمل العفو والمغفرة الذنب كله , متى تابوا من بعده وأصلحوا - إذ يفسر بعضهم الجهالة بأنها ملازمة لارتكاب الذنب ; فما يذنب الإنسان إلا من جهالة ; وعلى ذلك يكون النص شاملا لكل سوء يعمله صاحبه ; متى تاب من بعده وأصلح . ويؤيد هذا الفهم النصوص الأخرى التي تجعل التوبة من الذنب - أيا كان - والإصلاح بعده , مستوجبة للمغفرة بما كتب الله على نفسه من الرحمة . .

ونعود - قبل الانتهاء من استعراض هذه الفقرة من السورة - إلى بعض الآثار التي وردت عن ملابسات نزول هذه الآيات ; وعن دلالة هذه الآثار مع النصوص القرآنية على حقيقة النقلة الهائلة التي كان هذا الدين ينقل إليها البشرية يومذاك ; والتي ما تزال البشرية حتى اليوم دون القمة التي بلغتها يومها ثم تراجعت عنها جدا . .

قال أبو جعفر الطبري:حدثنا هناد بن السري , حدثنا أبو زبيد , عن أشعث , عن كردوس الثعلبي , عن ابن مسعود , قال:مر الملأ من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب , ونحوهم من ضعفاء المسلمين . فقالوا:يا محمد , رضيت بهؤلاء من قومك ? أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ? أنحن نكون تبعا لهؤلاء ? اطردهم عنك ! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ! فنزلت هذه الآية: (ولا تطردالذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) . . (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) إلى آخر الآية .

وقال:حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي , قال:حدثنا أبي , حدثنا أسباط , عن السدي , عن أبى سعيد الأزدي - وكان قارى ء الأزد - عن أبى الكنود , عن خباب في قول الله تعالى ذكره: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) . . إلى قوله: فتكون من الظالمين . . قال:جاء الأقرع ابن حابس التميمي , وعيينة بن حصن الفزاري , فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب , في أناس من الضعفاء من المؤمنين . فلما رأوهم حقروهم . فأتوه فقالوا:إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا , فإن وفود العرب تأتيك , فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ; فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ; فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ! قال:نعم ! قالوا:فاكتب لنا عليك بذلك كتابا . قال:فدعا بالصحيفة , ودعا عليا ليكتب . قال:ونحن قعود في ناحية , إذ نزل جبريل بهذه الآية:

(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء , فتطردهم , فتكون من الظالمين) . . ثم قال (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ?) . . ثم قال: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة) . . فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ; ثم دعانا فأتيناه وهو يقول:"سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة". . فكنا نقعد معه , فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا . فأنزل الله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه , ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) . . [ سورة الكهف:28 ] قال:فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد , فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت