وكان تركيز عملية الغزو الجديد على أبناء الإسلام الدارسين في الجامعات والمعاهد الغربية، حيث تمكنت من إجراء عملية غسل أدمغة للكثيرين منهم، فعادوا إلى بلدانهم محملين بالأفكار الغربية ومكتسين بثقافة الغرب المتعارضة مع الثقافة الإسلامية، فكانوا يدًا ولسانًا وقلمًا لعملية الغزو الفكري الحضاري، وحلقة مهمة من حلقاتها؛ لكونهم في تماس مباشر مع المجتمع الإسلامي، ولتعاملهم مع الشرائح المثقفة في غالب الأحيان، لا سيما طلبة الجامعات، ممّا يعني توفر الشروط الموضوعية اللازمة لنجاح عملهم في النيابة عن القائمين على عملية غزو المسلمين فكريًا وثقافيًا.
وراح هؤلاء المتغربون يضمون أصواتهم إلى أصوات الغرب، ويلهجون بما تلقوه من تلقينات في وجوب الانسلاخ عن الثقافة الإسلامية وارتداء جلابيب الثقافة الغربية، وقطع أية صلة ثقافية وفكرية بالإسلام، خاصة وأن الإسلام ـ من وجهة نظرهم ـ ليس إلاّ طقوسًا عبادية وشعائر لا تتعدى إطار علاقة ثنائية بين المسلم وربّه !!
وأخذ هؤلاء يثيرون ـ وطبقًا للإيحاءات الغربية ـ قضية التناقض بين الدين والعلم، والماضي والحاضر، ويثيرون سلسلة من الاشكالات على القرآن الكريم والسنة النبوية، ويطرحون المؤاخذات على كل ما له صلة بالإسلام؛ كالفقه الإسلامي والتفسير الإسلامي ومختلف النظريات والطروحات الإسلامية، والتأثير على نقاط الضعف والقضايا السلبية الّتي يحملها التاريخ الإسلامي، والّتي هي في معظمها مدسوسة.
وقد سبق دعوات دعاة الحداثة وتزامن معها نشاط هائل للمبشرين والمستشرقين الغربيين، ذلك النشاط الّذي امتدّ إلى سائر أرجاء العالم الإسلامي، بل وشمل العالم غير الإسلامي أيضًا. ولعبت الحركة التبشيرية دورًا خطيرًا في عملية الغزو الثقافي الفكري، وذلك لاستتارها خلف براقع الأعمال الإنسانية والتعليمية والصحية وغيرها، فاستطاعت من خلال ذلك النفوذ إلى المجتمعات الإسلامية وشق طريقها إليه لتبث أفكارها الهدامة، وتسيء إلى الإسلام ومفاهيمه وقيمه عبر مبشريها المعدين لهذا الغرض.
"وفاقت الحركة الاستشراقية في خطورتها الحركة التبشيرية؛ لأنها تعامت بشكل مباشر مع المفردات الإسلامية، فأخذت تشوه وتحرف ما استطاعت، وراحت تقدم لنا التاريخ الإسلامي والشخصيات الإسلامية كما ترغب وتشاء. كما أنها راحت تقدم التراث العربي الإسلامي عبر قطع مبعثرة لا رابطة بينها سوى تناقضات تاريخية وفكرية سببها حجب الكثير من الكتب القيمة المتممة الّتي بقيت خارج إطار النشر والتداول لتبرر هذه التناقضات". (2)
وأخذنا وللأسف نتعرّف على تاريخ الإسلام بل وحتّى على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والفكر الإسلامي في بعض الأحيان من خلال ما كتبه المستشرقون، الأمر الّذي يعني نجاح الجناح الاستشراقي في عملية الغزو الثقافي المدارة من خلال أجنحة عديدة تؤدي غرضًا واحدًا، يصبّ في صالح الأيادي الخفيّة الّتي تحرك هذه الأجنحة.
وممّا يزيد من خطورة الهجمة الراهنة غياب الإسلام عن الساحة السياسية في مجمل البلاد الإسلامية، وانتماء حكام المسلمين سياسيًا وفكريًا إلى المعسكر الغربي، ممّا يعني مساهمتهم إزاء ما يتعرض له العالم الإسلامي من غزو فكري ثقافي شرس.
إنّها حقًا عملية غزو رهيبة ومنظمة، وتزداد في حدتها وشراستها يومًا بعد آخر، ولهذا فنحن مدعوون إلى التحرك السريع الفاعل لوضع خطة عمل مبرمجة واضحة وقائمة على أسس علمية وتربوية لصيانة أمننا الثقافي الفكري، وتحصين جيلنا الإسلامي حصانة تعجز أسلحة هذا الغزو الجديدة عن اختراقها.
(1) : دكتور محمد دسوقي ، مجلة المنطلق ، العدد 21، 1983، ص 62
(2) : الأستاذ حسن الزين، مجلة العرفان، العدد 4، ص 28.
معالم الصراع الفكري في العالم العربي
محمد سليمان أبورمان 4/9/1424
يعد سؤال الهوية من الأسئلة المحورية في الفكر العربي المعاصر، وقد شغل هذا السؤال كثيرًا من مداولات وسجالات المفكرين العرب، وأدخلهم إلى ميادين الصراع الفكري، وقسّمهم إلى فئات متنازعة حول الأصول الفكرية والمعرفية التي ينبغي أن تحكم مسيرة النهضة والتنمية، والخروج من كهف التخلف ومن ظلمات التيه.
وأخذ الصراع الفكري أشكالًا متعددة ، ومر بمراحل مختلفة في العالم العربي في فترة العصور الحديثة ، لكنه وصل اليوم مع العولمة إلى مرحلة متقدمة جدًا تمتاز بوجود أمريكي مهيمن على العالم، وحداثة غربية تنتقل وتسود بشكل كبير - مع تطور ثورة الانفوميديا -.
و يجد الفكر الإسلامي اليوم نفسه أمام تحديات كبيرة في عدة مستويات: مستوى نقد الحداثة الغربية، ومستوى مواجهة ظواهر التشدد والانغلاق والجمود الفكري في الداخل، ومستوى صوغ استراتيجية فكرية تدفع بالإنسان والمؤسسات في العالم العربي إلى المضي بفعالية و قوة في مشروع النهضة والتنمية وتجاوز مرحلة الانكشاف الحضاري السافر الذي وصلنا إليه أمام الآخر، والخروج من الفجوة الكبيرة بين حالتنا الحضارية ورصيدنا الحضاري الكبير..
المدرسة الإصلاحية:
بدأت أولى الجدالات حول مسألة الأصالة والمعاصرة ، ودور الفكر الإسلامي في مواجهة التحديات الكبرى مع الحملة الفرنسية على مصر ، وعودة الطلاب العرب الدارسين في الغرب ، وجاءت أبرز المساهمات الرائدة في هذا المجال مع رحلة رفاعة الطهطاوي والذي سجّل ملاحظاته ورؤيته و استنتاجاته حول الحضارة الغربية في كتابه"تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
ثمّ كانت أبرز المحاولات الفكرية في مواجهة التحدي الحضاري الغربي - و ما وصل إليه من فلسفة وعلوم ومعرفة وما صاحب ذلك من تقدم وتطور تكنولوجي - من قبل ما عرف بالمدرسة الإصلاحية ( جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمن الكواكبي ، محمد عبده ، رشيد رضا ، علال الفاسي ، ابن عاشور ، ابن باديس ) ، وقد تمركزت مجهودات هذه المدرسة في:
-الإطلاع على المعرفة والثقافة الغربية، وهضم أصولها، ودراستها دراسة نقدية.
-رصد الجوانب الإيجابية في المعرفة والثقافة الغربية، والعمل على الإفادة منها في المشروع النهضوي الإسلامي.
-رصد جوانب الخلل في المفاهيم الحاكمة في هذه الحضارة، وتنبيه المسلمين إليها، وإلى خطورة الوقوع فيها، خاصة الفلسفة المادية في النظر إلى الوجود والحياة.
-إعادة تفسير الإسلام ومصادره المعرفية وفق أسس جديدة تتناسق مع الأصول الفكرية والمقاصد الشرعية للإسلام، وتكون قادرة على الدخول إلى العصر بروح إسلامية متقدمة ومتجددة.
-تجديد الفعالية الحضارية و النهضوية الإسلامية ، والعمل على استنهاض الشعوب للمساهمة والمشاركة في عملية التنمية والتحديث في العالم الإسلامي.
وكان للمفكر الجزائري مالك بن نبي مقاربة متميزة في فهم شروط النهضة و أسس التنمية المطلوبة، وكذلك في فقه الصراع الفكري في العالم العربي، خاصة في كتابه"الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"، ولعل أبرز ما قدّمه ابن نبي -بالإضافة إلى نظريته في شروط النهضة - هو مفهوم"القابلية للاستعمار"؛ والذي يقوم على فرضية أن الاستعمار هو محصلة ونتيجة منطقية للحالة الثقافية والفكرية وليس سببًا لها ، والمشكلة هي في جمودنا وكسلنا وغياب الفعالية الحضارية، وليس الاستعمار والغرب.
الفكر الإحيائي