فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 3028

وعلم"الميكادو"- الحاكم الياباني - بأمر أوساهير، فأرسل له من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه ذهب إنجليزي، اشترى بها أدوات مصنع محركات كاملة، وأدوات وآلات. ويقول أوساهير: وعندما أردت شحنها إلى اليابان، كانت النقود قد فرغت، فوضعت راتبي وكل ما ادخرته. وعندما وصلت إلى نجازاكي، قيل لي إن الميكادو يريد أن يراني. قلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كامل. استغرق ذلك تسع سنوات.

وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة محركات"صُنع في اليابان"، قطعة قطعة، حملناها إلى القصر. ودخل الميكادو وانحنينا نحييه وابتسم، وقال: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة. هكذا ملكنا"الموديل"، وهو سر قوة الغرب، نقلناه إلى اليابان! نقلنا قوة أوربا إلى اليابان، ونقلنا اليابان إلى الغرب!! فهكذا أدى إصرار أوساهير وحرصه على بلده إلى وضع اليابان على عتبة التقدم والازدهار.

وحدّث من عايش الطلاب اليابانيين الذين يُبتعثون إلى أمريكا عن أحوالهم، فقال: ربما يلبثون في مكتبة الجامعة إلى نصف الليل، وربما نام أحدهم وهو جالس على كرسيه، ويواصل الدراسة في اليوم الثاني من غير ذهاب إلى البيت. ] علو الهمة، ص: 295 [. فانظر رحمك الله إلى ما يفعلونه هم، وقارن بيننا وبينهم، لتعرف لماذا هم في تقدم مستمر، وما هو السبب وراء تخلفنا!!

لقد علم أعداء الله السر في عظمة دين الإسلام، وهو أنه دين يحمل ثقافة الآخرة. أي أن كل عمل يؤديه المسلم، فهو يُدْخل في اعتباره الدار الآخرة، فيبتغي وجه الله فيما يفعله. فكان هذا المجد الشامخ الذي شاده لنا الأجداد. فعملوا كل ما في وسعهم على أن يخرجوا الآخرة من حساباتنا، بحيث تكون كل أعمالنا للدنيا. فإذا تعلمنا فللدنيا، وإذا عملنا فلها. واحتالوا لذلك فافهمونا أن التقدم الاقتصادي يؤدي لتحقيق الرفاهية، وأن الرفاهية تؤدي إلى السعادة. فسعينا كل جهدنا، وما زلنا، من أجل تحقيق هذه السعادة المزعومة. فخسرنا الدنيا ولم نربح الآخرة! ولن ينصلح حالنا إلا إذا عدنا إلى نهج سلفنا. فيعود العلم الشرعي لكي يحظى ببؤرة الاهتمام كما كان من قبل، وأن تكون مرضاة الله هي الباعث الأساسي وراء جميع تحركاتنا للعلم وللعمل، فنفوز بخيري الدنيا والآخرة.

28 من ربيع الأول عام 1425 من الهجرة.

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي فضل أوقات رمضان على غيره من الأزمان وأنزل فيه القرآن هدى وبينات من الهدى والفرقان ، أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله الذي كان يخص رمضان بما لم يخص به غيره من صلاة وتلاوة وصدقة وبر وإحسان اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه الطاهرين الذين آثروا رضا الله على شهوات نفوسهم فخرجوا من الدنيا مأجورين وعلى سعيهم مشكورين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي جماع الخير كله فاجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل الأوامر وترك النواهي .

قال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا}

ثم اعلموا عباد الله أن ربنا سبحانه أنعم علينا بمواسم الخيرات وأزمنة لمضاعفة أجور الطاعات ، ومن هذه المواسم الفاضلة شهر رمضان المبارك فقد أظلكم يا عباد الله شهر عظيم جعل الله فيه من جلائل الأعمال وفضائل العبادات وخصه عن غيره من الشهور بكثير من الخصائص والفضل { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان }

فالله أكبر ما أعظم هذا الشهر وما أعظم منة الله علينا به .

يزين الله جنته ويقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ثم يصيروا إليك .

شهر تصفد فيه الشياطين وتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار .

فيه ليلة القدر هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم الخير كله ومن قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه .

ولله فيه عتقاء من النار وذلك في كل ليلة من رمضان ويغفر للصائمين في آخر ليلة منه .

وتستغفر الملائكة للصائمين حتى يفطروا ـ وللصائم دعوة لا ترد .

ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .

ومن صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ـ ومن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه .

عباد الله شهر هذه خصائصه وفضائله حري بنا أن نستغل أيامه ولياليه بل ساعاته ولحظاته .

شهر هذه هبات الله فيه بماذا نستغله ؟ أ بالسهر واللهو وضياع الأوقات ؟ كلا والله .

أيها المسلمون اعلموا أن الله غني عنا وعن أعمالنا فهو تعالى الغني عما سواه { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد }

ولكنه سبحانه شرع العبادة لصالحكم أيها المسلمون ومن أعظمها الصيام فقد شرعه تربية لأجسامكم وترويضًا لها على الصبر وتحمل الآلام ، شرعه تقويمًا للأخلاق وتهذيبًا للنفوس وتعويدًا لها على ترك الشهوات ومجانبة المنهيات ، شرعه ليبلوكم أيكم أحسن عملا ، شرعه وسيلة عظمى لتقواه قال تعالى:

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب إلى الذين من قبلكم لعلكم تتقون }

فاتقوا الله أيها الناس وأدوا فريضة الصيام بإخلاص وطواعية ، أدوا هذه الفريضة واحفظوها مما يشينها فالصوم الحقيقي ليس مجرد الإمساك عن الأكل والشرب والاستمتاع ولكنه مع ذلكم إمساك وكف عن اللغو والرفث والصخب والجدال في غير الحق ، وكف عن الكذب والبهتان والهمز واللمز والأيمان الكاذبة ، إمساك عن السباب وعن قذف المحصنات ، إمساك وكف عما لا يحل سماعه من لهو وغيبة وغيرهما ، إمساك عن إرسال النظر إلى ما لا يحل . فالصائم حقيقة من خاف الله في عينيه فلم ينظر بهما نظرة محرمة ، واتقى ربه في لسانه فكف عن كل قول محرم ، وخشيه في أذنيه فلم يسمع بهما منكر ، وخشيه في يديه فمنعهما من سرقة وغصب وغش وإيذاء ، وخشيه في رجليه فلم يمش بهما إلى حرام ، وخشيه في قلبه فطهره من الحقد والغل والحسد والبغضاء ، قال جابر رضي الله عنه { إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك سكينة ووقار ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء }

أيها الناس إحذروا من التفريط في هذا الشهر العظيم فأيامه معدودة وساعاته محدودة ولا تكن من أولئك الذين جعلوا رمضان موسم للهو والعصيان ، إحذروا من الغفلة والإعراض عن الرحمات والنفحات الإلهية قال تعالى: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى }

فكم تتألم النفوس المؤمنة وتتقطع حسرة على ما تراه من شباب المسلمين الذين اجتمعوا على اللهو وقتل الأوقات في ليالي رمضان الفاضلة كم من الحرمات لله تنتهك ومعاصي يجاهر بها في ليالي رمضان المباركة والله المستعان . فيا خسارة المفرطين ويا ندامتهم يوم وقوفهم بين يدي رب العالمين عند سؤاله لهم {ماذا أجبتم المرسلين } . فاجتهد أيها الأخ المبارك في اغتنام أيام العمر ولياليه وفقنا الله وإياك لكل خير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت