وقد يلفت انتباهنا أحيانًا بعض القضايا التي يطرحونها، لكن لا نلبث أن نطلع عليها في مصادرها الاستشراقية، فنتأكد من جديد أن هؤلاء التلامذة لا تخرج مهمتهم عن الشحن من هناك، والتفريغ هنا. لذلك نراهم يخطئون في أبسط القضايا، إنهم يخطئون حتى في الأسماء العربية الواضحة، لأنهم يقرءونها قراءة أعجمية استشراقية، ولا نرى هنا أننا بحاجة إلى إيراد الأمثلة.
وخلاصة القول في هذا الأمر: إن مناهجنا في المعالجة لا يزال يعوزها الكثير من التأصيل، والتخطيط والتقويم، ودراسة الجدوى، وطبيعة التناول ومساحته، والتنبه إلى مخاطر المستشرقين الذين يمدحون الإسلام، ويحركون غرائز الزهو والافتخار عند المسلمين تجاه الماضي، ليتسللوا من خلالها، وهذا هو الأخطر لأنهم يساهمون بحالة الخدر العام، من أولئك المستنفرين، الذين يستثيرون فينا غرائز الدفاع عن النفس، وحماية الذات، ذلك أن المديح إنما يكون في كثير من الأحيان تحويلًا إلى الماضي، والاستغراق فيه على حساب مشكلات الحاضر، واستشراف آفاق المستقبل.
صحيح أن الماضي هو الذي يدعم التماسك الثقافي، ويشكل الجذور التي تحول دون الاقتلاع، إلا أن هذا الماضي بالرغم مما قدم في إطار تحقيق الذات، وضمان تماسكها، كاد ينقلب الاقتصار عليه إلى ظاهرة مرضية، تحبس الإنسان في ملاجئها، وتحول بينه وبين النهوض، وذلك عندما يصبح الاستغراق في التشبث بالماضي صارفًا للإنسان عن صناعة حاضره ومعالجة مشكلاته، والتفكير في مستقبله.
وحتى نكون في مستوى الحوار الفكري، والتبادل المعرفي، ونوقف فعلًا الغزو الفكري، والإغراق الاستشراقي، لا بد لنا بدل البكاء على الأطلال، والاكتفاء بجرعات الفخر والاعتزاز بالماضي، أن نكون أيضًا قادرين على امتلاك الشوكة الفكرية، أن نكون قادرين على الإنتاج الفعلي، لمواد ثقافية تمثل ثقافتنا، وتأتي استجابة لها، وتغري الناس بها، وبذلك وحده نكون في مستوى الحوار، والتبادل المعرفي.. فالمواجهة لا تكون بإدانة الآخرين، والنظر إلى الخارج دائمًا، وإنما تبدأ حقيقة من النظر إلى الداخل.. أولًا لملء الفراغ، بعمل بنائي مستمر، وتحصين الذات، وتسليحها بالمقاييس الثقافية السليمة، وإنتاج مناهج، وآليات للفهم، تأتي وليدًا شرعيًّا لثقافتنا.
ذلك أن المناهج وآليات الفهم، التي تحكم الكثير من جامعاتنا، ومعاهدنا، لا تزال من صناعة الفكر الغربي، انتهت إلينا بسبب التخاذل الفكري الذي نعيشه. . وتلك المناهج هي ثمرة لتشكيل ثقافي معين، تصنعه وتُصْنع به، غير منفكة عنه. . لذلك فمن الصعب نقلها واستخدامها في إنتاج ثقافي آخر، والاطمئنان عندها إلى نتائج الفكر.
وبعد:
فإن الكتاب الذي نقدمه اليوم في السلسلة للأخ الدكتور عبد العظيم الديب حول المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي، والذي تعقب فيه بعض المستشرقين في واحد من أهم مجالات التراث الإسلامي، في التاريخ وهو المجال الأخطر، فقدم نماذج لفساد المنهج، وسوء المقصد، وهو أحد المهتمين بالتاريخ رغم اختصاصه في الفقه وأصوله، بل لعل اختصاصه بالأصول هو الذي منحه القدرة على الكلام في المنهج، ومكنه من هذا التتبع والتعقب الذي يحتاج إلى الكثير من الدأب والصبر والتدبر، ذلك أن التدليل على فساد المنهج، يغني عن متابعة النواتج الفكرية وينزع عنها صفة العلمية والحياد بشكل عام.
وإذا كان كتاب الأمة الخامس الذي بحث فيه الدكتور محمود حمدي زقزوق:"الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري"يمكن أن يصنف في إطار التنظير، فإن كتاب الدكتور عبد العظيم الذي يقدم النماذج العملية في إطار التاريخ، يعتبر ضميمة مكملة لا بد منها، نسأل الله أن ينفع بها، ويجزي مؤلفه خير الجزاء هو حسبنا ونعم الوكيل.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، (( يا أيُّها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون ) ) [آل عمران:102] (( يا أيُّها الناس اتقوا ربّكم الذي خلقكم مِّن نفسٍ واحدة وخًلق منها زوجها وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتّقوا الله الذي تساءلون به، والأرحام، إنَّ الله كان عليكم رقيبًا ) ) [النساء:1] (( يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا ) ) [الأحزاب:70] .
اللهم إنا نبرأ إليك من حولنا وقوتنا، ونلوذ بحولك وقوتك، سبحانك، لا حول ولا قوة إلا بك. اللهم إنا نعوذ بك من الخطأ والخطل، والخلل والزلل، وسيء القول والعمل. ونسألك سبحانك أن تعيننا على إخلاص القلب وسلامة القصد، وأن تجعل عملنا وقولنا خالصا لوجهك، نقيا مقبولًا. آمين.
ونصلي ونسلم على صفوتك من خلقك، وخاتم رسلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الأبرار الطاهرين.
وبعد. . . . .
لقد شغل أمر المستشرقين مساحة عريضة، من الخريطة الفكرية لأمتنا، وكثرت البحوث المتعلقة بالاستشراق والمستشرقين، وتنوعت ما بين تعريف بهم، وتأريخ لحركتهم ورجالهم، وما بين ترجمة لأعمالهم وبحوثهم، وتمجيد لها وإشادة بها، وما بين ردّ عليهم، وتصويب لأخطائهم..
ولكن البحث الذي نتقدم به اليوم يختلف عن كل ذلك، حيث جعلنا كل همنا وكدنا عرض أعمال المستشرقين على ميزان المنهج العلمي، وقياسها بقواعده وأصوله، لنرى مدى وفائهم والتزامهم بهذه القواعد والأصول، لم نلتفت إلى تصحيح أخطاء، أو الرد على تزييف، أو تصويب تحريف، إلا بمقدار ما يكون لازمًا لبيان موضع الخلل في المنهج، وخيانته، وأن الصواب كان أمامه، ولكنه حاد عن المنهج، فبعد عنه، أو بالأحرى تعمد ترك المنهج، لكيلا يصل إلى صواب لا يريده!!
ولقد التزمت في هذا البحث، أن يكون مؤيدًا بالأدلة والبراهين الناطقة بما نقول، فلا نذكر أي لون من الخلل في المنهج، إلا ونضرب له مثالًا من كتاباتهم، وأبحاثهم، واعتمدنا في ذلك على أعمال مستشرقين كبار، ممن عرف بالقدرة العلمية، بل واشتهر بالنزاهة والتجرد.
فنحن إذا لا نناقش جزئيات، ولا نصوب أخطاء - وإن جاء ذلك عرضًا - فقد قام بذلك كثير من الكرام الكاتبين، والأساتذة الباحثين.
بل نحن نقول: كفى هذا. ونردد مع الإمام الجليل ابن العربي في العواصم من القواصم:"لا نُذهب الزمان في مماشاة الجهال، فإن ذلك أمرُ لا آخر له".
فإذا ثبت أن أعمال هؤلاء المستشرقين، لا يصح أن تسمى علمًا، ولا يمكن أن تسمى بحثًا، ولا قيمة لها في ميزان المنهج العلمي، ولا ثقل لها في كفته إذا ثبت هذا فأي جدوى لمناقشتها، أو تصويبها؟ وكفى ما كان.
بل نحن نتطلع إلى إسقاط هذه الأعمال، من قوائم المصادر والمراجع، للأبحاث العلمية الجادة، والأطروحات بالدراسات العليا.
كما نرفض منهجيًّا أن يعتمد الباحث على المصادر الثانوية، ونطالبه بالرجوع إلى المصادر والمراجع الأصيلة، فكذلك ينبغي أن نرفض اعتماد هذه الأعمال الاستشراقية مصادر ومراجع، يتكئ الباحث على الحقائق التي يأخذها منها، ويبني عليها نتائجه.
وبدهي أننا لا نقول بعدم قراءة أعمال المستشرقين، فلم يدر هذا بخلدنا، فليقرأ من شاء، ولكن نضعها موضعها، فلا نتخذها مرجعًا ومصدرًا، إذا ثبت ألا ثقة بما تنتهي إليه من نتائج، أو تصدره من أحكام.