إن الكثر من أئمة، اللغة بصرفها، ونحوها، وفقهها، هم من الأعاجم، الذين أسلموا وتعلموا العربية، ولسنا بحاجة هنا، لذكر أولئك الأئمة، فالذي يمتلك حدًا أدنى من الثقافة، أو يستخدم القدر الأقل من المراجع اللغوية، سيراهم موجودين أمامه باستمرار.. ولا أدري، إذا افترضنا أن اللغة لا يمكن معرفتها، وإدراك أسرارها إلا من أبنائها، ماذا سيكون موقفنا من الخطاب القرآني العالمي، الذي يتوقف فهمه على معرفة اللغة العربية، وإدراك معهود العرب بالخطاب؟ وكيف يمكن أن يتم التكليف، وتبنى أمة مسلمة - واللغة من أهم عوامل التفاهم والتواصل وبناء الثقافة، وصياغة الشعور، وترتيب التفكير - إذا قررنا أن اللغة وقف على أبنائها فقط؟ وما مصير المكتبة اللغوية، التي تعتبر مصدرنا، إذا أسقطناها بسبب أن مؤلفيها من غير العرب؟
لذلك نعتقد أن القول: بأن اللغة لا يدرك أسرارها إلا أبناؤها فيه الكثير من التجاوز، ومناقضة الحقائق الواقعة. . ولو أن إدراك اللغة على غير العرب مستحيل، لكان الخطاب القرآني تكليفًا بما لا يطاق، وهذا مستحيل شرعًا وعقلًا.
وقضية أخرى نرى من الضروري التنبه إليها أيضًا، وهي قضية الثقافة الذاتية للأمة.. فالأمر الذي لا بد من إيضاحه ابتداءً: أن الثقافة الإسلامية هي ثقافة عالمية، وأن الخطاب القرآني، أو الخطاب الإسلامي، الذي يشكلها خطاب عالمي، وأن الحضارة الإسلامية جاءت ثمرة لمساهمات عالمية لكثير من الشعوب والأمم، وكانت نتيجة للخطاب الإسلامي، يصعب تقطيعها، وفرز ألوانها القومية، فهي إنسانية في دعوتها، وهدفها، ومنطقها، وإنتاجها، وإن كانت قاعدتها البشرية الأولى من العرب. .
لذلك فالتجاوز أكثر من اللازم في التأكيد على الخصوصية الثقافية، يخشى أن يؤدي إلى نزع صفة العالمية ومحاصرتها، ويغلق الطرق أمام انسلاك، ومساهمة الشعوب البشرية الأخرى فيها، وتعطيل التبادل المعرفي، باسم التخوف من الغزو الفكري. وبذلك نعين الأعداء على الانتصار علينا.
أما النظر إلى موضوع التاريخ الإسلامي واعتباره هو الإسلام فأمر محل نظر.. فالمعروف أن مصدر التشريع في الإسلام هو القرآن الكريم، وبيانه السنة النبوية، وهو الحاكم على فعل البشر بالخطأ أو الصواب، وأن التاريخ الإسلامي لا يخرج عن اجتهادات بشرية في تنزيل القيم على الواقع، أو في تحويل القيم إلى فعل، قد تخطئ وقد تصيب، مثله مثل أي اجتهاد بشري فكري، أو فقهي آخر.. فاعتبار التاريخ الإسلامي هو الدين، وهو مصدر التشريع والأحكام، فيه الكثير من المجازفة.. فالتاريخ الذي هو وعاء الحياة الإسلامية العملية، في استجابتها للقيم الواردة في الكتاب والسنة، هو محل العبرة والعظة والدرس، وفيه من السلبيات والإصابات، التي كان فيها عدول عن القيم، ما يجب تجنبه، وفيه من الإنجازات العظيمة، المتسقة مع القيم، ما يجب الاهتداء والاعتزاز به.. وتبقى القيم هي الضابط، وهي الحاكم، على تصرفات البشر ومسالكهم.. وحبنا للتاريخ، وانتصارنا له، لا يجوز أن يجعلنا نتجاوز هذه الحقيقة. وكم ستكون الخطورة كبيرة إذا لم نضبط التاريخ، ونحكم عليه بالقيم، من التفسيرات والإسقاطات التاريخية، التي يحاول أعداء الإسلام توظيف التاريخ لها اليوم، وكم ستكون الخطورة أكبر، إذا أصبح التاريخ دينًا، وتفسيره ملزمًا، واعتبر النص والفعل التاريخي، كالنص الإلهي.
وقد يكون الدافع لذلك كله، غياب روح النقد، والخوف من الاعتراف بالخطأ، الذي ما يزال يشكل المناخ العقلي المغشوش لكثير منا، ذلك أن هذا المناخ هو السبب وراء سقوطنا في الفخاخ المنصوبة لعقولنا، بأيد ماهرة من المستشرقين، الذين أدركوا ذلك فأتقنوا فن المديح، الإشادة بحضارتنا وتاريخنا، الأمر الذي حرك مكامن الفخر فينا، وساهم بحالة الاسترخاء، والسبات العام، والاكتفاء بإنجاز الآباء والأجداد، وأدى إلى شلل الأجهزة الفكرية، عن معالجة الحاضر، واستشراف المستقبل، فأصبح حالنا كما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله: شبيه بحال ذلك الفقير الذي لا يجد ما يسد به الرمق اليوم، عندما نتحدث له عن الثروة الطائلة التي كانت لآبائه وأجداده، إننا بذلك الحديث نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه بوسيلة مخدر، يعزل فكره مؤقتًا، وضميره عن الشعور بها، إننا قطعًا لا نشفيها، فكذلك لا تشفى أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه.
كان هذا حال المستشرقين المداحين الذين قصوا علينا تلك النشوات التي تخامر عقولنا، حتى تتعلق عيوننا على صورة سامرة لماض مترف.
وكثيرًا ما كان المديح أو حتى إعلان اعتناق الإسلام، مدخلًا، ووسيلة تعتبر الأخطر للدخول علينا، وتخريب ثقافتنا من الداخل، لأن المديح حال بيننا وبين البصارة الصحيحة للأمور، وعطل فينا أجهزة الاستقبال، والفحص، والاختبار تحت عنوان: الخير ما شهدت به الأعداء.
لقد عطل فينا هذا الشعار الاستجابة للمنبهات الحضارية إلى حد بعيد، وقبلنا من المداحين كل شيء تقريبًا.. ولعل إصابات المداحين، كانت هي الأخطر في النهاية، خاصة عندما نكتشف أن دخولهم في الإسلام كان ممرًا إلينا، وليس حقيقة.
ونستطيع القول: بأن الحملات الاستشراقية بعامة، لم تتمكن من القضاء على ثقافتنا، وإن ألحقت بها بعض الإصابات، التي يمكن اعتبارها من قبيل الأذى (( لن يضروكم إلا أذى ) ) [آل عمران:111] ، وأن معظمها كان إلى حدٍ بعيد أشبه بالمنبهات الحضارية.. ورب ضارة نافعة.
إن عمليات الاستشراق والتغريب، لم تستسلم، ولم تلق السلاح.. لكن لما أعياها السعي، فبدل أن تقر بفساد نظرياتها، وطروحاتها، وعدم إمكانية القبول لها في العالم الإسلامي، تحاول اليوم أن تعتبر، أن المشكلة والعلة في بنية العقل المسلم أصلًا، لتأتي على البنيان الإسلامي من القواعد، وترسب في النفوس، أن السبب في التخلف، والعجز، والتخاذل الثقافي، وعدم القدرة على الإبداع، وقبول الفكر الغربي، هو في بنية هذا العقل، وتكونه، وميراثه الثقافي.
فهو عقل مولع بالجزئية، وعاجز عن النظرة الكلية للأشياء، وهو عاطفي يحب الإثارة والانفعال، ويعجز عن الفعل، وهو محكوم أيضا بموروث ثقافي، لا يستطيع الفكاك منه، فهو لا يفكر بطلاقة، وحرية، لأنه محكوم بوحي مسبق، وهو يقوم على منهج التفكير الاستنتاجي، ويعجز عن التفكير الاستقرائي، وهو معجب بالمنهج البياني، وعاجز عن المنهج البرهاني، وهو يخلط بين الواقع المعاش، والمثال الخيالي، وصاحبه يحب الثأر، ويغرق في الملذات!
وأن الإسلام الذي يكوّن هذا العقل، هو دين أمر ونهي، وزجر وكبت للحرية، وإلغاء للاجتهاد، الأمر الذي أدى به إلى التقليد وفقدان الشخصية، والقدرة على الإبداع، وأن العنصر العربي مادة الإسلام الأولى، عنصر متخلف بفطرته، وطبيعته الجنسية، والمناخية، وأن دور العلماء المسلمين تاريخيا اقتصر على النقل لميراث الحضارات الأخرى، وأن علاج الأمة المسلمة، سوف لا يتحقق، إلا بإعادة بنية العقل العربي وفق الأنموذج الغربي.
لذلك رأينا الكثير من الدراسات اليوم لخريجي المدرسة الاستشراقية تتجه إلى طروحات، من مثل: بنية العقل العربي، ونقد العقل العربي، وخطاب إلى العقل العربي. . . . إلخ، وأن أول ما نلاحظ أن منهج النقد يتم طبقًا لآليات ومعايير وطروحات الفكر الغربي، وينطلق غالبًا من الترسبات التي تركها الاستشراق في ضحاياه، لذلك نراها تتخبط كثيرًا في الخلط بين العقل كآلة للتفكير، وبين الإنتاج الفكري لذلك العقل.