الحمد لله الذي خلَق فسوّى، والذي قدَّر فهَدى، أحمده سبحانه وأشكره على نعمٍ لا تُعَدّ ولا تحصَى، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفاتُ العلى، وأشهد أن سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله المبعوث بالنور والهدى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيلَه واقتفى.
أمّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي سبيلُ النجاة وطريق الفلاح، وبها السعادة في الدنيا والأخرى.
العالمَ اليومَ يعيشُ حالةً من الإثارةِ الشهوانية العارِمة التي تُلهِب مشاعِرَ الشباب، ومن أبرز سُبُل الانحراف ومن أبرز حبائلِ شياطين الإنس هذه الفضائياتُ التي يزيِّنُ مُعظمها الانحرافَ ويجرُّ إلى الضلالة، لقد تراجَع دورُ مؤسّسات التربية أمام هذه الفضائياتِ التي أطلقت أبواقَها وسخّرت جهودَها في فتح أبوابِ الانحراف من تلويثِ العقول وإفساد القلوبِ ونزع جلبابِ الحياء، سهَّلت الغزوَ الفكريَّ ونَقلت ثقافة وأخلاق بلدانٍ لا تمثِّل الإسلامَ ولا تدين به، شجَّعت على الفسقِ والسّفور، جرَّأت على الجريمة والانحراف.
وإذا أردنا تقليصَ زاوية الانحرافِ فلا بدّ من البَحث عن حلولٍ لهذا الكابوسِ الجاثم على صدورِنا القابِع في دورنا المزَلزِل لأخلاقنا والتصدِّي لسُمومه وإبطال مفعوله.
مِن وسائل علاج الانحراف القيامُ بالدعوة إلى الله بالحكمة وبالموعظةِ الحسنة، قيامُ المسجد برسالته وإحياء دورِه في التوجيه والإصلاح، قيامُ الدّعاة والمربِّين بواجبهم وتحمُّل مسؤوليّتهم. أصحابُ الفكر وحملةُ الأقلام ندعوهم للإسهام في مقاومةِ مظاهرِ الانحراف بدراستِها ووضعِ الحلول لها، بل كلُّ فردٍ منّا يُعتبَر حارسًا أمينًا ومسؤولًا عن حمايةِ أمّته من الفساد والانحراف، محافظًا على نقاء وبقاءِ مجتمعه، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] .
يتحقّق هذا في التواصي بالحقّ والتواصي بالصّبر والقيام بواجب الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر الذي هو صمّام أمنِ المجتمعات وسبيل نجاتها، قال الله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر] .
ألا وصلّوا ـ عباد الله ـ على رسولِ الهدى، فقد أمَرَكم الله بذلك في كتابه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهمّ صلّ وسلِّم على عبدك ورسولِك محمّد، وارض اللهمّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين...
(1) سنن الترمذي: كتاب صفة القيامة (2499) من طريق علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه، وأخرجه أحمد أيضا (3/198) ، وابن ماجه في الزهد (4251) ، والدارمي في الرقاق (2727) ، قال الترمذي:"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة"، وصححه الحاكم (4/244) ، وتعقبه الذهبي بقوله:"علي لين"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4515) .
(2) مسند أحمد (2/178، 181، 195) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو عند ابن ماجه في مقدمة سننه (85) مختصرا، وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (1/14) ، وهو في صحيح سنن ابن ماجه (69) ، وأصل الحديث في مسلم: كتاب العلم (2666) من طريق آخر عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وفي الباب عن أبي هريرة وعمر وابن مسعود وأنس وعائشة رضي الله عنهم.
(3) صحيح مسلم: كتاب الزكاة (1064) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو أيضا عند رواه البخاري في الأدب (6163) .
(4) قصة ضرب عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل أخرجها عبد الرزاق في المصنف (11/426) ، والدارمي في مقدمة سننه (144، 148) ، وأخرج الطبري في تفسيره (9/170) عن ابن عباس قال: (أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه) ، قال ابن كثير في تفسيره (2/283) :"وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس"، وقال في موضع آخر (4/233) :"قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر رضي الله عنه، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنّتا وعنادا. والله أعلم". وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/14-15) .
(5) صحيح البخاري: كتاب الجمعة (893) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم أيضا في الإمارة (1829) .
(6) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (1358، 1359، 1385) ، ومسلم في كتاب القدر (2658) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) أخرجه أحمد (5/36، 39، 44) ، والنسائي في الاستعاذة (5465) ، والبزار (3675) عن أبي بكرة رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة (747) ، وابن حبان (1028) ، والحاكم (99، 927) ، وهو في صحيح سنن النسائي (5048) .
(8) أخرجه البخاري في الأدب (6005) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
(9) أخرجه أحمد (2/303) ، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس (4833) ، والترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء في أخذ المال بحقه (2378) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم (4/188) ، ونقل التبريزي في المشكاة (3/1397) عن النووي أنه قال:"إسناده صحيح"، وحسنه الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لابن تيمية (ص60) .
(10) 10] انظر: فيض القدير (6/288) .
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3460)
عبد الرحمن السديس إمام الحرم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسي بتقوى الله عزّ وجل، فهُدَى النفوسِ بتقواها، وبإعراضِها عنها رداها في دينِها ودنياها وأُخراها، يِاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29] .
أيّها المسلمون، عنوانُ تقدُّم الأمَمِ وفَخارِها ومبعَث أمنِها وأمانها واستقرارِها مرهونٌ بسلامة عقولِ أفرادها ونزاهةِ أفكار أبنائِها ومدَى ارتباطهم بمكوِّنات أصالتِهم وثوابتِ حضارتهم وانتظامِهم منظومتَها العقديّة والفكريّةَ ونوعيّتَها الثقافيّة والقِيَميّة. ومن محاسنِ شريعتِنا الغرّاء أنها جاءت بحفظِ العقول والأفكار، وجعلت ذلك إحدَى الضرورات الخمس التي قصدَت إليها في تحقيقِ مصالح العباد في أمورِ المعاش والمعاد، كما جاءت بحِفظ الأمنِ للأفرادِ والمجتمع والأمّة.