والوحدة العاطفية لا تكفي أيضًا، إلاّ إذا عرفت هذه الوحدة: كيف تدخل في العصر الجديد، وكيف تستفيد من الفرص المتاحة، ومن خلال حسن الاختيار؛ كي تصل إلى أفضل النتائج.
إن الغرب الصليبي بدوافع الأحقاد التاريخية المتأصلة ضد الإسلام وأهله، لن يسمح بقيام المسلمين ونهضتهم ووحدتهم ودخولهم في عصر التقنيات العالية.
وإن اليهودية العالمية ستبذل المستحيل للحيلولة دون قوة ووحدة الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة.
لكن إذا أخلصت الأمة مع ربها، وانطلقت إلى بناء الحياة من ذاتها، فإنها- بإذن الله- ستصل إلى ما تريد، دون مساعدة الأقوياء. وأمامنا اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد رفضتا المساعدة الخارجية المقيدة المشروطة، وواجهتا قدريهما بنفسيهما، ووصلتا اليوم إلى ما وصلتا إليه من القوة والحصانة.
يقول الاقتصادي المصري"رفعت العوضي":"مسألة التكامل الإسلامي، وكيف يمكن للدول الإسلامية اليوم أن تكمل في إطار هذا التكامل في ظل الظروف الراهنة، ليس بمقدور أي دولة إسلامية أن تخرج عن الإجماع العولمي الذي تمليه الدول السبع الكبار عبر المؤسسات والمنظمات الدولية، ومن ثم فإن المتنفس أمام الدول الإسلامية يبدأ عبر الساحة الإسلامية ذات الامتداد الجغرافي والإستراتيجي والسكاني والمادي، بدءًا بالتكامل، وانتهاءً بالتوحد عبر سياسات منضبطة."
العالم الإسلامي يمتلك مخزونًا جبارًا من رؤوس الأموال ومن الثروات الحيوية والمعدنية، بالإضافة إلى التلاحم الجغرافيين، والتكامل في الموارد؛ ولهذا لو قامت تجارة فعلية بين العالم الإسلامي لأمكننا الاستغناء عن العالم الخارجي- على الأقل- في الاحتياجات الإستراتيجية.
وهنا يبرز دور مؤسسات التكامل؛ سواء على مستوى الإطار الإسلامي العام كمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو حتى على المستوى الإقليمي كالاتحاد المغربي ومجلس التعاون الخليجي، أو اتحاد جمهوريات وسط آسيا الإسلامية، أو على المستوى الوظيفي كمجموعة الدول الثمانية الإسلامية. لكن المثير للعجب أن دور هذه المؤسسات لم يزل مقصورًا على الدور الاستشاري، ولا يحمل أي صورة من الإلزام"."
إننا بحاجة إلى بناء الإنسان المسلم بناء إيمانيًا قويًا راشدًا، معتزًا بذاته، مغيرًا لظروف حياته، عارفًا بظروف الأمم الأخرى، قادرًا على نهوض حقيقي في مواجهة أخطار العولمة.
والشرط الأساس أن نعيد إليه الاعتبار، ونخلصه من الاستلاب السياسي الذي تعرض له خلال القرون الأخيرة؛ كي يخطط لمشروعه الحضاري المتكامل، ليخدم نفسه ويخدم غيره.
إن الغرب الآن ليس بحاجة إلينا في التقنيات المتقدمة، بل نحن الأحوج إلى ذلك كثيرًا، ولكن الغرب يحتاج إلى قيمنا كما نحتاج إليه. ولو أخذنا بوسائل العولمة الحديثة التي يستعملها للتدمير، ووجهناها من خلال قيمنا وأخلاقنا إلى التعمير، لخدمناه وخدمنا البشرية جميعًا، وخدمنا- قبل ذلك- أجيالنا، وحصنّاهم؛ كي لا يقعوا فريسة سهلة أمام مغريات العولمة الأمريكية الصهيونية اللادينية الإباحية.
يقول الدكتور"عبد الحميد الغزالي":"بعد سقوط الاشتراكية وتبني جورباتشوف البيريسترويكا، التي أراد من خلالها أن يبحث عن طريق غير الرأسمالية؛ لأنه أعلم بمشاكلها- أرسل وفدًا ليدرس النظام الإسلامي للاستفادة منه، وشكلت لجان في مركز الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الأزهر من المتخصصين، وعكفت هذه اللجان على صياغة برنامج متكامل للنظام الإسلامي في شكل بنود وفقرات، قدمنا فيه نظامًا اقتصاديًا تشغيليًا، يبدأ بفلسفة النظام والعمل والأجور، ونظام الملكية المتعددة، والاستهلاك، والاستثمار، والادخار، والشركات، وصيغ الاستثمار، والسياسة النقدية، والسياسة المالية.... إلى آخر مكونات النظام الاقتصادي الفاعل."
وعندما قدّمنا هذا النظام للوفد، تساءل رئيسه الوزير"بافلوف":"لديكم مثل هذا النظام، وأنتم على هذه المسألة من التخلف؟". وأسندت أمانة المؤتمر الردّ إليّ، فكان ردّي:"لأننا بعيدون تمامًا عن هذا النظام".
ولكن توالت أحداث تفكك الاتحاد السوفيتي، ولم تُعِد القيادة الروسية الفرصة للاستفادة من هذا المشروع، الذي أصرَّ الوفد الروسي على مناقشته تفصيلًا في جولة ثانية في موسكو.. إلاّ أن الجولة المقترحة لم تتم بسبب هذه الأحداث.
ترجمة: عبدالله جاد
بقلم/ د. إبراهيم أبو ربيع
لم يحقق الفكر الإسلامي المعاصر كل إمكاناته الفكرية، فباستثناء انطباعات ودراسات فردية قليلة؛ لم يقدم هذا الفكر منظورًا شاملًا للعديد من القضايا والمسائل التي تواجه العالم الإسلامي، وهذه الثغرة أكثر وضوحًا في مسألة الحداثة والعولمة، ومن ثم يثير الكاتب بعض الملاحظات النقدية حول حالة الفكر الإسلامي المعاصر، منطلقًا من ثلاث مقدمات أساسية تتصل بطرق معالجة الفكر الإسلامي لقضية العولمة، ثم يحاول رصد عدد من التضمينات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية لمفهوم العولمة؛ خاصة فيما يتصل بوضعية العالم الثالث فيما بعد الحرب الباردة أو في ظل النظام العالمي الجديد وانعكاساتها على مفهوم الاستقلال الثقافي في ظل العولمة، كما يهتم برصد تداعيات العولمة على قضية المسلمين المركزية (القضية الفلسطينية) ، من خلال استكشاف آفاق وأبعاد العلاقة بين الصهيونية والعولمة. ويرى الكاتب أن المجتمع المسلم في الغرب موقع مثالي لفهم طبيعة العولمة وما تنتجه وما تفرضه من تحديات على العالم الإسلامي بما يثير قضية عولمة الإسلام الأمريكي، وينتهي إلى أفكار ختامية حول طرق معالجة التحولات المعرفية والأخلاقية التي أحدثتها العولمة مؤخرًا، كما يحتوي البحث على عدد من الهوامش والإحالات المرجعية.
الليبرالية الجديدة، كنسق عالمي، حرب جديدة لغزو مناطق جديدة، فلا تعنى نهاية الحرب العالمية الثانية أن العالم قد تغلب على الثنائية القطبية، أو أنها أفضت مرة أخرى إلى الاستقرار تحت سيطرة المنتصر، فعلى حين كان ثمة جانب مهزوم، وهو المعسكر الاشتراكي، فإنه يصعب تحديد الجانب الفائز هل هو الولايات المتحدة ؟ أم الاتحاد السوفيتي؟ أم اليابان؟ أم الثلاثة معًا؟ فبفضل الكمبيوتر والأسواق المالية ومن منطلق تجارى، ووفقًا لرغباتها، تفرض الليبرالية الجديدة قوانينها ومبادئها على الكوكب، فلا تعدو العولمة أكثر من امتداد شمولي لمنطقها إلى كل جوانب الحياة، والولايات المتحدة التي كانت حاكمة الاقتصاد سابقًا، أصبحت الآن محكومة عن بُعد بحركية القوة المالية الفائقة"التجارة الحرة"، وقد استفاد هذا المنطق من خاصية النفاذ الناتجة عن تطور الاتصالات؛ ليتولى أمر كل جوانب النشاط في النطاق الاجتماعي، وكانت النتيجة أن أصبح الجميع بمنأى عن الحرب (1) . لقد كانت الثقافة في الخمسينيات والستينيات ـ وهى إحدى مراحل تاريخ العالم الثالث التي يأمل مؤيدو العولمة في تهميشها واغتيالها - تتشكل من نوعين من الثقافة: الثقافة الاستعمارية المهيمنة والثقافة الوطنية التحررية، ويرغب أولئك المتأثرون بأيديولوجية العولمة في ابتداع ضرب جديد من الثقافة: ثقافة الانفتاح والتجدد وثقافة الانسحاب والركود (محمد عابد الجابرى) (2) .