وإذا كان الطريق الرسمي لانتشار الدعوة الإسلاميَّة في السابق هو طريق الفتوحات، فذلك حينما لم يكن يؤذن لصوت الإسلام أن يسمع في غير المجتمعات الإسلامية، وكانت سيوف الروم والفرس وأحلافهما تحول دون ذلك، واليوم وإن كان هذا السبيل قد انقطع العمل به بسبب ما آلت إليه أوضاع المسلمين من التخلُّف والضعف والتمزُّق، بالإضافة إلى غياب الخلافة التي هي رمز وحدتهم وقوَّتهم، فبالرغم من ذلك قد تيسَّرت أسباب للبلاغ لم تكن متوفِّرةً في الأزمان الغابرة، يمكن من خلالها اقتحام بيوت غير المسلمين بالصوت والصورة فقط، دون التعرَّض للخطر والأذى، فلا شكَّ أنَّ استغلالها لازم لتحقيق الانتشار الشامل والسريع للإسلام، بما يناسب من الوسائل العصريَّة، مثل وسائل الاتصالات الفضائيَّة وشبكة الأنترنت وغيرها. فإنَّ أعداء الإسلام لا يألون جهدًا في استعمال كلِّ ما يسهِّل لهم مهمَّة الغزو الفكري والثقافي المضاد للمسلمين في عقر بيوتهم.
إنَّ الحديث عن طرق انتشار الإسلام في المستقبل يجعلنا نضع في الحسبان قضيَّة العولمة، خصوصًا عولمة الأفكار والثقافات، وبحكم التطوُّر السريع والمذهل لوسائل الاتِّصالات الفضائيَّة التي قاربت بين أقطار العالم، وأزالت عنه كلَّ الحدود والحواجز، خصوصًا في مجال نقل المعلومات، بحيث أصبح العالم وكأنَّه مدينةٌ واحدة، تتحكَّم فيها أجهزة الحاسب، ومحطَّاتٌ فضائيَّة تعمل على نشر أيديولوجيات وثقافات العالم.
إنَّ العولمة لا يوقفها شيء، ولا تقف هي عن حدٍّ، والهيئات العالميَّة على اختلاف انتماءاتها الدينيَّة والاجتماعيَّة تسارع إلى نشر أفكارها وأيديولوجياتها بما فيها من غث وسمين، والإنسان صار يَسبح بلا شروط ولا قيود في عالم الفضائيَّات من موقعه.
فلا جرم أنْ وجب على المسلمين ـ وهم أصحاب الرسالة العالميَّة والحضارة الإنسانيَّة لجميع البشريَّة كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ـ أن يستفيدوا من وسائل هذه العولمة وتقنيَّتها، في سبيل نشر الإسلام وطرح البدائل الإسلاميَّة في شؤون الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتشريع وسائر العلوم الأخرى، في جميع ما في الوسع من أروقة السوق الدوليَّة، لتكون عنصرًا مؤثِّرًا في تيارات العولمة، بدلا من حال المتفرِّج المهزوم، فإنَّ الإسلام يتمتَّع بالمناعة الذاتيَّة وبثرائه وعطائه، بحيث إنَّه يؤثِّر ولا يتأثَّر، بيد أنَّ جميع المناهج المخالفة له تعتريها جوانب الضعف الموضوعي.
ويبدو أنَّ بعض الجهات الرسميَّة في العالم الإسلامي قد بدأت تفكِّر بجدِّيَّة في هذا الموضوع، خصوصًا بعد أن صارت شبكة الأنترنت تستغلُّ من قبل بعض المواقع المشبوهة لعرض ما يناقض الإسلام ويشوِّه حقيقته باسم الإسلام.
ويوجد الآن على شبكة الأنترنت ـ خارج الرسميات ـ مواقع إسلاميَّة دعويَّة كثيرة بحمد الله.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4590)
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فتزودوا بها وحققوها، وتخففوا من الدنيا وطلقوها، واحرصوا على ما يقربكم من خالقكم ومولاكم، عظموا أوامره واجتنبوا نواهيه، واحذروا سخطه وخافوا نقمته، زكوا أنفسكم وجوارحكم وأعمالكم، واحفظوا ألسنتكم وزنوا أقوالكم، اشتغلوا بما فيه نفعكم في دنياكم وآخرتكم، واحرصوا على ما فيه اجتماع أمركم واتفاق كلمتكم، وفروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2، 3] .
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، ما أحوج الأمة في أيام محنها وأوقات شدائدها إلى وقفات في مناسباتها وأعيادها، وقفات يتجدد فيها العزم على المجاهدة الحقة، ويعم فيها التوجه على محاربة كل بغي وفساد. ما أحوجها إلى دروس تستعيد فيها كرامتها وقدرها، وترد على من يريد القضاء على كيانها. إن حقًّا على أمة الإسلام وقد تشابكت عليها حلقات من المحن وتقاذفتها أمواج من الفتن وصيح بهم من كل جانب وصوب وتداعى عليهم الأكلة من كل مكان، إن حقًّا عليهم أن يعودوا إلى سيرة نبيهم ؛ ليأخذوا منها الدروس، ويستلهموا العبر، لا في حال سلمهم وأمنهم فقط، ولكن في حال حربهم وجهادهم لأعدائهم، ليس الأعداء الخارجيين فحسب، بل حتى مع أعدائهم الذين هم من جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم، ممن قال الله فيهم: يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا [الأحزاب:13، 14] .
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، إننا اليوم نعيش فتنًا عظيمة ومصائب جمة، فتن شبهات وشهوات، تموج أعاصيرها كموج البحار، وتتقلّب فيها القلوب كما تغلي القدر بما فيها، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي موقنًا ويصبح متشكّكًا، يعادي من كان له وليًّا، ويوالي من كان له عدوًا، ويرى القبيح حسنًا والحسن قبيحًا، ويبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. الأمر الخطير العظيم الذي يحتم على كل مسلم يعتز بدينه ويفتخر به ويطمع في أن يلقى الله عليه غير مبدل ولا مغير، يحتم عليه أن يسعى لحفظ هذه النعمة، ويوجب عليه التمسك بهذه المنحة، وأن يبذل الأسباب التي تعينه ـ بإذن الله ـ على الثبات ومواجهة الفتن، إقبالًا على كتاب الله وسنة رسوله، وتطبيقًا لما فيهما قولًا وعملًا واعتقادًا، وطلبًا للعلم وإخلاصًا في تحصيله، وحرصًا على الاتباع وبُعْدًا عن الابتداع، وإكثارًا من الأعمال الصالحة الخالصة، وابتعادًا عن مظان الفتن ومواقعها ومسبباتها.
أما أقوى الأسلحة وأمضاها في اتقاء الفتن ـ خاصة والمسلمون يمرون بالظروف المعاصرة والمتغيرات المتسارعة ـ فهو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، إذ به تُردّ عاديات الطغيان وكيد الشيطان، وبه ينتصر الحق ويزهق الباطل، فيكون الدين كله لله، ويبقى دين محمد مصدّقًا لما بين يديه من الحق ومهيمنًا عليه. ومن رحمة الله تعالى وتأييده لعباده المؤمنين أن هذه الفريضة العظيمة والشعيرة الجليلة لا تنتظر تكافؤ العدد والعدة بين المؤمنين وعدوهم، بل يكفي المؤمنين أن يعدّوا ما استطاعوا من القوى، وأن يتقوا الله ويثقوا بنصره، ويثبتوا عند المواجهة ويصبروا، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] .