وبديهي، بل هو فوق البديهي، أن شرط (الثقافة) بقيوده الثلاثة، ممتنع على (المستشرق) كل الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد، كما يقول أبو الحسن التهامي الشاعر:
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
وذلك لأن (الثقافة) و (اللغة) متداخلتان تداخلًا لا انفكاك له، ويترافدان ويتلاقحان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب، ويمتزجان امتزاجًا واحدًا غير قابل للفصل، في كل جيل من البشر، وفي كل أمة من الأمم. . فأنى للمستشرق أن يحوز ما لا يحوزه إلا من ولد في بحبوبة اللغة وثقافتها منذ كان في المهد صبيًّا. . . . . . .". (47) "
وهذا كلام مبين غاية الإبانة، واضح تمام الوضوح، لا تحتاج معه إلى جليل ومع ذلك أسوق لك من كلام أحد المستشرقين وكبار دهاقينهم ما يؤكد هذا. كتب شيخ المستشرقين الروس، وأقدرهم بإطلاق (كراتشوفسكي) إلى شقيقته يقول لها: (إن اللغة العربية تزداد صعوبة، كلما ازداد المرء دراسة لها) - أرجع إلى المقدمة التي كتبتها زوجته لكتابه (مع المخطوطات العربية) ترجمة الدكتور محمد منير مرسي. قلت: ما باللغة العربية من صعوبة !! وكيف تزداد صعوبتها مع الأيام؟ وكلما ازداد دراسة لها؟؟ لكنه العجز الفطري والعجمة الموروثة، فأني يهرب منها (كراتشوفسكي) وأضرابه.
وإن كنت بعد في شك من أمر عجز المستشرق عن استكناه سر اللغة، وإدراك كنه الثقافة، فسأضع بين يديك نماذج لما وقعوا فيه من أوهام غليظة (48) نتيجة لهذا العجز المهين، فمنها:"شرح كرترمير، (الأحداث) بالغوغاء، وتفسير كازانوفا، لفظ (أمي) بشعبي، ومن ذلك ما وقع فيه المستشرق الألماني (براجستراسر) في تحقيق كتاب مختصر في شواذ القراءات لابن خالويه، حيث صحف كلمة أبي عمرو بن العلاء: (فقد تربع في لحنه) وجعلها: (فقد تربع في الجنة، مع أن المقام مقام ذم".(49)
وإذا كانت هذه الأخطاء لا يترتب عليها كبير خلل في المعنى، أو قضايا علمية، فهناك ما يترتب عليه فساد في المعنى، وأحكام شرعية، فمن ذلك ما قاله (م. وات) من تفسير الغض من البصر بأنه التواضع، حيث قال: (وقد نزلت آيات أخرى تدعو المؤمنات إلى التواضع) [وقل للمؤمنات يغضُضْن من أبصارهِنَّ، ويحْفظْن فُروجهنَّ، ولا يُبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها] (سورة النور:31) . (50)
هكذا يرى أن هذه الآية تدعو إلى التواضع، ولسنا ندري من أين جاءه هذا المعنى، مع أن السياق، يشير إلى أن الأمر بغض النظر هنا هو عدم النظر إلى ما لا يحل نظره من الأجنبي، ولا علاقة لهذا بالتواضع.
ونموذج آخر للمستشرق (فان فلوتن) وهو يعتبر أحد المستشرقين المعنيين بالتاريخ الإسلامي، المتخصصين في فترة الأمويين والعباسيين، وتستطيع أن تجد اسمه يتردد في كثير من الكتب الجامعية مرجعًا من مراجعهم يباهون به، ويفتخرون بالاعتماد عليه، وهو يغريهم بما ينسبه إلى الطبري، والبلاذري، واليعقوبي، والواقدي، ونحوهم، فيخيل للباحثين والدارسين أنه (وثق) كل أخباره، وأتى بها من منابعها، فيعجبون به، ويطمئنون إليه.
لفلوتن كتاب بهذا الاسم، ونظرًا لأهميته في مجال التاريخ حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا، فترجمه إلى اللغة العربية سنة 1934م، الدكتور حسن إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم، وطبعت هذه الترجمة طبعتان، ثم ترجمه سنة 1980م مرة ثانية الدكتور إبراهيم بيضون. . وفلوتن متخصص في تاريخ هذه الفترة حيث كانت أطروحته للدكتوراه في نفس الموضوع ودراسته ومقالاته وأبحاثه تتجه كلها هذه الوجهة.
ومن هنا كان لكلامه وزن وقيمة، وكان (لتحريفه) للمصادر، (وخيانته) للمنهج خطر عظيم، وكان هذا منه جرمًا أي جرم.
ونحن نلتزم بهدفنا هنا، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجم على الإسلام والمسلمين، الذي لا يعدو أن يكون سبًّا وشتمًا (بأسلوب أكاديمي) وإنما يعنينا هنا جريمته في حق تراث أمتنا، وكيف حرف المصادر والمراجع وزيفها. وإليك هذا المثال:
جاء في ص 66:"ولقد أصابت الأسر المرموقة في الكوفة ثراء، فاحشًا كان مصدره (المغانم) والأعطيات السنوية، فكان الكوفي إذا ما ذهب إلى الحرب يصطحب معه أكثر من ألف من الجمال، عليها متاعه وخدمه"ثم نسب ذلك إلى الطبري:2/8106 س8.
وعلى البديهة نرفض أن يكون هذا الكلام في الطبري، فنحن نعرف الطبري رضي الله عنه إمامًا عالمًا، مؤرخًا محدثًا فقيهًا، أو على الأقل (عاقلًا، يدري ماذا يقول) !! فكيف يذهب الجندي المقاتل إلى الميدان ومعه أكثر من ألف من الجمال، تحمل متاعه وخدمه؟ كيف يقاتل ومعه هذه الحاشية؟ وما يصنع بحمل ألف جمل من المتاع في الميدان؟ وإذا فرضنا أن الجيش كان عشرة آلاف مقاتل (وهذا تقدير متواضع) فكم عدد الجمال التي تحمل متاعهم؟ أليست أكثر من عشرة ملايين من الجمال؟ كيف يتحرك هذا الجيش؟ وأية طرق تسعهم وأية مياه تكفيهم؟ وأية مراع تطعمهم؟ وإذا سقط من الجيش بضع مئات أو آلاف قتلى في الميدان، فأين تذهب الملايين من الجمال التي تحمل أمتعتهم.
لو قرأ أي عاقل هذا الخبر في أصح كتاب لا تهم صاحبه أو على الأقل نسبه إلى الخطأ والوهم، ورفض أن يحكي هذا الكلام أو ينقله.
ولكن المستشرق العظيم في غمرة اجتهاده، لإثبات أن فتوحات المسلمين كانت انتهابًا لخيرات وثروات البلاد التي فتحوها، راح يجمع الأدلة من هنا وهناك ويلويهاليًّا، ويزيفها تزيفًا، إلا أننا ما كنا نتوقع أن يخرج بتزييفه إلى حد اختراع هذه الخرافة، التي لا شك أنه لم ينتبه إليها، فقد شهدت عليه لا له.
وهل لذلك أصل في الطبري؟؟
إن عبارة الطبري تقول على لسان قيس بن الهيثم أحد أصحاب مصعب بن الزبير قبيل التحامه مع جيش عبد الملك بن مروان، يُرغب أهل العراق في القتال، ويبين لهم حسن معاملة ابن الزبير لهم، ورفعه لمنزلتهم ومكانتهم:". . والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف، وأحدنا على ألف بعير. ."
فالقائل هنا يريد أن يوازن لأهل العراق بين معاملة خليفة الشام لأصحابه فالسيد منهم يقف بالباب، ويعتدها تكريما من الخليفة لو أرسله في حاجته، وبين إكرام حكامهم (الزبيريين) لهم، فالواحد منهم على ألف بعير، ومعنى على ألف بعير، أي أمير ألف، وكان هذا أكبر لقب في الجيش، بعد القائد العام، أي أنهم في كنف الزبيريين كلهم أمراء. (51)
فإذا تركنا شروط المنهج، وما رأيناه آنفًا، من أن المستشرق محروم منها وجدنا لونًا آخر، بل ألوانًا من خيانة المنهج، أعني ما ذكرناه آنفا من البراءة من الهوى، وسنعرض طرفًا من أفانين خيانة المنهج، ونبدأ بما سميناه (التعسف في التفسير والاستنتاج) فهنا لا يكون اللفظ العربي مستعصيا مستغلقا على المستشرق، ويمكنه - لو أراد - أن فهمه فهمًا صحيحًا، ولكنه يميل مع هواه فينطق النص بما يتفق وهدفه، ويشبع هواه، والأمثلة على ذلك كثيرة - ككل خيانات المستشرقين - لا تقع تحت حصر، ولكن يكفي أن نذكر مثالًا للمستشرق (المنصف) (المعتدل) م. وات: وذلك حين يفسر أمر القرآن الكريم للمؤمنين بالاستئذان قبل الدخول لبيوت غير بيوتهم، وأمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر (52) . يفسر ذلك بانحطاط في مستوى الأخلاق، كان النبي صلى الله عليه وسلم ، بحاجة إلى السمو به (53) .
فمن أين أتى بهذا الاستنتاج؟؟ وهل تسمح النصوص القرآنية الكريمة بأن يستنتج منها هذا الاستنتاج العجيب.