هل إذا كانت الأخلاق (غير منحطة) يسمح بدخول بيوت الغير بدون استئذان؟؟
إذا نصح هذا المستشرق ابنه وهو يؤدبه ويعلمه، ألا يدخل بيتًا غير بيته إلا بعد أن يستأذن، أيدل ذلك ( على انحطاط مستوى أخلاق ابنه) ؟؟ وعلى انحطاط مستوى أخلاق مجتمعه؟؟..
ونعود إلى (فلوتن) وكتابه (السيطرة العربية) لنأتيك منه بمثال آخر: جاء في ص 67 قوله:"وقد فرضت حالة الترف المتصاعدة هذه - يقصد الترف الذي أصابه المسلمون ثمرة للفتوح - تغطيةً دائمة لمواجهة متطلبات جديدة، واللجوء إلى الاستدانة كطريقة فذة من أجل إشباع رغباتهم.."ثم أحالنا على الطبري: 1/2811.
فماذا نجد في الطبري في هذا الموضع؟
لم نجد في الطبري إلا خبرًا عن استدانة سعد بن أبي وقاص من بيت مال الكوفة، وكان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وكان سعد والي الكوفة، فاستقضى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سعدًا، واشتد في مطالبته، فاستمهله سعد فلم يقبل، وكان بينهما تلاوم، ووصل إلى عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعًا، فلا مهما معًا، وقال لهما: أنتما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف تتلاحيان هكذا أمام الناس وعزل سعدًا وأقر عبد الله بن مسعود على عمله.
هذا هو ما ذكره الطبري، فكيف يفهم منه أي قارئ ، بله باحث ضليع يقتعد مقعد الأستاذية؟؟
كيف يفهم من هذه الحادثة أن الاستدانة قد صارت ظاهرة في المجتمع؟؟.. وأنها أصبحت وسيلة (فذة) لإشباع الترف الذي شاع فيه؟ كيف يفهم هذا؟؟ وبأي منطق يقال هذا؟؟ وأي ترف كان في مجتمع الكوفة سنة 26هـ. ثم لو نظر إلى هذه الحادثة بعين مجردة، ودون تعمق ولا (منهج بحث) ولا . . ولا . . ألا يجد فيها فخرًا للإسلام والمسلمين؟؟ ألا يرى كيف لم يستطع الحاكم (والي الكوفة) أن ينال من مال الجماعة إلا قرضًا؟ ثم ألا يرى كيف كانت أمانة خازن بيت المال، الذي لم يسعه السكوت عن (الوالي) واصطناع يد عنده، وأي (يد) ؟ بالتأجيل فقط طبعًا (لا بالتنازل) ثم ألا يرى تلك الحرية التي وسعت (موظفًا) (صرافًا) (خازنًا) يلاحي الأمير، ويناصيه ويغلظ له؟؟!! أية (ديمقراطية) هذه؟؟ ألا تهز أعطافه؟ ألا تروعه؟ ألا تبهره؟
لو لم تلعب بهذا (المستشرق) الأهواء لرأي في هذا لونًا من الضبط الإداري، وتنظيمًا مبكرًا لمالية الدولة، وفصلًا بين سلطة الحاكم (والي الكوفة) وسلطة خازن بيت مال الولاية، بحيث لا يملك الحاكم أن ينال من مال الدولة شيئًا، أي شيء. كان من الممكن أن يقف (فلوتن) أمام هذا الموقف بين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، موقفًا آخر، ينطلق منه إلى قضية أخرى، قضية الإدارة والتنظيم الإداري للولاة، وللدولة الإسلامية منذ عهدها المبكر.
ثم ألا يتبادر إلى الذهن أن الحاجة، والفاقة هي التي ألجات سعدًا إلى الاستدانة؟؟ وهذا هو الواقع!!! ففيم كان يستدين سعد في ذلك الوقت؟؟ وفي أي مجال كان ينفق في ذلك الحين؟؟ فقد كانوا يعيشون عيش الكفاف!!!
ثم لو مد بصره قليلًا، لقرأ في الأسطر التالية بقية القصة، وكيف أن سعدًا لشدة ألمه من عنف عبد الله بن مسعود، وعدم رفقه وتأنيه به - رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم ربّ السماوات والأرض.. فقاطعه عبد الله بن مسعود قائلًا: ويلك!! قل خيرًا ولا تلعن. وخاف أن يدعو سعد عليه، فقال سعد عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله، لدعوت عليك!!! كلمات تقطر تقوى وتندى بالحب والإخاء، ومواقف تنطق بالطهارة والتعفف.
ولو قرأ بقية الصفحة لوجد أن الأمير الذي تولى بعد سعد على الكوفة مكث خمس سنوات، وليس على داره باب!!! فأي ترف؟ وأي استدانة؟؟
ولكن هكذا بهذا التحريف، وبهذا التزييف استكره النص، واستنطقه ما لا ينطق به ، وقال على الطبري ما لم يقل، وقلب الحسنات سيئات.
وكل هذا الخلل والتعسف إنما جاء (فلوتن) من الفكرة التي سيطرت عليه مسبقًا، وهي أن المسلمين نالوا من الفتوحات أموالًا طائلة، حققت هدفهم من الغزو، وجعلتهم يعيشون عيشة الترف والسرف والبذخ، فلما اصطدم بما قرأه في الطبري من قصة استدانة سعد بن أبي وقاص، وتأخره في السداد، مما يجعل الذهن ينصرف تلقائيًّا إلى عجز مرتبات الولاة عن أن تقوم بشؤونهم ونفقاتهم - كان عليه أن يلوي عنق النص، ويعتسف طريق فهمه وتفسيره، حتى ينطقه بما يريد أن يثبته من شيوع حالة الترف وسيطرتها على المجتمع،"وأن اللجوء إلى الاستدانة كان الطريقة الفذة من أجل إشباع الرغبات"..
ولا يقف تعسف (فلوتن) وتزييفه للنصوص عند هذا الحد، بل نجد أمثلة كثيرة، نذكر منها ما قاله في ص 68، فبعد أن ذكر أن الفتوح الإسلامية كانت من أجل الغنائم والأسلاب، وأن تقسيم أربعة أخماس الغنائم على الجند كان الدافع وراء هذه الفتوحات التي منها"ما لم يكن في حقيقته سوى حملات من الإرهاب، أو قطع الطريق، ضد شعوب لا تبغي سوى السلام"قال بعد ذلك مباشرة:"ولعل ما حدث في سمرقند يعتبر مثالا صارخًا لهذا النوع من (الفتوح) - يقصد، كما وضح من كلامه آنفًا، فتوح السلب والنهب وقطع الطريق - فقط استسلمت هذه المدينة على إثر معاهدة أبرمتها مع سعيد بن عثمان، (54) مقابل دفع سبعمائة ألف درهم، وتقديم ألف من سكانها رهائن."
ثم استولى عليها قتيبة بن مسلم في وقت لاحق (حسب الرواية العربية) (كذا) وطرد أهلها، واحتل جنودُه، منازلها، رغم التزامهم بالمعاهدة المبرمة مع القائد السابق". انتهى. بنص حروفه."
والحق لقد فزعت حين قرأت هذا الكلام، لا من حدوث مثل هذه الشناعة من القادة المسلمين، فمعرفتي بتاريخ أمتي، والروح الذي سادته، يجعل ذلك لا يخطر لي ببال، ولكن فزعي من أن يصل الأمر في الاجتراء والافتراء إلى أن ينسب الغدر إلى جيش المسلمين، ويضرب مثالًا للفتوح، التي لا باعث لها، إلا السلب والنهب.
وإمعانا في التغرير يلبس الرجل طيلسان العلماء، ويرفع راية (المنهج) و (البحث العلمي) فيسند ظهره إلى المصادر والمراجع، وقد اختار شيخ المؤرخين الطبري، لينسب إليه هذا الكلام.
فلننظر ماذا عند الطبري، وماذا قال، ثم نرى هل يمكن أن يفهم منه هذا الكلام العجيب؟؟
أولا - عزا قوله: إن سمرقند استسلمت لسعيد بن عثمان إلى الجزء الثاني ص 1245،1246.
وليس في هاتين الصفحتين، ذكر لسعيد بن عثمان، ولا خبر عنه، وإنما فيهما خبر عن فتوح (قتيبة بن مسلم الباهلي) لسمرقند، وبينه وبين فتح سعيد بن عثمان لها نحو سبع وثلاثين سنة، وذلك وارد في الجز الثاني ص 178،179، وليس كما ذكر.
ونترك هذه دون تعليق.
ثانيًا - ذكر (فلوتن) أن سعيد بن عثمان، عاهد أهل سمرقند، على دفع سبعمائة ألف درهم، وتقديم ألف من سكانها رهائن، وأسند ذلك إلى الطبري، أيضًا في الموضع السابق نفسه، الذي وهم فيه.
والذي في الطبري بنصه:"خرج إليهم سعيد بن عثمان، وناهضه الصغد (أهل سمرقند) فقاتلهم، فهزمهم، وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه، وأعطوه رهنًا منهم خمسين غلامًا في يده من أبناء عظمائهم.."أ هـ . بنصه.
فليس في كلام الطبري ذكر لمبالغ من المال أصلًا، لا سبعمائة ألف، ولا سبعة آلاف. .
وأما الرهائن، فهم خمسون، فكيف صارت ألفا؟؟
هكذا. . خطأ في العزو لا أدري له سرًا!!
ثم تحريف في الأرقام والأعداد (يجعل الخمسين ألفا) .
ثم اختلاق وإضافة"زاد من عنده اختلاقًا، أن المسلمين أخذوا سبعمائة ألف درهم". . .