فهرس الكتاب

الصفحة 2598 من 3028

ولكن هذه الأمثلة من المحاولات الجادة في التعرف على الإسلام عن قرب وبلا أحكام سابقة لم تستطع أن ترسخ في الفكر الأوروبي تيارًا عامًا، ولم تستطع بالتالي أن تقضي تمامًا على الصورة المشوهة للإسلام في أذهان الأوروبيين بصفة عامة ، تلك الصورة التي رسختها القرون الوسطى في الأذهان والتي لا تزال آثارها عالقة بالعقول حتى اليوم. فقد بقيت الصورة في إطارها العام على مر العصور كما هي، وإن حدث فيها بين الحين والحين ـ بفضل بعض الظروفـ بعض التعديل في الظلال والألوان ( والرتوش ) الخفيفة. والدليل على ذلك هو أن صورة الإسلام في أذهان الأوروبيين لا تزال حتى اليوم صورة مشوهة بعيدة عن الحقيقة .

ولسنا ننكر أن الاستشراق في ذلك العصر بدأ يتخفف من أثقال اللاهوت وأن حدة الاتهامات ضد الإسلام قد خفت عن ذي قبل، كما أعيد النظر في الاتهامات السابقة، ولكن الانفتاح الفكري كان في محصلته النهائية محدود الأثر، وإن كان من وجهة نظر مكسيم رودنسون يمثل تحولًا كبيرًا. وفي هذا الصدد يقول:

( .. والواقع أن القرن الثامن عشر كان ينظر إلى الشرق الإسلامي نظرة أخوية متفهمة. وقد مكنت الفكرة القائلة بتساوي المواهب لدى جميع الناس ـ والتي ساعد على انتشارها تفاؤل يفيض بالحيوية كان هو الدين الحقيقي لذلك العصرـ مكنت الناس من القيام بدراسة نقدية للتهم التي وجهتها العصور السابقة إلى العالم الإسلامي.. ففي عصر التنوير أصبح المسلمون يعتبرون أناسًا مثل غيرهم، وكثير منهم كانوا يفضلون على الأوروبيين )

وإذا سلمنا بما يقوله رودنسون في هذا الصدد فإنه هو نفسه لا ينكر أن تلك النظرة التي يتحدث عنها تحولت فيما بعد إلى نظرة أسوأ من ذي قبل، وفي ذلك يقول:

( وفي القرن التاسع عشر كان الشرق الإسلامي لا يزال عدوًا ولكنه عدو محكوم عليه بالهزيمة، وكانت البلاد الشرقية أشبه بالشهود المنهارين لماض عريق .

فقد كان المرء يستطيع أن يستمتع بترف امتداحهم في الوقت الذي فيه السياسيون ورجال الأعمال يفعلون كل ما في وسعهم للإسراع في انهيارهم. ولم يكن إمكان صحوهم ولحاقهم بالعصر الحديث يثير أية حماسة، بل إنهم يفقدون في خلال عملية تحديثهم نكهة الغرابة التي كانت مبعث سحرهم ) (33) .

وقد أدى ذلك إلى تغيير في نظرة الغربي إلى الشرقي، إذ أصبح الشرقي في نظر الغربي في القرن التاسع عشر ـ كما يقول رودنسون أيضًاـ:

(.. مخلوقًا مختلفًا بعد أن كان في ظل أيديولوجية الثورة الفرنسية إنسانًا قبل كل شيء أصبح الآن سجين خصوصيته وموضوعًا للثناء الذي يمن به عليه بعضهم) (34) .

وهكذا بعد أن كانت النظرة الأوروبيةـ التي كانت توجهها الأيديولوجية العالمية للعصرـ تحترم غير الأوربيين وتحترم ثقافاتهم، أصبحت الآن _ في القرن التاسع عشر ـ نظرة متعالية متغطرسة، وظهرت نظريات تقسم الشعوب إلى أجناس راقية وأجناس مختلفة، فالأولى شعوب آرية والثانية شعوب سامية، وانبرى (رينان) ومن سار على نهجه من المستشرقين والمفكرين الأوروبيين لبيان ما يزعمونه من خصائص للآريين صناع الحضارة وحملة الإبداع الخلاق، والساميين السطحيين في تفكيرهم وفلسفاتهم (35) .

ونكتفي الآن بهذا القدر من الاستطراد حول هذه النقطة لنستكمل الحديث عن تطور الاستشراق في العصر الحديث. ولنا عودة للحديث مرة أخرى عن النظرة الغربية للشرق الإسلامي عند الحديث عن صلة الاستشراق بالاستعم

يعد القرن التاسع عشر والقرن العشرين عصر الازدهار الحقيقي للحركة الاستشراقية. ففي نهاية القرن الثامن عشر، وبالتحديد في شهر مارس ( آذار ) من 1795 م قامت الحكومة الثورية في باريس بإنشاء مدرسة اللغات الشرقية الحية. وقد كان التركيز فيها على وجه الخصوص على عنصر الفائدة العملية ، بالإضافة إلى ما يمكن أن تسهم به اللغات الشرقية في تقدم الأدب والعل (36) . وبدأت حركة الاستشراق في فرنسا تتجه نحو اتخاذ طابع علمي على يد ( سلفستر دي ساسي Silvestre de Sacy ) [ ت 1838م] الذي أصبح إمام المستشرقين في عصره، وإليه يرجع الفضل في جعل باريس مركزًا للدراسات العربية وكعبة يؤمها التلاميذ والعلماء من مختلف البلاد الأوروبية ليتعلموا على يديه (37) .

وكانت أغلب جهود ( دي ساسي ) العلمية منصبة على الدراسات العربية في النحو والأدب شعرًا ونثرًا، وليست له دراسات حول الإسلام، وقد أصبحت مدرسة اللغات الشرقية الحية في عهده تعد الأنموذج لمؤسسة الاستشراق العلمي والعلماني وخاصة بعد أن كان قد تم في القرن الثامن عشر انفصال الاستشراق عن اللاهوت في كل من فرنسا وإنجلترا .

أما البلاد التي كانت تسود فيها اللغة الألمانية فقد كانت الجامعات فيها لا تزال حتى ذلك الوقت تحت سيطرة علماء اللاهوت . ولهذا السبب ظهر الاستشراق العلماني في ألمانيا والنمسا في بداية الأمر على يد هواة كان أبرزهم العالم النمساوي ( جو زيف فون هامر برجشتال Hammer -Purgstall J.v.) [ ت 1856م] .

وهكذا يمكن القول ـ كما يقول بارت ـ بأن الاستشراق قد تشكل كعلم في القرن التاسع عشر، وذلك:

(عندما تأكد استعداد الناس للانصراف عن الآراء المسبقة وعن كل لون من ألوان الانعكاس الذاتي، وللاعتراف لعالم الشرق بكيانه الخاص الذي تحكمه نظمه الخاصة، وعندما اجتهدوا في نقل صورة موضوعية له ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا ) (38) .

ومن ذلك يتضح أنه بتخليص الاستشراق من سيطرة اللاهوت أصبح علمًا قائمًا بنفسه هدفه دراسة اللغات الشرقية وآدابها، وبرزت هناك نزعة علمية تتجه إلى دراسة الآداب والعقائد الشرقية لذاتها مستهدفة المعرفة وحدها (39) . أما مدى نجاح هذه النزعة في التحرر نهائيًا من التعصب الديني فهذه مسألة أخرى سنقف على حقيقتها في الفصل الثاني إن شاء الله .

أما متى بدأ هذا الاتجاه الجديد على وجه التحديد فإن هذا أمر لا يمكن القطع فيه برأي على وجه الدقة، وإن كان يمكن اعتبار منتصف القرن التاسع عشر بداية لظهور تلك الصفة العلمية ـ كما يقول بارت:

( فإذا وضعنا بقصد التبسيط منتصف القرن التاسع عشر فإننا نعني بهذا فقط أن الصفة العلمية بالمعنى الحديث ظهرت في هذا الوقت على الاستشراق بوضوح أكثر من ذي قبل. ولكن النية المتجهة إلى فهم الموضوعات فهمًا موضوعيًا، كانت موجودة قبل ذلك بكثير وجودًا يمكن إثباته بالأدلة والشواهد، وكانت أوضح ما تكون في مجال الدراسات اللغوية ودراسات اللغة العربية خاصة .. وهذا هو السبب الذي يظل من أجله المستشرقون العاملون في الصعيد اللغوي، بمنأى عن هجوم الرأي العام العربي الإسلامي في أيامنا هذه، بينما يتهم المستشرقون العاملون في صعيد الدراسات الإسلامية بسوء النية في أحوال ليست بالنادرة) (40) .

وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت الدراسات الإسلامية تخصصًا قائمًا بذاته داخل الحركة الاستشراقية العامة. كان كثير من علماء الإسلاميات والعربية في ذلك الوقت ـ مثل: نولدكه، وجولد تسيهر ، وفلهاوزن ـ مشهورين في الوقت نفسه بوصفهم علماء في الساميات على وجه العموم أو متخصصين في الدراسات العبرية أو في دراسة الكتاب المقدس (41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت