فهرس الكتاب

الصفحة 2629 من 3028

وللإنصاف أطرح السؤال بنطاق أضيق، فأقول: ماذا لو حكَّمنا هذا المقياس في دراسة الكتب الدينية، كالتوراة والإنجيل والتلمود (شرح التوراة ) ؟؟!

وبالطبع فإن هذا كان سيحدث لو استمر زمام الحضارة بيد المسلمين، ولم ينتكسوا حضاريًا منذ قرون طويلة.

إن أية قراءة في (( المفصل ) )لابن حزم أو (( هداية الحيارى ) )لابن القيم؛ ستوضح أن إعمال المنهج الإسلامي في دراسة عقائد وأديان النصارى واليهود ستهدم معظم جوانبها وتشكك بها دون تعسف ولا تعصب.

(ب ) الدعوة إلى إحياء منهج البحث الإسلامي:

إننا مدعوون لإحياء منهج البحث الإسلامي والعمل على تطويره؛ ذلك المنهج الذي انبثق عن الوحي الإلهي، قال تعالى:

(ولا تقف ما ليس لك به علمٌ إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) (الإسراء:36 ) . ففي هذه الآية يبين الله عز وجل مسؤولية حواس الإنسان عن العلم، وينهاه عن قول ما لا يعلم، وقد ذهب المفسرون إلى حصر حدود المسؤولية في نطاق العلاقات الاجتماعية، فذكروا النهي عن رمي الناس بمجرد الظن والتوهم والشهادة عليهم بغير الحق، فذلك معنى قوله تعالى: (ولا تقفُ ) عندهم؛ لأن أصل القَفْوِ: البهتان.

ولكن معنى الآية يتسع لأكثر من نطاق العلاقات الاجتماعية، فنهْيُ الإنسان عن قول ما لا يعلم هو أمر له بالسعي في التحقيق وطلب البرهان والدليل كما في قوله تعالى:

(قُلْ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) (البقرة:111 ـ النمل:64 ) . فالجهل يفضي إلى الكذب كما في قوله تعالى: (بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولمَّا يأتيهم تأويله ) (يونس:39 ) . من أجل ذلك رفع الله قدر العلماء فقال:

(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) (المجادلة:11 ) .

وقد أدَّت هذه التوجيهات القرآنية إلى توصل المسلمين في القرون الأولى الزاهرة إلى مناهج دقيقة للبحث العلمي، فاكتشفوا العلاقات السببية، والقوانين الطبيعية، والعلوم الرياضية عن طريق اتباع منهج البحث التجريبي الذي سبقوا الأوروبيين إليه بعشرة قرون؛ ولكنهم للأسف تخلوا عنه بعد ذلك، في حين أخذه عنهم الأوروبيون منذ مطلع عصر النهضة الأوروبية، وقاموا بالإضافة إليه وتطويره حتى أثمر النتائج العلمية والصناعية الضخمة التي تتسم بها المدنية الغربية المعاصرة.

يقول المفكر البريطاني (( برتراند رسل ) ): (( ... إن الأسلوب العلمي ولد من زواج مذهبين فكريين أتت بكل واحد منهما إحدى الحضارات العظيمة، أولهما: تنظير الإغريق، وثانيهما: اختبار العرب ...

فالإغريق هم الذين أبدعوا ما سميناه بالتنظير أي بناء الفرضيات، وتخيل النظريات لتفسير واقع العلم الطبيعي، فهم مثلًا تخيلوا أن المادة مكونة من أجزاء منفصلة، كل جزء منها صغير جدًا لا يقبل الانقسام (ATOM ) ، وسماه العرب بعدهم بالجوهر الفرد، ونسميه نحن اليوم بالذرة.

أما العرب فقد كانوا سادة التجريب والاختبار، يقيسون ويفحصون ويشاهدون ويدوِّنون، إلاَّ أن كل مذهب من هذين المذهبين يبقى وحده عاجزًا عن أن يلد الأسلوب العلمي؛ فبناء النظريات دون إخضاعها لمحك التجربة، وعرضها على حكم الاختبار يبقى لهوًا فكريًا عقيمًا؛ قد يرضي المفكرين والمتأملين، ولكنه لا يرسم صورة صحيحة للطبيعة، ولا يأمل أن يؤثر فيها ويهيمن عليها. والاختبار غير المنظم، والذي لا يهتدي بهدي نظرية تقوده وتدلُّه على الطريق، يبقى مضطربًا لا يخلص بنتيجة شاملة ولا يكشف حقائق أساسية.

وعندما تزاوج هذان المذهبان في أوروبا، وفي عصر النهضة، ولد من تزاوجهما الأسلوب العلمي الذي قاعدتاه الرئيستان:

النظرية: التي يفترضها ليفسر بها شيئًا من ظواهر الطبيعة.

والاختبار: الذي تخضع له هذه النظرية لينقدها ويكشف عيوبها.

ويبقى العلمي راضيًا عن النظرية ما صدقت لحكم الاختبار، واتفقت مع تنبؤاتها نتائج التجربة )) (4 ) .

القرآن الكريم ومنهج البحث التجريبي

لقد أقر (( برتراند رسل ) )بأن العرب كانوا سادة التجريب، ولكنه لم يفطن إلى أنهم فعلوا ذلك في ظل التنظير القرآني، حيث إن القرآن الكريم هو الذي لفت نظر المسلمين إلى الطبيعة، ودعاهم للكشف عن أسرارها عن طريق الاختبار والتجريب باستخدام العقل والحواس؛ موضحًا أن الطبيعة مسخرة للإنسان الذي من واجبه التعرف على قوانينها للإفادة من هذا التسخير، ومن ثم الحصول على القوة اللازمة لإعلاء شأن العقيدة:

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ... ) (الأنفال:60 ) ، وجاءت كلمة (قوة ) نَكِرة لتعم كل أنواع القوى المادية والمعنوية.

ولم يقتصر جهد علماء المسلمين على اكتشاف منهج البحث التجريبي وتطبيقه في نطاق العلوم الطبيعية والرياضية، بل وضعوا مناهج أخرى للبحث في العلوم الشرعية والاجتماعية، فكان لعلماء أصول الفقه منهج متميز يقوم على الاستقراء والاستدلال معًا، يتعاملون وفقه مع النصوص الشرعية مجتهدين للوصول إلى الأحكام المتنوعة للمشاكل المتجددة؛ وهو منهج فريد في دقته وشموله.

كما كان لعلماء الحديث منهج للتعامل مع الرواية الحديثية سندًا ومتنًا، تلتقي به معظم منجزات منهج البحت التاريخي الغربي، مما يدل على تأثرها به، خاصة وأن المحدثين سبقوا في منهجهم بـ (( علوم الحديث ) )منهج البحث التاريخي الغربي، بما يزيد على عشرة قرون.

إن من أبرز عوامل تخلف المسلمين في العصور المتأخرة من تاريخهم: تخليهم عن مناهج البحث العلمي التي يعتبرون روادًا في ميادينها؛ لكنهم لم يقطفوا ثمراتها كاملة حيث أسلموها للغرب ليقتطفها ...

وبعد فلا بد من قراءة جديدة متأملة لقوله تعالى:

(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ً) (الإسراء:36 ) ، وفي ضوء قوله عليه الصلاة والسلام (( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ) ) [رواه الترمذي ] .

ولابد بعد ذلك من إلقاء الضوء على الجهد المقابل الذي بذله علماء الغرب في تطوير ما اقتبسوه من المسلمين من مناهج البحث العلمي التجريبية والاجتماعية، وما أحاط بمنهج البحث الغربي من المؤثرات الحضارية والفكرية والتأريخية، مما أدَّى إلى انحارفه في التطبيق عن (( الموضوعية ) )خاصة في دراسة (( تراث الإسلام ) ).

بالإضافة إلى انحرافه عن الأصل الإسلامي المقتبس بسبب المؤثرات الفكرية المتصلة بالفلسفات المادية، وإنكار الألوهية والنبوة والوحي والروح، وكل ما لا يقع تحت دائرة الحس؛ وهو انحراف خطير جرَّ إلى تحديد مصادر المعرفة بصورة ضيقة.

وقد يتصور بعضهم أن إنكار عالم الغيب هو سبب تفوق المنهج الغربي وتقدم العلوم والمدنية عند الغربيين، ولكن النظرة الفاحصة ستوضح أن التزام المنهج الغربي بطريقة الاستقراء التي اتبعها العلماء المسلمون وتخليهم عن منهج الاستنباط والقياس اليوناني هو سبب ازدهار الحركة العلمية في الغرب؛ خاصة في مجال العلوم الطبيعية والرياضيات وتطبيقاتها العملية.

تطور الفكر الغربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت