فهرس الكتاب

الصفحة 2784 من 3028

وبعد دهور من الذل والهوان، لا أعتقد أن بمقدور المواطن العربي المقهور أن ينتظر ويتجرع المزيد حتى يكتشف هذا الطريق الثالث الذي لا هو شرقي ولا هو غربي. إن التراث الذي سيتراكم من الآن فصاعدًا هو الذي سيحدد هوية الحضارة، وليس التراث البائد. إن اليوم أفضل من الأمس، كما أن الغد، بدون شك، سيكون أفضل من اليوم. هكذا ينبغي أن نفهم آلية التطور الحضاري، لا أن نعود القهقرى دائمًا للبحث والتنقيب في ما تركه الماضون من ماض، لأننا حين نعود محملين باكتشافاتنا (المذهلة) ، سنكتشف أن الركب قد داهمنا ومضى، ومن ثم سنضطر للعودة مرة أخرى للبحث في شرعية المستجدات، وهكذا.

إن مشكلتنا ليست في تعدد الأحزاب أو الأفكار، ولا في الديموقراطية التي نطمح إلى تطبيقها، بل هي في هذه الأنظمة الجبلية التي ترزح على صدورنا. فخلال الثلاثين سنة الماضية، تغير المواطن العربي كثيرًا رغم التعتيم والحظر والمطاردة والنفي والتنكيل والقمع بشتى صوره وأشكاله. وحين استطاع أن يرفع رأسه قليلًا ويتنفس، تلفت حواليه فلم يجد سوى الأنظمة نفسها التي كانت تجثم على صدره. هي هي، لم تتغير أبدًا: الأشخاص أنفسهم، السياسات نفسها والممارسات نفسها، في الوقت الذي يموج العالم كله بتغيرات ضخمة ودراماتيكية سواء في الأشخاص أو السياسات أو الأفكار. أما في وطننا العربي، فحتى الثورات والأحزاب لا تزال تديرها وتقودها الزعامات نفسها منذ ما يزيد على ربع قرن! إن الماء الراكد لابد أن تتوالد فيه الديدان ثم يتحول إلى عفن ووحل، وهذا هو حال وطننا العربي الكبير من الخليج إلى المحيط دون استثناء أبدًا أبدًا.

ونتساءل؛ أي نظام جمهوري هذا الذي يتصدره زعيم أوحد طوال ما يزيد على عشرين عامًا؟ وأي نظام (ديموقراطي) هذا الذي يرزح أميره أو مليكه على العرش مدة نصف قرن أو إلى الأبد؟ هل هناك فرق بين نظام ملكي أو أميري أو جمهوري؟ كلهم يحكمون مدى الحياة ولا (يحلّون عن سمانا) إلاّ إذا ماتوا أو قتلوا، وما أندر ذلك!

لهذا نريد النظام الديموقراطي، بشكله البرلماني وبسلطاته الثلاث المستقلة عن بعضها البعض، وباستقلالية مؤسساته الشعبية وبضماناته التي يكفلها دستور شعبي، والتي يجب أن (تنصاع) لها هذه السلطات، وبحرياته الواسعة حتى نستطيع أن نتنفس ونعيش!

نريد نظامًا يكون محوره ومرتكزه ضمانات المواطن لا واجباته وحسب، نريد نظامًا يختفي فيه التعذيب والاعتقال الكيفي والاضطهاد والرشوة والسرقة، وهذا ليس بمستحيل.

إننا لا نطالب بالديموقراطية كشكل، بل كتطبيق. سمّوها ما تريدون، ولكن ليكن مرتكزها:

احترام حقوق الإنسان.

كرامة الإنسان.

قدسية الإنسان، فهو وحده المقدس ولا يمكن أن يثبت العكس.

الفصل بين الحكم وشهوة السلطة.

القضاء على السادية السياسية.

فهل نجرؤ نحن على القبول بالدخول في نفق مظلم من المعميات لا ندري إلى أين سيأخذنا؟ إن الشكل الغوغائي (تحرير يوم الجمعة) ليس فيه ضمان للمستضعفين. إن (القوي) هو الذي سيأخذ (مكبر الصوت) ويستولي بخطاب ميتافيزيقي حماسي على عقول أولئك الخراف الذين سيصرخون ويهتفون ويضيع كل شيء. هكذا تبدأ الديكتاتوريات، فهل نبدأ نحن من صفر كهذا؟

مشكلتنا ليست في الديموقراطية ولا في الشريعة ولا في الخلاف المتوهم بينهما، بل هي في هذا التاريخ الراكد وفي الحكومات غير المتعاقبة التي أصبحنا نؤلهها لثباتها الطويل، فهذه ميزة الآلهة. إن الديمومة التي طبعت تاريخ الشرق هي المشكل الأكبر وهي الشيطان الأكبر.

مشكلتنا في هذا الخوف المريع في الكلام رغم أن الحياة كلها كلام في كلام. الحاكم يخشى الكلمة، والمواطن تلجمه الكلمة التي يخشى الحاكم سماعها، وما بينهما طريق طويل من العسف والرعب.

الوطن العربي كله، بأنظمته وايديولوجياته، مسرح لميلودراما دموية ليس فيها متفرجون ولا مخرجون.. لا يحركها سوى القصور الذاتي، والمال والشهوة والسلطان، والكورس الذين هم مجموعة هائلة من الخراف تتناسل كالدود. إنه البندول الخالد الذي لا يتوقف لأن الأرض ما زالت تدور...

ليس من براءة تصك اليوم لأي نظام، ولا يمكن لأي ضحية أن ينظر إلى هذا العبث إلا على اعتباره إفرازًا واحدًا لأنظمة تساوي واحدًا في النهاية هو المال والشهوة والسلطان.

* المصدر:الاسلام في الاسر

حتى عام 1996، كان صامويل هنتنجتون واحدًا من الباحثين البارزين الذي اجتهد لصياغة رؤية تفسيرية، بالاستناد إلى مجريات الواقع الحضاري الذي يعيشه العالم، وبما أن كل رؤية تفسيرية تنطلق من ثابت منطقي ووجدي أحيانًا، فإن هنتنجتون يعتمد مقولة (الصدام The Calsh ) كتعبير عن لحظة الصراع الذي يجري وسيستمر في أرض الواقع، لكي تكون هذه المقولة ذات دلالات عامة وشمولية فإنه يحقنها بقوة دلالية مضافة لتصبح أكثر تعبيرًا عن جوهرية هذا الصدام، واتساع شموليته، فمن الصدام الحضاري إلى الصدام الكوني، ومن الصدام الجزئي، بين طرفين أو ثلاثة إلى صدام كلي تشترك فيه مجمل القوى البشرية بمختلف تشكيلاتها.

وكما هو معتاد، فإن أي مفهوم إجرائي لابد أن يشتغل في مجال ما وإلا ظل سابحًا في فضاء معطل، فالتعبير يجري ضمن مجال، فأما أن يصل إلى التطابق بين إرادة التغيير، أو يصل إلى حالة الصدام والتنافر بين الإرادات المضادة، والمجال الذي يفترض فيه هنتنجتون (التغيير والصدام) هو مجال (( الحضارات ) )فالتغيير يجري في وضعية الحضارات، والصدام سيكون فيما بينها، وهنا إقصاء لرؤية الانسجام والتوائم الحضاري، وإنزال التنابذ والتنافر إلى حيزات الواقع الفعلي.

ثمة مفاهيم ذات مساس مباشر بالخطاب العام الذي يشتغل فيه كتاب (هنتنجتون) وهي: مفهوم الحضارات، مسألة الحضارة الكونية، العلاقة بين القوة والثقافة، ميزان القوى المتغير بين الحضارات، التأصيل في المجتمعات غير الغربية، البنية السياسية للحضارات، الصراعات التي تولدها عالمية الغرب، العسكرية الإسلامية، التوازن والاستجابات المنحازة للقوة الصينية، أسباب حروب خطوط التقسيم الحضاري والعوامل المحركة لها ومستقبل الغرب وحضارات العالم.

هذه المفاهيم، أو التكوينات المفهومية، تتمفصل في خمسة محاور أساسية هي:

1 ـ لأول مرة في التاريخ نجد (الثقافة الكونية) متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات، التحديث مختلف بدرجة بينة عن التغريب، ولا يُنتج حضارة كونية بأي معنى، ولا يؤدي إلى تغريب المجتمعات غير الغربية.

2 ـ ميزان القوى بين الحضارات يتغيرن الغرب يتدهور في تأثيره النسبي، الحضارات الآسيوية تبسط قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، الإسلام ينفجر سكانيًا مع ما ينتج عن ذلك من عدم استقرار بالنسبة للدول الإسلامية وجيرانها، والحضارات غير الغربية عمومًا تُعيد تأكيد ثقافتها الخاصة.

3 ـ نظام عالمي قائم على الحضارة يخرج إلى حيز الوجود، المجتمعات التي تشترك في علاقات قربى ثقافية تتعاون معًا، الجهود المبذولة لتحويل المجتمعات من حضارة إلى أخرى فاشلة، الدول تتجمع حول دولة المركز أو دولة القيادة في حضارتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت