فهرس الكتاب

الصفحة 944 من 3028

المسلمون وفقًا لهذا المنظور مطالبون - دائمًا وأبدًا - بتحقيق أو"تشخيص"تعاليم الإسلام في واقعهم الموضوعي، أي تحويل الفكرة المجردة إلى واقع مُشخِّص في أرض الواقع، وهذا يحمل تحديًا للمسلمين، يتطلب منهم استجابة تنطلق من"الفكرة المجردة"لتستجيب للواقع المعاش.

هذه الفكرة البدهية عند كل مسلم لها تداعيات وتأثير في جوانب كثيرة تتعلق بموضوع التعددية وغيره من الموضوعات والقضايا. فهذه الفكرة يمكن أن تقودنا إلى إدراك"التعددية الإسلامية"، أي تلك التعددية التي نشأت داخل الدائرة الإسلامية.

التعددية الإسلامية منشؤها مفهوم"الأمة": فهي التي تتفاعل مع"الفكرة المجردة"، عبر مخزونها الثقافي والاجتماعي، لتنشئ واقعًا تتعدد أشكاله، وتتباين ملامحه داخل الإطار الحاكم (الفكرة المجردة) ، التي تعطي لهذه التعددية قواسمها المشتركة، وسماتها المميزة عن أنواع التعدديات الأخرى.

وهكذا تنشأ التعددية - في الرؤية الإسلامية - في إطار الوحدة، وهكذا يمكن فهم تعدد الأنماط الحضارية التي أنتجتها أمة الإسلام عبر تاريخها، فاختلفت في الزمان والمكان.

الأمة أساس ضوابط التعددية

من النقاط الشائكة التي كانت ولا تزال محل جدل ونقاش شديد تلك النقطة التي تتعلق بالضوابط التي يفرضها الإسلام لمسألة التعددية.

المدخل الأساسي لضوابط التعددية في الرؤية الإسلامية، وكما أظن، هو"الأمة"، خاصة من جهة دورها في تحديد"النظام العام"الذي هو في جوهره مجموعة الأسس القيمية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية التي يقوم عليها نظام المجتمع.

النظام العام هو الروح المهيمن على النظام السياسي والقانوني للمجتمع والدولة، والأمة - وفق التصور الذي سبق أن قدمته لدورها ومهمتها هي التي تحدد ملامح النظام العام في المجتمع.

ضوابط التعددية نوعان:

الأولى: تكون في النظام القانوني أو الدستوري، وهذه الضوابط في نهاية الأمر تتعلق بالإجراءات التي تتفق عليها الأمة، والأطراف أو الجهات التي تحددها الأمة لممارسة هذا الحق وتختص به. ومن هنا فإن الحديث عن ضوابط للتعددية أمر سابق لأوانه أو غير قائم الآن، ما لم تجاهد جميع الأطراف والقوى السياسية من أجل إعادة الحق للأمة في الاختيار الحر في واقعنا العربي الإسلامي، لأنه في ظل هذا الغياب فإن السلطة، كما هو كائن، هي التي تفرض ما تراه من قيود على مسألة التعددية.

الثانية: ضوابط في الواقع، وهذا الشكل من الضوابط أيضًا مرده إلى الأمة، فهي التي تضع الحدود الواقعية على حركة أية قوة سياسية وفعلها وآرائها، بعبارة أخرى: الأمة هي التي تعطي لأي طرف أو قوة سياسية وجودها الواقعي أو تهمشها، فالأحزاب العلمانية ضعيفة جدًا في واقعنا العربي والإسلامي، ومعظمها - إن لم تكن كلها - يتدثر بورقة الشريعة ليخفي بعضها من سوءاته، وليكتسب تعاطف الجماهير المسلمة

في البدء كانت الأمة: بين قومية الغرب وأمة الإسلام

هبة رؤوف عزت

الأمة في اللغة:

الأمة لغةً تعني الدين والطريقة، فيُقال: فلان لا أمة له أي لا دين له. كما تدل الأمة عند العرب أيضًا على النعمة والعيش الحسن. والأمة تعني كل جماعة بشرية، وكذلك كل جنس من الحيوان والطير.

ويذهب بعض المستشرقين إلى اعتبار مصطلح الأمة دخيلًا على اللغة العربية نظرًا لعدم شيوعه بين العرب قبل الإسلام، وأنه من المصطلحات الأجنبية في القرآن الكريم. ويرى هؤلاء المستشرقون أن اللفظ قد يكون مأخوذًا من العبرية (أما) أو من الآرامية (أميتا) . ويرد المحققون العرب على هذا الادعاء بالنفي، فتقارب اللغتين العربية والعبرية تاريخيًا يجعل من الصعب الجزم بأيهما أسبق من الأخرى، بل من الممكن الاعتقاد بأنها انتقلت من العرب عبر التواصل التجاري، أو أنها كانت لغة القوم الذين كانوا يقطنون مكة حين قدم إليها نبي الله إبراهيم مع زوجته وابنه. ومهما تكن الادعاءات فإن مصطلح الأمة قد أصبح جزءًا لا يتجزأ من التراث الإسلامي.

وردت كلمة"أمة"في القرآن الكريم 49 مرة. منها 43 آية مكية، والبقية الباقية مدنية. كما وردت كلمة"أمم"11 مرة، منها 10 آيات مكية وآية واحدة فقط مدنية، مع ملاحظة أن لفظ"الأمة"في الآيات المكية إنما يعود إلى الأمم الكافرة التي كذبت أنبياء الله ورسله قبل الإسلام. وقد ورد ذكرها من باب العظة والاعتبار لمشركي قريش كما في قوله تعالى"وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوْا بِالْبَاطِل" [غافر: 5] . هذا وقد جاءت"أمة"في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة على الوجه التالي"."

1 -بمعنى: دين"وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" [النحل: 93] . أي على دين واحد.

2 -بمعنى: إمام"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا.." [النحل: 120] أي إمام الحنفاء.

3 -بمعنى: زمن"وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ.." [يوسف: 45] . أي تذكر بعد مدة من الزمن.

4 -بمعنى: عصبة أو مجموعة من الناس"وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُوْنَ" [القصص: 23] . أي جماعة من الناس يسقون أغنامهم.

5 -بمعنى: قوم"أَنْ تَكُوْنَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ" [النحل 92] .. بمعنى أن يكون قوم أكثر من قوم.

بذلك يمكن القول: إنه ليس هناك معنى محدد لكلمة أمة، بل وحتى لو قبلنا الوجه الجماعي كمعنى لهذا المصطلح، فليس من السهل اعتباره معنًى سياسيًّا نظرًا لعدم تحديد هوية هذه الجماعة أو مدى اشتراكها في صفات معينة أو لغة مثلًا.

وأشار القرآن الكريم إلى العرب على أنهم أمة"كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٍ" [الرعد: 30] . كما ميز القرآن أمة المسلمين من غيرها من الأمم في ثلاث آيات مدنية.

1-"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوْا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: 143] . والوسط هو العدل والأخير والأفضل.

2-"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" [آل عمران: 110] .

3-"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" [آل عمران: 104] .

ويرى بعض المفسرين أن الآيتين الأخيرتين تدلان على عمومية لفظ الأمة في المجتمع الإسلامي كل بحسب عصره، وبذلك تتميز الأمة الإسلامية على مستوين: الأول داخل الأمة الإسلامية حيث تكون هناك مجموعة من الأفراد تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والثاني هو المستوى العالمي حيث تكون الأمة الإسلامية أفضل أمم الأرض السابقة واللاحقة من جهة القيام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يترتب على ذلك تناقض المفهوم القرآني للأمة مع المفهوم المعاصر الذي يعني الاشتراك في اللغة والعادات والتاريخ وكذلك بالنسبة للموقع الجغرافي والجذور العرقية. فالقرآن يتعامل مع المصطلح بشكل أشمل وأوسع؛ حيث ينتمي للأمة الإسلامية كل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بغض النظر عن جنسه أو لونه أو لغته أو تاريخه، كما أن الأمة مركبة من جماعات وأعراق ولغات، بل وبها أديان وملل ولكنها ليست عناصر صراع وتفتيتي، بل عناصر قوة وتضامن، وجدير بالتأمل هنا وصف دستور المدينة -الذي كان بمثابة العقد السياسي الأول للرسول صلى الله عليه وسلم -وصفه للنصارى واليهود بأنهم"أمة من الناس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت