فهرس الكتاب

الصفحة 1495 من 3028

"وفاقت الحركة الاستشراقية في خطورتها الحركة التبشيرية؛ لأنها تعامت بشكل مباشر مع المفردات الإسلامية، فأخذت تشوه وتحرف ما استطاعت، وراحت تقدم لنا التاريخ الإسلامي والشخصيات الإسلامية كما ترغب وتشاء. كما أنها راحت تقدم التراث العربي الإسلامي عبر قطع مبعثرة لا رابطة بينها سوى تناقضات تاريخية وفكرية سببها حجب الكثير من الكتب القيمة المتممة الّتي بقيت خارج إطار النشر والتداول لتبرر هذه التناقضات". (2)

وأخذنا وللأسف نتعرّف على تاريخ الإسلام بل وحتّى على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والفكر الإسلامي في بعض الأحيان من خلال ما كتبه المستشرقون، الأمر الّذي يعني نجاح الجناح الاستشراقي في عملية الغزو الثقافي المدارة من خلال أجنحة عديدة تؤدي غرضًا واحدًا، يصبّ في صالح الأيادي الخفيّة الّتي تحرك هذه الأجنحة.

وممّا يزيد من خطورة الهجمة الراهنة غياب الإسلام عن الساحة السياسية في مجمل البلاد الإسلامية، وانتماء حكام المسلمين سياسيًا وفكريًا إلى المعسكر الغربي، ممّا يعني مساهمتهم إزاء ما يتعرض له العالم الإسلامي من غزو فكري ثقافي شرس.

إنّها حقًا عملية غزو رهيبة ومنظمة، وتزداد في حدتها وشراستها يومًا بعد آخر، ولهذا فنحن مدعوون إلى التحرك السريع الفاعل لوضع خطة عمل مبرمجة واضحة وقائمة على أسس علمية وتربوية لصيانة أمننا الثقافي الفكري، وتحصين جيلنا الإسلامي حصانة تعجز أسلحة هذا الغزو الجديدة عن اختراقها.

(1) : دكتور محمد دسوقي ، مجلة المنطلق ، العدد 21، 1983، ص 62

(2) : الأستاذ حسن الزين، مجلة العرفان، العدد 4، ص 28.

تعريف العلم - أقسام العلم - العلم واليقين - تفاوت درجات - العلم - مصادر العلم - ما ليس من مصادر العلم - تنبيهات

انطلاقًا ممن سبق من تعريف الإسلام فعلى كل إنسان عاقل الإيمان بما أمر الله تعالى بالإيمان به ، قال عز وجل { فاعلم أنه لا إله إلا الله} (محمد:19) . ولما كان الإنسان يولد خالي الذهن من المعارف والمعلومات كان من الطبيعي أن يكتسب معلوماته من أسباب ومصادر عديدة ليكون العلم من بعدها ركيزة العقيدة والإيمان قال تعالى { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا} [النحل:78] .

تعريف العلم: يطلق مصطلح العلم لدى علماء المسلمين ويراد به: إدراك لنفس الأشياء والمعلومات على حقائقها التي هي عليها في نفس الأمر .

ويظهر من هذا التعريف شمول مصطلح العلم لكل معلوم مُدْرَكٍ حصل للنفس إدراكه على حقيقته ، ولا يقتصر هذا الإدراك على مصدر دون مصدر ، بل كل ما حصل الإدراك به فهو من مصادر العلم .وذلك خلافًا لمن يطلق مصطلح العلم على ما أدرك بالحواسّ والتجربة فقط ( العلم التجريبي ) ويخرج بذلك الغيبيات من دائرة العلم ولو كان إدراكها يقينيًّا في النفس ، وهذا مصطلح لا يعرفه المسلمون وإن كان قد انجر إليه بواقع الغزو الفكري وحرب المصطلحات كثير من الكاتبين المتأخرين فتكلموا عما أسموه (الإعجاز العلمي في القرآن ) يريدون بذلك الإعجاز الواقع في الآيات التي تتعلق بالكون والخلق وما فيهما من عظيم الصنع وبديع النظام كما قال تعالى: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } [ آل عمران: 190] .

وللعلم تعريف آخر وهو: مجموعة المباحث المرتبة المترابطة . وهذا المعنى غير الإدراك ويقصد به العلم المدوّن . مثل علم الفقه وعلم اللغة وعلم اللغة والتاريخ والرياضيات وهو غير مراد هنا .

أقسام العلم: ينقسم العلم الحاصل للنفس إلى قسمين اثنين:

الأول: العلم الضروري: وهو العلم الذي لا يتوقف حصوله في النفس على الاستدلال والبحث ، وهو ما يسميه العلماء ( النظر ) بل يوجد العلم به بمجرد تصوره في الذهن ، وذلك كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء ، وبوجود الأقاليم البعيدة المشهورة في العالم ، دون الذهاب إليها .

الثاني: العلم النظري: وهو العلم الذي يتوقف حصوله في النفس على الاستدلال والفكر ، وبناء النتائج على المقدمات ، وذلك مثل العلم بأن العالم _وهو ما عدا الله تعالى_ مخلوق حادث ، ويسمى العلم المكتسب أيضًا

العلم واليقين: والعلم بكلا قسميه يفيد اليقين ، وهو ما يسميه العلماء ( القطع ) ، أما إذا أدركت النفس الأمر على سبيل غلبة الظن فيطلق عليه:العلم الظني ،وهو ما يماثل ما يطلق عليه ( النظريات ) عندما توجد دلائل وقرائن تؤيدها لكنها عندما توجد دلائل وقرائن تؤيدها لكنها لم ترق بها بعد إلى درجة القطع واليقين ، فالعلم الظني يوجب العمل مالم يثبت في النفس بطلانه .

تفاوت درجات العلم: والعلم وإن كان يفيد اليقين والقطع كما سلف ، إلا أن كثيرًا من العلماء رجح وجود مراتب للعلم لا تنقص عن اليقين بل تزداد في درجته ،وهي علم اليقين ، وحق اليقين ، وعين اليقين . وهذا يفسر ما ذهب إليه جمهور المسلمين في أن الإيمان يزيد وينقص . وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس الخبر كالمعاينة إن موسى لم يلق الألواح لما سمع عن قومه ، وألقاها حين رآهم ) ) [ أخرجه أحمد والحاكم ] بسند صحيح .

مصادر العلم: وأسباب العلم التي أجمع عليها علماء المسلمين ودلت عليها الدلائل منحصرة في ثلاثة مصادر:

الأول: الخبر الصادق وهو الوحي من الله تعالى المنزل على الأنبياء ، وهو نوعان:

1ــ الوحي المنقول بالتواتر ، وهو نقل عدد كبير عن مثلهم بحيث لا يتصور اتفاقهم على الكذب ، وذلك مثل نقل القرآن الكريم بالتواتر جيلًا عن جيل دون زيادة أو نقصان عن الصحابة الذين تلقوه سماعًا ومشافهة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثله السنة المتواترة فيحصل بذلك العلم الضروري القطعي . أما نقل غير القرآن الكريم من الكتب السابقة فلم يتواتر في كل جيل فلا يفيد العلم ولا الظن لانقطاع النقل .

2ــ خبر الرسول المؤيد بالمعجزة يفيد العلم وإن لم يتواتر لوجود القرينة الدالة على ذلك ، وهو العلم النظري الاستدلالي ، ومثله الأخبار والروايات التي لم تتواتر لكن نقلت نقلًا صحيحًا متصلًا مع وجود القرائن على صدقها وعدالة ناقليها .

الثاني: العقل ، والمقصود به قضايا العقول الصحيحة التي لا يختلف فيها ، وذلك كالعلم بأن الكلَّ أعظم من الجزء وهو يفيد العلم الضروري، وذلك مثل الاستدلال بالعلة على المعلول وذلك كالاستدلال على وجود الدخان عند رؤية النيران .

الثالث: الحسّ والتجريب ، وهو العلم المستفاد من الحواسّ المعروفة ، وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، ويقوم عليها ما يسمىّ بمنهج العلوم التجريبية ، وهو مبني على الملاحظة والقياس ، لأن كل ما تدركه الحواس يمكن ضبطه وقياسه كقياس الأطوال والأحجام والقوى وشدة الأصوات وسرعة المتحركات وطبائعها وخواصها .

ومنه العلم بأن الأرض تجذب الأجسام الواقعة في غلافها بقوة تسمى الجاذبية ، يمكن قياسها في كل موقع على الأرض .

ما ليس من مصادر العلم: وقد صرح كثير من علماء المسلمين بانحصار العلم في المصادر المتقدمة ، وهي الخبر الصادق ، والعقل والحسّ . كما صرحوا بأن غيرها ليس من مصادر العلم تنبيهًا على ذلك ومنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت