فهرس الكتاب

الصفحة 946 من 3028

وفي ظل هذا الوضع الجديد الذي نشأ في أوربا، بدا الفكر الرأسمالي الليبرالي مغايرًا لكل الأوضاع والمفاهيم التي سيطرت فيما سبق في ظل الفكر السياسي المسيحي. فقد كان التركيز الفكري آنذاك على السمات العامة وعلى العالم كوحدة واحدة بصفتها الأمل المنشود، بينما أخذت القومية ترتكز على السمات الخاصة، وعلى الاختلافات والخصوصيات القومية.

وبروز سوق واحدة فتح المجال أمام ظهور الأمة القومية في الغرب، ومن خلال التطور الاقتصادي والسياسي يكون شعور الأمة الذي يظهر في تقاليدها التاريخية والملامح الخاصة بثقافتها وأسلوب حياتها.

ويفرق الفكر القومي بين نوعين من القومية، قومية الدول الاستعمارية الكبرى، وتتجلى في مشاعر التعصب والعنصرية التي تمثل أيديولوجية ضارة، ويصل التطرف ببعض النماذج للفاشية والنازية إلى تزعم سموها على القوميات والأعراق الأخرى، ومن ثم السعي لإخضاعها، كما حدث قبل وخلال الحرب العالمية الثانية. والنوع الثاني هو قومية الشعوب المقهورة التي تكافح ضد الإمبريالية من أجل الاستقلال الوطني.

أخيرًا طرأت تغيرات جذرية بعد الحرب العالمية الثانية تمثلت في اضمحلال الروابط القومية والاعتراف بالنتائج المأسوية التي ترتبت على مبالغاتها وتجاوزاتها؛ لهذا ظهر مفهوم جديد يدعو إلى الاندماج وتكوين تنظيمات"فوق قومية" (Supra-National) تنسق بين الدول المنضمة إليها في بعض الأمور الحيوية، وتحقق تقاربًا أوثق بعد إزالة الحواجز المادية والنفسية التي خلقتها المشاعر القومية المتطرفة التي عرفتها أوروبا الغربية إبان الحرب العالمية الثانية.

الأمة قبل الدولة:

إذا كانت القومية في الغرب قد تزامنت مع نشأة الدولة، بل وتبعت تكون الدولة فكانت الأخيرة هي التي خلقت الوعي بالقومية، فإن الخبرة الإسلامية الأولى كانت مناقضة، ففي البدء قامت الجماعة، وهذه شهدت تطورات لاحقة كي تنضج نموها وتحقق أشكالًا ثقافية مميزة.

في حياة الرسول لم تكن هناك سلطة سياسية مؤسسية، بل كانت هناك سلطة الرسول الدينية التي كانت ترشد الناس وتنير طريقهم في حياتهم اليومية، وتدير في الوقت ذاته المجتمع و"تحكم"بين المؤمنين وبينهم وبين باقي أفراد المجتمع، ثم تقود الجيوش وتخاطب الكيانات الدولية. لكن وفاة الرسول جعلت لزامًا على الجماعة أن تقرر إنشاء سلطة سياسية تقودها منفصلة عن الإدارة الدينية التي كانت مهمة ومسئولية تضامنية للأمة كلها-راع ورعية- فكانت أهم مهمات هذه السلطة السياسية الحفاظ على استمرارية الجماعة متبعة تعاليم الوحي الإلهي وسنة الرسول، وكان عليها أن تلبي حاجات الجماعة. وفي كل مرة كان الناس أو مجموعات منهم، يعتبرون أن السلطة السياسية قصرت في تلبية حاجات الناس، كانت الأصوات الانتقادية ترتفع ضدها، وتقود أحيانًا إلى حركات عصيان وثورات وحروب أهلية (الخروج) .

المسألة إذن أن السلطة السياسية- الدولة - جاءت كتدبير لاحق لوجود الجماعة، وتطورت السلطة السياسية من مفهوم الخلافة في أيام الخلفاء الراشدين لتنشأ دولة ذات مؤسسات ترتبط بها فئات اجتماعية ذات مصالح ثابتة في أيام الأمويين والعباسيين والدول اللاحقة. صحيح أن الدولة صارت كيانًا صلبًا ذا ثقل يجثم فوق المجتمع وتمتعت تدريجيًا باستقلالية، وأمسكت بجميع خيوط السلطة في المجتمع وهيمنت عليه، لكنها (أي الدولة) بقيت دومًا بحاجة لتبرير نفسها أمام المجتمع. فعلى الرغم من أهميتها بقيت الأولوية في المجتمع الإسلامي للجماعة/الأمة وأهدافها التاريخية.

لم تكن الدولة إذن ذات دور هامشي في المجتمع الإسلامي على العكس من ذلك كان دورها أساسيًا، بل يمكن القول: إنها كانت في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي محور نشاط المجتمع والضامن الأساسي لبقائه واستمراره، لكنها- أي الدولة- لم تستطع أن تتحول إلى مطلق نهائي، فبقيت سلطتها محددة بكونها أداة حماية المجتمع، وهي الوسيلة لتحقيق أهدافه ودعم الجماعة/ الأمة.

إن المشروع السياسي للإسلام هو تكوين الجماعة/ الأمة. فهي الإطار الوحيد الذي يمكن أن يمارس الفرد فيه شعائر الدين كاملة. وهي المجال الوحيد لتحقيق الدين. فالدين لا يمكن تحقيقه خارج الجماعة الاجتماعية، وهذه حقيقة بدهية ربما يتناساها الكثيرون من الذين يعتبرون أن الدين، خاصة الإسلام، يمكن تحقيقه على الصعيد الفردي المحض. هذه التجربة حاولتها الصوفية، لكنها تحولت عنها بعد فترة من الزمن. فقد بدأت الصوفية كأسلوب فردي في التعبير والاتصال بالله، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى ممارسات جماعية وصارت طرقًا جماعية، وهي أيضًا حقيقة لا يجب أن ينساها أنصار الدولة الإسلامية الذين يعطون الأولوية للدولة على الأمة، وهو الوضع الذي يحاكي القومية الغربية بأكثر مما يستكمل مسيرة الأمة بمؤسساتها المالية والأهلية والعبادية والسياسية الحية والقوية عبر التاريخ.

في البدء كانت الأمة!

د.عبد الباقي عبد الكبير **

* مقدمة

* الواجب.. أنواعه ومقاصده

* آثار الفهم القاصر لأبعاد الواجبات الكفائية

* من أسباب الفهم القاصر للواجبات الكفائية

* ضرورة تجديد ممارسة الواجبات الكفائية

* النتائج والدلالات

مقدمة

إن شريعة الإسلام قد جاءت لهداية البشر إلى الطريق السوي، إقامة للعدل والإنصاف، وتحريرًا من عبودية الهوى والشهوات ومن عبودية التسلط من إنسان على إنسان آخر، ومن عبودية الخرافات والرؤى والتصورات والمعتقدات الخاطئة، وإسعادًا للإنسان في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وقد جاءت واجبات الدين متعلقة بالفرد لتحقيق مقصد الشارع بالقيام بهذا العمل لكل فرد من أفراد المجتمع، تزكية للنفس وتبيانا للطاعة عن العصيان، كما جاءت واجبات الدين المتعلقة بالأمة للقيام بمقتضيات المجتمع القائد الرائد، الشاهد على الأمم في نسق تضامني اجتماعي تحقيقا لمقصد الشارع في حفظ مصالح الأمة بغض النظر عن الفرد القائم بذلك، فجاء التكليف للأمة بسد الثغرات والوقوف على الواجبات الجماعية حفظا لكيان الأمة ومقتضياته، فكان واجب الكفاية إذا قام به البعض بوجه أكمل سقط الإثم عن الباقين بعد تحقق مقصد الشارع من سنها.

ولأهمية هذه الواجبات على واقع الأمة ومستقبلها تم تكليف الأمة للقيام بها، وحُمل إثمُ التفريطِ فيها على الأمة بأكملها بما فرطوا في أمرٍ وهو عظيم الخطر في أغلب الأحيان على مستقبل الأمة وكيانها ووظيفتها.

وبما أن الأمة قد مر عليها فترة تاريخية تمكن الآخرون فيها من مصائرها، وتعطلت إرادة الأمة وخيارها عن تمثيل كيانها والاهتمام بشأنها، فتعطلت جُل الواجبات الكفائية أو انحصر فهمها حول قضايا ومسائل المصير الفردي من كفن وجنازة ونحوها، بدل فهمها في ضوء قضايا المصير الجماعي للأمة، وبذلك تراجعت الأمة عن أداء دورها في الشهود الحضاري واعتلاء موقع العطاء والأخذ الذي أصبح بيد الآخرين، وتحولت إلى موقع التبعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت