فهرس الكتاب

الصفحة 1603 من 3028

الوضع ، ولا يقصد به الوحي ولا التشريع ، بل يلقى إلى القراء مقطوعًا عن كاتبه

حسب نظرات بعض المدارس النقدية الأوربية الحديثة وليس كلها ، كذلك فإن

الأنواع الأخرى من النصوص تتطلب معاملة مختلفة عند التأويل والتفسير ، ولا

يكفي هنا أن نقول كما يفعل بعض دعاة هذا الدرس إن الكل نصوص مصنوعة من

اللغة ، وإن اللغة لها « آليات تفسيرية » عامة شاملة ذلك لأن اللغة تستخدم في كل

حالة أو نوع من النصوص لغرض مختلف يدخل هو أيضا في حساب آليات التفسير

اللغوي هذه ، كما أن نفس الآليات التأويلية اللغوية تضمن ثبات المعنى وعلوه عن

النسبيات التاريخية التي يكثر دعاة الفكرة هذه من الإلحاح عليها ؛ لهدف لا يخفى

هو هز ثبات المعنى القرآني ، وإحالته إلى النسخ والتغير والضياع والتجاوز

والسقوط .

والواقع أن بعض من يرددون أفكار مستقاة من « الهرمنويطيقا » في النخبة

العربية المثقفة ، يذهبون في التركيز على النسبية والتاريخية وميوعة المعنى وتغيره

مذهبًا متطرفًا يجاوزون به بعيدًا ما وضعه أساتذة العلم الغربيون من ضوابط علمية ، وحدود تقي الشطط المدمر بكل معنى وكل قيمة ، وما ذلك إلا لأنهم قد قصدوا

شيئًا محددًا من وراء ترويج هذه الأفكار ، هو كما قلنا مواجهة الفكرة الإسلامية ،

ولعلنا مادمنا نتحدث عن التأويل والتفسير نجد في مسلكهم هذا أو في غرضهم هذا

ما يفسر ويشرح لنا سبب تبني الغرب وبعض الدوائر النافذة لأولئك النفر ،

وتصعيدهم في منابر الثقافة الرسمية العلمانية ، وتحويلهم زورًا من خلال بعض

القضايا المثارة إلى شهداء رأي وأبطال فكر ..

د. محمد يحي

أصبحت قضية ما يسمى « بالآخر » تشغل حيّزًا واضحًا في الطروحات الثقافية على الساحة العربية في الآونة الأخيرة ، لاسيما في مجال مواجهة الفكر الإسلامي ونقده ، حيث توجه تهمة رئيسة الآن إلى هذا الفكر بأنه لا يعترف بالآخر ، ولا يفقه التعامل معه،

بل لا يضع قضية الآخر برمتها في الحسبان ويرمى الفكر الإسلامي بهذه التهمة من قِبَل رموز العلمانية على امتداد ساحة العالم العربي الفكرية ، كما تبنى على هذه التهمة اتهامات فرعية ، تتعلق بدعوى ضيق الأفق ، والانغلاق ، والتعصب وما شابه ذلك وتقترن بهذه القضية أو هذا الطرح مسائل أخرى ، أصبحت مشهورة ثقافيًا في الفترة الأخيرة كقضية التعددية ، والتفاعل الفكري الحضاري ، وإسقاط مفهوم الهوية والذاتية ، وتجنب الحديث عن الغزو الفكري والثقافي ، باعتبار أن كل هذه المسائل تعالج قضية الآخر وتحلها ، وفي الوقت نفسه ينشغل بعض المثقفين الإسلاميين بالرد على الطروحات الدائرة في فلك قضية الآخر ، بتوضيح انفتاحية الإسلام ، وقدرته على التواصل الحضاري ، وسماحته الدينية ، وعدم تبنيه مفاهيم ضيقة حول الهوية ، والذات ... الخ .

ولكن في خضم هذه الطروحات والطروحات المضادة ، تغيب حقائق واعتبارات مهمة يغفلها عمدًا أو سهوًا من أتوا بقضية الآخر إلى الساحة الفكرية كما إن عدم تعرض من يتصدون بالرد من الجانب الإسلامي لها يضعف من فاعلية دورهم ويجعلها أشبه بالضربات المضادة « الروتينية » التي توجه في لعبة كرة المضرب حتى تستقر الأمور إلى أن يتناول الطرفان الكرة في رتابة ، حتى يسجل أحدهما نقطة ، ثم تعود المباراة إلى وتيرتها ، حتى يسجل الآخر نقطة .. وهكذا ، ومثلما هي الحال في كثير من القضايا الثقافية المطروحة ، ولاسيما في مجال المواجهة بين الإسلام والفكر العلماني ، فإن المطلوب هو كسر حلقة الرتابة في طرح القضية وإدارتها بدلًا من الاندماج الطوعي غير الواعي في داخل هذه الحلقة ، مما ينتهي إلى العقم ، وعدم الجدوى حيث يسجل الطرفان النقاط كل أمام جمهوره ، ويفوز أحدهما في النهاية لكي يواجه الهزيمة في المباراة أو القضية التالية .

المطلوب إذن هو الخروج من دائرة التبادل الرتيب للحجج والحجج المضادة داخل حلقة المباراة القضية المطروحة إلى فحص وكشف قواعد المباراة ، ومن الذي فرض هذه المباراة القضية وحدد أطرها الفكرية ؟ ! والمطلوب أيضًا تسليط الضوء على هذه الأمور الواقعة خارج إطار ساحة اللعب ؛ لأن ذلك أكثر فائدة لفهم القضايا ، والتعامل معها ، وكذلك للعلم والوعي بحقيقتها ، وهذا هو المطلوب تجاه قضية « الآخر » برمتها .

لعل أول الأسئلة التي ينبغي أن توضع في هذا السياق هو: من الذي يطرح قضية الآخر ؟ وهو سؤال يفتح الباب لأسئلة حيوية أخرى مثل: ما هو هدف إدراج هذه القضية ؟ ، وهل تطرح هذه القضية بهدف ثقافي محض هو المعرفة

المجردة ؟ أم تطرح بهدف سياسي/ثقافي هو توجيه ضربة ، أو إثارة عقبة أمام تيار خصم ؟ .. هناك سؤال أخطر حول ما الذي يعنيه بالضبط من يطلقون مصطلح « الآخر » ؟ وما هي أبعاد القضية وما هي المصطلحات المتصلة بها ؟ .. هذه

هي الأسئلة التي يجب أن تطرح قبل الإجابات والحجج والأسانيد التي تثبت أن الإسلام يعترف بالآخر ، ويتعامل معه ويتفاعل ويفكر .

إن مفهوم أو مسألة « الآخر » تستند أساسًا إلى تراث أوروبي فكري وفلسفي بعيد الغور وطويل التاريخ ، فهو متأصل مثلًا في النزعة « الإنسانية » أو بالأصح الفردية ، التي غلبت على الفكر الغربي فيما يسمى عصر النهضة وما تلاه من

عصور فلسفية ، حيث تضخم إحساس الإنسان الفرد بذاته وشخصيته وكيانه ومشاعره ورغباته وتطوره ومصالحه ، إلى حد أصبح معه هو وليس الرب أو الإله أو الأمة أو المجموع البشري محور التفكير والهم الأول والأسبق ، وإزاء هذا

التضخم والمحورية للذات المفردة ، وتحولها إلى عالم واسع من الأفكار والمشاعر والرغبات والمصالح تدور حول نفسها في أنانية طاغية أصبح « الآخر » وهو الأفراد ، أو الكيانات ، أو الذوات الأخرى مشكلة أو قضية تفرض نفسها من حيث

كيفية التعامل مع هؤلاء ، وتحقيق الذات في مواجهتهم أو على الأقل بتنسيق معهم ، أو دون الدخول في صراع معهم ، أو بالدخول في صراع معهم والفوز في هذا الصراع .. باختصار شديد فإن قضية الآخر نشأت فقط في ظل تضخم وتمدد

الإحساس « بالأنا » المفردة ، أو بالذات والكيان والشخصية الفردية إلى حد أصبح معه إيجاد مجال لما هو خارج الفرد أو لما هو غير الذات مشكلة تتطلب الحل ، وتتطلب التفكير في أبعادها ومضامينها .

النزعة الفردية الغربية المسماة أحيانًا أو في أصلها « بالإنسانية » هي الرحم الأول الذي ظهرت فيه قضية الآخر ، والتي ظهرت تجلياتها تباعًا في الفلسفات والمذاهب الفكرية الغربية المختلفة حتى العصر الحالي ، ففي فلسفة هيجل المنطقية ، وفي مفهوم الحد والذات غير المطلقة في كلامه عن النفس والروح والتاريخ يصبح الآخر ضرورة حتمية تلازم الذات المفردة ، وتحتم عليها التعامل معها ، وإذا كانت الذات والآخر هنا أفرادًا أو مفاهيم ، فإن الذات والآخر في فلسفته عن التاريخ تصبح أممًا وجماعات ودولًا يجري التصارع والتناقض بينها على هذه الأسس ، وقد انعكس هذا المفهوم الهيجلي عن الذات والآخر على أفكار ومذاهب سياسية وقانونية كثيرة طيلة القرن التاسع عشر والعشرين ، رأت في غلبة الأنا ، وإطلاقها بالتغلب على الآخر ، أو استيعابه من خلال « الجدلية » الهيجلية المشهورة ، الحل الأكيد ، والهدف الأسمى الذي تسعى إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت