ومن هذا الباب نقل الألفاظ والمصطلحات الإسلامية إلى الإنجليزية مثلًا فبعض المترجمين يجعلون كلمة: (وضوء) مساوية لكلمة (أبلوشن ) ablutian، و (دين) مساوية لكلمة Religion، و (الله) ــ تعالى ــ مساوية لكلمة GOD، و ( رسول ) مساوية لكلمة Prophet ... وهذه الكلمات (العربية الإنجليزية) غير متساوية في الدلالة على المعنى الشرعي ولا مقاربة، فكلمة AbLutian تعني عند الإنجليز مثلًا التطهر بماء مقدس ، كماء التعميد، أو ماء نهر الجانج، أو الآبار المقدسة ، فهي تحمل ظلالًا وثنية مغروسة في ذهنية أبناء اللغة الأصليين . فالواجب على المترجمين أن يترجموا كلمة الوضوء إلى وضوء فقط ، ويكتبونها باللفظ العربي وبالأحرف اللاتينية ويشرحوا بعد ذلك معناها ،كذلك كلمة gods تعني: الآلهة الوثنية من الحجارة والخشب والبشر والبقر.فهي غير مساوية لكلمة الله وحاشاه تعالى من ذلك .
الشيخ د/ سعد بن عبد الله البريك
باتت حرب الأفكار والغزو الثقافي والفكري يشكل تيارًا جارفًا يهدد المجتمعات المسلمة ، لصرف المسلمين عن دينهم ومسخ هويتهم وتغيير انتماءاتهم ، مما يفتت الأمة ويضعفها ويبعدها عن واقعها ويشغلها بنفسها .
فليس مبالغة في القول إذا قررنا أن ما تعانيه أمتنا من هزائم فكرية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، هو نتيجة حتمية لتدمير الشخصية الإسلامية عقديًا وثقافيًا وسلوكيًا، بسبب الغزو الفكري الذي يعمل على أن تصبح مسخًا تابعًا لغيره ، يؤمر فيطيع ويُقاد فينقاد ، ووسيلتهم في تحقيق ذلك الخداع والتمويه وقلب الحقائق وتشويه الوقائع عن طريق تصنيع الكلمة، وزخرفة القول، والدخول إلى المخاطب، من نقطة ضعفه ، والإيقاع به، والإيحاء إليه بسلامة الفكرة، وصحة المفهوم المزيف الذي تحمله كلمات الغزو.
لقد كان الغزو الفكري موجودًا في كل جيل وفي كل عصر ، وله في كل مصر دورًا تخريبيًا مدمرًا ، إلا أن البشرية لم تشهد قط زمنًا كان فيه للغزو الفكري خبراء، ومنظرون ، وأجهزة ، ومؤسسات ، ووسائل إعلام كعصرنا هذا، حيث صار للغزو الفكري صبغة الفلسفة، والنظرية، والمبدأ، الذي يعتنقه الأتباع، ويدافعون عنه، وينقادون له. ولذا كان أثره في الأمم والمجتمعات ، أشد فتكًا من تأثير المدفع والصاروخ والطائرة، وقد ينزل إلى الميدان، ويعظم خطره، حين تخفق وسائل الحديد والنار، في تحقيق الهدف، والوصول إلى الغاية . والخطر الذي يمثله هذا الغزو أكثر بكثير من قتل الأفراد، بل من قتل جيل بأسره ، إذ يتعدى ذلك إلى قتل أجيال متعاقبة والقضاء عليها قبل أن تولد .
إنه داء عضال يفتك بالأمم، ويُذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها، والأمة التي تُبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمرًا صعبًا وإفهامها سبيل الرشد شيئًا عسيرًا.
ومصطلح الغزو الفكري يعني: الإغارة على أمة من الأمم إغارة ثقافية بأسلحة فكرية ، للهيمنة على عقول أفرادها وزعزعة الثوابت التي ينطلقون منها والتشويش على أفهامهم مما يدمر قواها الداخلية ، ويحطم مقوماتها.
والفرق بين الغزو الفكري، والغزو العسكري: أن الغزو العسكري يأتي للقهر وتحقيق أهداف استعمارية، دون رغبة الشعوب المستعمرة، أما الغزو الفكري فهو لتصفية العقول، والأفهام، لتكون تابعة للغازي. ولذا، فهو أشد فتكاَ وضررًا من الغزو العسكري لأن الأمة المهزومة فكريًا ، تنقاد إلى غازيها طواعية ، وتسلم رقبتها إلى جزارها عن رضا وقناعة بل وعن حب ومودة ، دون أن تفكر بالتمرد أو تسعى في سبيل الخلاص.
ومما يجدر التنبيه عليه أن هناك من ينكر وجود الغزو الفكري ، ويعتبر الحديث عنه مجرد وهم لأنه يتصور أن عالم اليوم: وطن واحد لحضارة واحدة، اسمها: (حضارة العصر) أو (الحضارة العالمية) أو (الحضارة الإنسانية) ، ويتصور أن الأمم والشعوب والقوميات مجرد درجات ومستويات في البناء الواحد، لهذه الحضارة الواحدة.
ومن ثم فليس في هذا التصور حدود تميز الأوطان .
ولهذا فإن عبور الفكر عبر الحدود ليس فيه عندهم شبهة (غزو) ولا أثر (عدوان) .
وهذا التصور يُروَّجُ له الآن بشتى الأساليب، فثمة دعوة إلى (فكر عالمي) وهناك دعاوى إلى اعتبار الحضارة الحديثة (حضارة عالمية) .
* ـــ استهداف الشباب لماذا؟.
لأنهم ثروة الأمة وأملها بعد الله في تحقيق أهدافها ...
وهم أكثر قواها البشرية عطاءً وخصوبة ً ونفعًا ...
والشباب هو سن العلم والعمل والجهاد والإنتاج ...
لو استطلعنا تاريخ الأمة لوجدنا أن إنتاج المسلمين في مختلف مجالات العلم وفنونه كان ثمرة للعمل الجاد في وقت اليفاعة والشباب .
لأن الشباب لا يتردد في بذل أنفس ما يملك للدفاع عما يعتقد سواء كان خيرًا أم شرًا .
"عندما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الحق ، وتنهَّد رؤساء مكة يحاربون دعوته ويصدون عن سبيل الله ، كان الشباب في طليعة المستميتين في هذا الصراع في كلا الطرفين: طرف الحق وطرف الباطل."
فكان شباب الكفار يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصبون على أصحابه أنواعًا من العذاب والتنكيل بتحريض من كبرائهم .
ومقابل ذلك أكثر الذين تولوا نصرة الحق والذود عن حياضه هم من الشباب الذين آمنوا بدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فتناهوا في الاستماتة والتضحية في سبيلها.
* ـــ أسباب الغزو الفكري:
أولًا: كره الإسلام والمسلمين: قال تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ، وقال { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } .
يذكر أهل السير أن الجيوش الأوروبية الصليبية لما هاجمت بلاد الإسلام كانت مدفوعة إلى ذلك بدافعين:
الدافع الأول: دافع الدين، والعصبية العمياء، التي أثارها رجال الكنيسة، في شعوب أوروبا، مفترين على المسلمين أبشع الافتراءات، محرضين النصارى أشد تحريض على تخليص مهد المسيح من أيدي الكفار ـــ أي المسلمين ـــ .
والدافع الثاني: دافع سياسي استعماري، حيث سمع ملوك أوروبا بما تتمتع به بلاد المسلمين من حضارة، وثروات، فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح، وما في نفوسهم إلا الرغبة في الاستعمار والفتح .
وبعد مضي أكثر من قرنين من حروب دامية، اشتد وطيسها، بين كتائب الإيمان وبين جحافل الشر ، ارتدت الحروب الصليبية على أدبارها ، بعد أن باءت بالإخفاق والهزيمة، وبعد أن وقع القديس (لويس التاسع) قائد الحملة الصليبية الثامنة، وملك فرنسا أسيرًا في مدينة المنصورة في مصر ، ثم خلص من الأسر بفدية، ولما عاد إلى فرنسا، أيقن أن قوة الحديد والنار لا تجدي نفعًا مع المسلمين الذين يملكون عقيدة راسخة، تدفعهم إلى الجهاد، وتحضهم على التضحية بالنفس والنفيس .
وكان لابد من تغيير المنهج والسبيل، فكانت توصياته: أن يهتم أتباعه بتغيير فكر المسلمين، والتشكيك في عقيدتهم وشريعتهم، وذلك بعد دراستهم الإسلام لهذا الغرض، وصارت قاعدتهم التي ارتكزوا عليها: (إذا أرهبك عدوك فأفسد فكره ينتحر به ، ومن ثم تستعبده) . (الغزو الفكري» د. أحمد السايح: 51 ضمن سلسلة منشورات كتاب الأمة العدد(38) ط. قطر ).
وهكذا تحولت المعركة من ميدان الحديد والنار إلى ميدان الفكر، لأن القضاء على الإسلام أو تحويل المسلمين عن دينهم، لا يمكن أن يأتي عن طريق القوة والغزو المسلح.