أيها المسلمون: وإذا كانت شبكات الإنترنت تشكل خطرًا أخلاقيًا على المجتمعات الكافرة الإباحية فما بالك بمجتمعاتنا؟! ففي أمريكا تقول إحصائيتهم: أن نسبة 70 من مستخدمي هذه الشبكات يستخدمونها لأغراض جنسية ! هذا وهم في مجتمع متفسخ يجدون الجنس في شوارعهم, وفي واقع حياتهم أكثر من وجوده على الشبكة! فما هي النسبة المتوقعة في مثل مجتمعاتنا؟.
أيها المسلمون: يتوقع -إن لم يتغمدنا الله جل وتعالى بلطفه وبرحمته- أنه في خلال سنوات قليلة يتم غسل أدمغة شباب وشابات الأمة من أبناء المسلمين غسيلًا فكريًا كاملًا؛ يعجبون بكل ما عند الغرب, وتربيهم هذه الدشوش وهذه الشبكات على قلة الحياء وضعف الخلق واللامبالاة ويحرك فيهم الغرائز الجنسية فيخرج علينا جيل ينادي بالإباحية ويحارب الفضيلة كما حصل تمامًا في بعض البلدان الإسلامية من قبل ومن بعد! وصار أبناء البلد هم الذين يحاربون الدين والخلق والفضيلة وهم الذين يطالبون أن تخرج المرأة، وهم الذين ينادون ويقولون: أحكام الإسلام فيها شدة. وهم الذين يبحثون عمن يبيح لهم ما حرم الله!
أسألكم -أيها الأحبة- مَن الذي يكتب في هذه المرحلة ويطالِب -مثلًا- بعمل المرأة؟
أليسوا ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؟
من الذي ينادي بأن تقود المرأة السيارة في بلادنا؟
من الذي يطالب بفتح أندية رياضية للنساء؟
أهم اليهود؟ أهم النصارى؟
إنهم ممن يدعي الإسلام بل وتحت مظلة الإسلام يحارب الدين وأهله!
لقد نجح العدو في هذه المرة بأن جعل أبناء البلد هم الذين يتكلمون بلسانه، ويعبرون عما يريد وتحت لافتة:"في ظل الضوابط الشرعية"-زعموا-.
إنها -أيها الأحبة- أزمة حادة وأية أزمة!
أضف إلى ذلك بأنه لم يغب عن بال أعداء الشريعة وخصوم الملة غطاء رسمي آخر! وتسألني ما هو هذا الغطاء الرسمي الآخر؟
إن صح التعبير: أوجدوا ما يسمى بمشايخ الشاشة ومفتي الفضائيات! أباحوا للناس - والعياذ بالله- أمورًا محرمة معلومة من الدين بالضرورة! فهذا يفتي بإباحة الغناء, وآخر يفتي بإباحة أكل الربا من خلال أخذ الفوائد البنكية, وثالث ورابع وعاشر... فتميع أحكام الدين بسبب"مشايخ الفضائيات"!
أيها المسلمون: ثم هذه الجرائم الأخلاقية التي تزعجنا بأخبارها يوميًا، وهذه المشاكل التي أيضًا نسمعها يوميًا في مجمَّعات تجارية وفي أسواق عامة، وما يحصل بين البنين والبنات ما هي إلا بعض آثار هذه القنوات وهذه الفضائيات, وما هي إلا إرهاصات وإنذار بشيء أخطر من ذلك لا يحمد عقباه -إن لم يتغمدنا الله جل وجلاله برحمته- نسأل الله جل وتعالى الستر والعافية!
أيها المسلمون: إنها حقًا أزمة حادة بل أزمات, يحمل همها العلماء الربانيون, ويحمل همها الدعاة المخلصون, ويحمل همها طلاب العلم العاملون والصالحون الطيبون من أمثالكم, فالوضع بحاجة إلى تكاتف الجميع وشعور الجميع بالمسؤولية وأن نبدأ بإصلاح أنفسنا وبيوتنا وأن نهتم وأن نتابع أولادنا وبناتنا بكل دقة, والثقة الزائدة تكون في كثير من الأحيان سلبية والله المستعان.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2169)
عبد الرحمن السديس إمام الحرم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا إخوة الإسلام في بلد الله الحرام، ويا حجاج بيت الله الكرام، إخوة الإيمان في مشارق الأرض ومغاربها، أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فهي وصيته سبحانه للأولين والآخرين من عباده، يقول عز من قائل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ [النساء:131] .
عباد الله، حجاج بيت الله، أتدرون ما يومكم هذا؟ إنه يوم عيد الأضحى المبارك الذي عظَّم الله أمره ورفع قدره، وسماه يوم الحج الأكبر؛ لأن الحجاج يؤدون فيه معظم مناسكهم، يرمون جمرة العقبة ويذبحون هداياهم، ويحلقون رؤوسهم، ويطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة، في هذا اليوم المبارك ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى، بعدما وقفوا الموقف العظيم يوم عرفة، ورفعوا أكف الضراعة وذرفوا دموع التوبة والإنابة، وتضرعوا إلى من بيده التوفيق والإجابة، ثم أفاضوا إلى المزدلفة، وباتوا بها اتباعًا لسنة المصطفى القائل: (( خذوا عني مناسككم ) )، هذا اليوم المبارك ـ يا عباد الله ـ جعله الله عيدًا يعود بخيره وفضله وبركته على المسلمين جميعًا حجاجًا ومقيمين، في هذا اليوم يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح هداياهم، اتباعًا لسنة المصطفى ، فقد نحر الهدي بيده الشريفة، في حجة الوداع ثلاث وستين بدنة، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها المسلمون، لقد ورد الفضل العظيم والثواب الجزيل لمن أحيا شعيرة الأضاحي، في الحديث عنه قال: (( ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بأظلافها وقرونها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض، وإن للمضحي بكل شعرة حسنة وبكل صوفة حسنة فأطيبوا بها نفسًا ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
ومما ينبغي أن يعلم ـ يا رعاكم الله ـ أن للأضحية ثلاثة شروط:
أولها: بلوغ السن المعتبر شرعًا، وهو خمس سنين في الإبل وسنتان في البقر وسنة في المعز ونصف سنة في الضأن. ثانيهما: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء وقد بينها بقوله: (( أربعة لا تجزئ في الأضاحي: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء وهي الهزيلة التي لا تنقي ) )خرجه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. ثالثها: أن تكون الأضحية في الوقت المحدد شرعا وهو: طلوع الشمس من يوم العيد إلى غروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق، والأفضل في يوم العيد نهارًا، ولا بأس من الذبح ليلًا، وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته كما في حديث أبي أيوب رضي الله عنه.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.