ويشمل هذا الغزو اليوم كثيرًا من فلسفات المنطق اليوناني القديم، وفلسفات وتطبيقات الفكر الصيني والهندي الروحية، التي وجد كثير من الغربيين المتعطشين للروحانيات فيها ضالتهم بعد انغماسهم في الفكر المادي.., وتختلف طريقة انتشار هذا الفكر.. اليوم عن طريقة انتشاره قديمًا، فقد انتشر اليوم بصورة طرق وتقنيات متنوعة الصور والتطبيقات لا بصورة الفكر والفلسفة.., وتحمل هذه التطبيقات معها فكرها وعقائدها الدينية غير المعروفة عند الغالبية من المسلمين.. (و) يتعارض أكثرها مع مقدسات ديننا وثوابت عقيدتنا وإن ظن جماهير من المجتمع المسلم أنها بصورها التطبيقية بعيدة الصلة عن الاعتقاد والفكر.. لكونها تتخذ من التدريب والرياضة والتغذية والاستشفاء شعارات تنطلق من خلفها.. ومن مظلات هذا الفكر وعناوينه: الاستشفاء البديل، والطب البديل، والطب التكاملي، والتناغم مع الطبيعة، واكتشاف الطاقة والقدرات، والرياضات الروحية، والتأمل, والتنويم، والاسترخاء, ومن أسمائه الصينية واليابانية والغربية الأصلية: الريكي والتشي كونغ واليوجا والتاي شي شوان والماكروبيوتيك وغيرها.
وهذه التطبيقات هي في حقيقتها ممارسة عملية لأصول معتقدات أديان الشرق في الهند والصين والتبت من الهندوسية والبوذية والطاوية والشنتوية وغيرها، والتي تعتمد على نظرة خاصة للوجود، ولعلاقة الإنسان بالكون حسب تصور منكري النبوات في الفلسفات الإغريقية والصينية..
وفكرة الطاقة الكونية تقوم على فلسفة بديلة لعقيدة الألوهية.. فيعتقد الطاويون أن الوجود كل واحد، وكل مافي الوجود هو الطاو Tao، فهو أصل كل الأشياء وإليه مردها.. ثم انبثق منه نقيضان: الين واليانغ. أحدهما الأصل الذي انبثقت منه الأشياء المتجسدة ذات الهيئة والشكل والصفات، أما الآخر نقيض المتجسدات فقد بقي على صفات الكلي الواحد، وملأ الفراغ الذي في الكون وأسموه الطاقة الكونية..
ويزعمون أنه كلما حرص الإنسان على توازن الين واليانج في تغذيته، وفي سائر أمور حياته كان في صحة وسعادة وقوة وحيوية قد تصل به لأن يتحد بالطاو أو يتناغم معه..
ويختلف اسم الطاو أو الطاقة الكونية المنبثقة عنه حسب اللغات فيدل عليه اسم كي Ki المستخدم في تطبيقات الريكي واسم تشي Chi- Qi المستخدم في تطبيقات تشي كونغ وغيرها, وهو الماكرو Macro عند مفكري الماكروبيوتيك، وهوالبرانا Prana عند الهندوس وممارسي التنفس العميق، وهو مانا Mana عند غيرهم.. وتدخل تلك الفلسفات في تطبيقات التصميم والديكور، ويعتمد عليها مبدأ الاستشفاء بالأحجار الكريمة والأشكال الهندسية والألوان والروائح والإبر الصينية, وهذا ما جعل د. دوجلاس شونج Douglas Chung من إحدى الجامعات الأمريكية يقول: (كثير من الناس يمارسون الشي كونغ والتاي شي شوان والإبر الصينية دون أن يعرفوا أنهم يمارسون الطاوية) , والدعوة للوصول للنرفانا في التنويم والدعوة للاتحاد بالعقل الكلي عند مدربي الريكي ليست بعيدة عن فكرة وحدة الوجود.. ولايخلو كثير من تطبيقاتها من ادعاء القدرات الخارقة كالمشي على النار أو المسامير مما عُرف به نساك الهندوس..
ومن هنا فإن خطر هذه الوافدات مدلهم، وفتنتها عظيمة، والشر الذي تجمعه وتدل عليه كثير متشعب. وعلى الرغم من محاولات كثيرين من الحريصين استخلاص ما فيها من خير، بعيدًا عن لوثاتها العقدية إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل, فمصادمة هذه الفلسفات وتطبيقاتها للعقيدة إنما هي في الأصول التي تقوم عليها لا في بعض التطبيقات الهامشية التي قد يدعي البعض إمكانية التحرز منها.
ثم إن المنهج النبوي يحتم علينا اتباعه بالإقبال على الكتاب والسنة، فما تركا من خير إلا وفيهما دلالة عليه، ولا شر إلا وفيهما تحذير منه. واليقين بهذا من مقتضيات فهم كمال الدين، وتمام بلاغ خاتم المرسلين", والحمد لله الذي قال في محكم التنزيل جازمًا:"وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [آل عمران:85] . وقال في ثلاثة مواضع بنفس الألفاظ مؤكدًا:"هُوَ الّذِيَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىَ وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ" [التوبة:33] و [الفتح:28] و [الصف:9] , هذا والله تعالى أعلم."
د/ أحمد محمد زايد 1/11/1426
تتعرّض الأمة لنوع مركّزٍ من الغزو الفكري منذ أمد بعيد، وقد أثمر هذا الغزو ثماره المُرّة، يلحظها المرء في حياة الجيل الحاضر والسابق على السواء، وهدفها الأجيال اللاحقة، هذه الثقافات الوافدة تقتحم مجالين رئيسين في حياة الأمة:
المجال الأول: دائرة المفاهيم الإسلامية العلمية الجذرية، التي تمثل جانب العقائد الكبرى لدينا نحن المسلمين، والتي هي محور تميّز الأمة وثباتها، ويقتحم الغزاة هذه الدائرة بطرح لون من الثقافة والفكر في شكل فلسفات هي في حقيقتها رديئة خبيثة تعرض مسائل عدة، وتناقشها وتُقرّر فيها الآراء، هذا اللون من الفلسفة يتناول عدة قضايا منها:
-مسألة أصل الإنسان، وكيف وُجد؟ ولِمَ وُجد؟ وإلى أين مصيره؟
-مسألة فلسفة الوجود ونشأته ونهايته.
-مسألة الحديث عن الغيبيات. وهل هناك حقيقة وراء هذه المشاهدات المحسوسة؟ إلى غير ذلك من القضايا التي أعدها أولئك الغزاة، وهم يعرضونها في ثوب العلم والبحوث والنظريات، ويستميتون في إيجاد منابر وأبواق ينفثون من خلالها تلك السموم والفلسفات التي تلبس لبوس العلم، وتتزيّا بزي العقل والبحث المنصف، وهي في الحقيقة لا تستهدف إلا زعزعة العقائد الإسلامية الصحيحة في النفوس لينقلب المسلم على أغلى وأعزّ ما لديه (عقيدته وإيمانه) ، ويقينًا فإن هذه الفلسفات التي تُعرض في هذا المجال حشُوها بالسموم والشبهات التي عكفوا على صناعتها و بثها.
المجال الثاني: دائرة المفاهيم الإسلامية العملية التي تجسد صورة الإسلام الحي العملي، في جوانبه المشرقة (الأخلاقية، والاجتماعية، والمادية، والجمالية، وسائر الجوانب العملية التي تعمر الحياة، وتقيم العدل في الأرض) ، ويقتحم الغزاة هذا المجال بلون آخر من الثقافة يتناسب مع طبيعة الموضوع، وذلك بطرح عدة علوم مُحاطة بهالة من التقديس والزعم بأنها نتاج البحث الجادّ المخلص، فهناك يعرضون علومًا كعلم النفس، وعلم السياسة والاقتصاد والاجتماع، وعلم الأخلاق، ونظريات وشعارات كنظرية حقوق الإنسان، والحرية والسلام والتغيير والإصلاح إلى غير ذلك من الأفكار والعلوم المصنوعة بذكاء ودهاء وخداع، تحمل السم في الدسم، والهدف هو عقل الجيل الحاضر و الجديد من أبناء المسلمين، واستمرار التبعيّة الفكرية للغازي الحاقد. ويُلاحظ على هذه الأطروحات الفكرية عدة ملاحظات منها:
-أنها تحمل كمًا هائلًا من الشبهات المشكّكة والمشوّهة للإسلام.
-أنها تهدف إلى تجهيل الأمة بدينها بتشويه تاريخها، وحرفها عن وجهتها.
-أنها لا تقبل الإسلام كمنافس أبدًا، ولذا يصحبها إرهاب فكري، وقوى عسكرية، واقتصادية هائلة. والمراد إبراز جبهتين عليهما تدور المعركة الفكرية بيننا وبين العدو منذ أمد ليس بالقريب، وعندما نحدد سلاح العدو وأدواته، نتمكن حينها من تحديد الواجب العملي المركز في المواجهة والرد.