وذلك لما روى مسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ومَنْ بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر» . ولما روى مسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم، أو يُفرّق جماعتكم فاقتلوه» . ولما روى مسلم عن أبي سعيد الخدريّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» . ولما روى مسلم أن أبا حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يُحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» . فالحديث الأول يبيّن أنه في حالة إعطاء الإمامة، أي الخلافة لواحد وجبت طاعته، فإن جاء شخص آخر ينازعه الخلافة وجب قتاله وقتله إن لم يرجع عن هذه المنازعة.
والحديث الثاني يبين أنه عندما يكون المسلمون جماعة واحدة، تحت إمرة خليفة واحد، وجاء شخص يشق وحدة المسلمين، ويفرق جماعتهم وجب قتله. والحديثان يدلان بمفهومهما على منع تجزئة الدولة، والحث على عدم السماح بتقسيمها، ومنع الانفصال عنها، ولو بقوة السيف.
والحديث الثالث يَدلّ على أنه في حالة خلوّ الدولة من الخليفة ـ بموته أو عزله أو اعتزاله ـ ومبايعة شخصين للخلافة يجب قتل الآخر منهما، ومن باب أولى إذا أعطيت لأكثر من اثنين. وهذا كناية عن منع تقسيم الدولة، ويعني تحريم جعل الدولة دولًا، بل يجب أن تبقى دولة واحدة.
والحديث الرابع يدل على أن الخلفاء سيكثرون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة رضوان الله عليهم سألوه بماذا يأمرهم عندما يكثر الخلفاء، فأجابهم بأنه يجب عليهم أن يفوا للخليفة الذي بايعوه أولًا، لأنه هو الخليفة الشرعي، وهو وحده الذي له الطاعة، وأما الآخرون فلا طاعة لهم، لأن بيعتهم باطلة، وغير شرعية، لأنه لا يجوز أن يُبايَع لخليفةٍ آخر مع وجود خليفة للمسلمين. وهذا الحديث كذلك يدل على وجوب أن تكون الطاعة لخليفة واحد، وبالتالي يدل على أنه لا يجوز أن يكون للمسلمين أكثر من خليفة، وأكثر من دولة واحدة.
فهذا الأمر يدلل على ان نظام الخلافة الاسلامية نظام وحدة وليس اتحاد.
محمد بن صامل السلمي
حلقة 1:
مقدمة:
قال في لسان العرب: ( مادة غزا ) : غزا الشيء غزوًا ، أراده وطلبه ، والغِزوة - بالكسر - ما غُزي وطلب ، ومغزى الكلام مقصده ، وعرفت ما يُغزى من هذا الكلام: أي ما يراد منه ، والغزو: القصد .
وبهذا تنحصر معاني هذه المادة: في الطلب والقصد والإرادة ومعرفة ما يراد ، والغزو الفكري - بهذا التركيب الإضافي -: مصطلح معاصر يعني البحث عن كيفية تأثر المسلمين بأفكار وخطط أعدائهم التي تضاد الشريعة الإسلامية ، وتسعى للقضاء عليها ، ولتحلل المسلمين منها ذاتيًا دون استخدام القوة المباشرة .
يقول الدكتور عبد الستار السعيد: ( الغزو الفكري تعبير دقيق بارع يصور خطورة الآثار الفكرية التي يستهين بها كثير من الناس لأنها تمضي بينهم في صمت ونعومة مع أنها حرب ضروس .. لا تضع أوزارها حتى تترك ضحاياها بين أسير أو قتيل أو مسيخ كحرب السلاح أو هي أشد فتكًا ) [1] .
وذلك أن الغزو العسكري واحتلال الأرض يثير في الطرف المقابل الحمية والنخوة وروح المقاومة ورد العدوان ، في حين أن الغزو عن طريق الفكر لا يثير شيئًا من هذا عند كثير من الناس ؛ لأنه يتودد إلى النفس ، ويدخل إليها من عدة مداخل تناسبها: مداخل الشبهات من دعاوى التقدم والتطور ومسايرة ركب الحضارة والمدنية ... الخ . أو مداخل الشهوات من حب الأموال والسلطة والجاه وحب الظهور ، وتحقيق الرغبات الهابطة من الجنس والشراب وغيرها من ألوان الفساد والانحراف الخلقي والسلوكي وبذلك يسهل قياده ، ويضمن تحوله واستمراره ذاتيًا ، من داخل نفسه ، بل قد يصبح داعية لمبادئ العدو وأفكاره ، وهذه فتنة من أعظم الفتن ، وقد قال - سبحانه وتعالى-: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ وإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا } [البقرة: 217] .
إن الصراع بين المسلمين والكفار دائم ومستمر ، وقد جرب عدونا سلاح القوة مرارًا ، فما أجدى له نفعًا ، مما جعل قادتهم يفكرون في وسيلة أخرى وميدان آخر للصراع ، ولقد أدركوا أن السر في صلابة المسلمين وتفوقهم هو في إسلامهم ؛ ولذا حولوا ميدان الصراع من حرب المسلمين ذاتهم إلى حرب العقيدة الإسلامية ، وبهذا تغيرت ملامح المعركة ، فلم يعد ميدانها الرئيسي الأرض ولكنه الأدمغة والعقول ،
ولم تعد وسيلتها السيف بل الفكر ، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق العسكرية ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى [2] .
والذي يعنينا في هذا المقال هو البحث عن كيفية وقوع الغزو الفكري في علم التاريخ الإسلامي ، وكيف تأثرت دراسة تاريخنا بمناهج وخطط وأفكار أعدائنا ؟ .
وسائل الغزو الفكري في تشويه التاريخ:
لقد تعرض التاريخ الإسلامي لأكبر قدر من الغزو الفكري ، وركز الأعداء
على تشويه تاريخ الأمة الإسلامية ، ذلك أن التاريخ - بالنسبة لأية أمة - هو مجال اعتزازها وموطن القدوة فيها . فإذا كان تاريخ الأمة حافلًا بالأمجاد - كما هو واقع تاريخ المسلمين - فإنه بلا شك سيكون باعثًا لهم على النهوض والتمسك بالمبادئ والآداب والقيم التي جعلت الأجداد يحرزون هذا المجد والفخار ، ويصلون إلى هذا المستوى الراقي في بناء الأمة والحضارة ، ويبحثون عن السر الذي رفعهم إلى هذا
المستوى ، وأنه إيمانهم بالله وتمسكهم بدينهم وجهادهم في سبيل الله ومن ثم يسعون جاهدين لانتشال أنفسهم من الوضع المتردي الذي وصلوا إليه ، وأمامهم الصورة الجلية . والقدوة الممتازة في شخص رسولنا -صلى الله عليه وسلم- الذي أخرج الله به الأمة من الظلمات إلى النور ، ومن الشرك والأهواء وتحكم الطواغيت إلى التوحيد والعدل والأمن والطمأنينة ، ومن الفقر وضيق الحال والشتات إلى الغنى وسعة الدنيا والآخرة والاعتصام بحبل الله . وكذا أصحابه - رضي الله عنهم -
الذين حملوا الراية وآزروه ونصروه ، وأيضًا بقية الأجيال من السلف الصالح من العلماء والزعماء والقادة والمصلحين والدعاة إلى الحق .
والنماذج الممتازة في التاريخ الصالحة للقدوة ليسوا أفرادًا يمكن حصرهم ، ولكنهم أجيال وأجيال ، في مجالات الحياة كافة ، العسكرية والسياسية والتربوية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية وهذا لا يوجد في تاريخ أية أمة أخرى لما لهذه الأمة من خاصية الاستمساك بالمنهج الرباني .