فهرس الكتاب

الصفحة 2767 من 3028

من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا

بك بشر الله السماء فزينت

وتضوعت مسكًا بك الغبراء

أهديت الأمة صراطًا مستقيمًا، وخلقًا قويمًا، وكنت نعم القدوة والمعلم والإمام والمقوم، والمثل الحي في هذه الحياة للفضائل والصدق والوفاء وجلائل الأمور:

يا من له الأخلاق ما تهوى العلا

منها وما يتعشق الكبراء

زانتك بالخلق العظيم شمائل

يغرى بهن ويولع الكرماء

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى

وفعلت ما لا تفعل الأنواء

وإذا عفوت فقادرًا ومقدرًا

لا يستهين بعفوك الجهلاء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته

فجميع عهدك ذمة وفاء

ميلاد الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان بحق ميلاد دعوة ينتظرها الزمان لتزيل عن كاهله الركام البغيض من الدكتاتوريات والضلالات، وتنتظرها الإنسانية لينداح عنها الاستعباد والقهر والامتهان، وتسعد بالأمن والأمان والاستقرار:

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم

إلا على صنم قد هام في صنم

والأرض مملوءة جورًا مسخرة

لكل طاغية في الأرض محتكم

مسيطر الفرس يبغي في رعيته

وقيصر الروم من كبر أصم عم

يعذبان عباد الله في شُبه

ويذبحان كما ضحيت بالغنم

والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم

كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم

جاء النبي الخاتم ليكون رحمة للعالمين، وسراجًا منيرًا للتائهين. وصدق الله يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) (الأحزاب) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 107 (الأنبياء) . فنحن اليوم في ميلاد وذكرى السراج المنير والنذير البشير، والداعية إلى الصراط المستقيم، ورحمة الله للعالمين، ورسول الله للمسلمين.

فأي فخر هذا وأي عطاء! وأي كرم ذلك وأي سمو وبهاء! أن ننتسب إلى ذلك الصرح السامق، والبناء الشاهق، وأن نكون من أتباعه وأحبابه:

المصلحون أصابع جمعت يدًا

هي أنت بل أنت اليد البيضاء

أنت الذي نظم البرية دينه

ماذا يقول وينظم الشعراء!

نعم ماذا أقول أو تقول البشرية في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا كما قال البوصيري - رحمه الله:

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

هذه الشخصية التي ظهرت على قدر قدَّره الله - تعالى -، وكانت المثال الأعلى للإنسان الكامل المتوازن في الحياة، متوازن في كل شيء حتى في التعامل مع الباطل وأهله وأصحاب البغي والعدوان، وما أصدق القائل:

والشر إن تلقه بالخير ضقت به

ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم

والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا

فالحرب إجدى على الدنيا من السلم

ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - ممتثلًا كتاب ربه يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) (التحريم) فكان - صلى الله عليه وسلم - كما عبر شوقي - رحمه الله:

الحرب في حق لديك شريعة

ومن السموم الناقعات دواء

وإذا مشيت إلى العدا فغضنفر

وإذا جريت فإنك النكباء

كم من غزاة للرسول كريمة

فيها رضًا للحق أو إعلاء

كانت لجند الله فيها شدة

في إثرها للعالمين رخاء

واليوم، ونحن في هذه الذكرى العطرة، نرى ونسمع ونعيش استباحة المسلمين في غارة جائرة غير مسبوقة على الإسلام والمسلمين، حيث تدار المؤامرات هنا وهناك لضرب الإسلام، إذ اعترف العدو نفسه بذلك، فذكرت مجلة"يو إس نيوز"أن الإدارة الأمريكية تقوم بتمويل وسائل الإعلام والمراكز البحثية وتدفع المليارات من الدولارات لمحاربة الإسلام، والتأثير، ليس في المجتمعات الإسلامية فحسب، بل في الإسلام ذاته.

كما اعترفت تلك المجلة بأن تلك الاستراتيجية الأمريكية أعنف حملة سياسية منذ انتهاء الحرب الباردة مع الكتلة الشيوعية.

هذا وقد اعتمدت الخطة الأمريكية والغربية على مفردات ووسائل معينة للتأثير في الإسلام وفي برمجة عقول المسلمين على ما يريدون، من تلك الخطة:

1 تدريب أئمة المساجد على تلك الخطة، وعلى الإسلام المراد وهو الإسلام الذليل الكهنوتي الذي يقبل بالاستعمار على أنه صديق وعلى قبول الآخر"الغازي"وإنشاء المدارس الإسلامية من خلال المساعدات الأمريكية وتلقين الطلبة الفصل بين الدين والدولة.

2 كسب عطف المسلمين بأشياء هامشية، مثل ترميم المساجد والآثار الإسلامية.

3 إنشاء قنوات تلفازية وإذاعية عربية، ودعم الإعلام العربي بالبرامج المسممة وتنظيم دورات إعلامية وورش عمل سياسية للترويج للإسلام المراد نشره.

4 عمل مراكز بحثية وإمدادها بالمال اللازم وشراء الباحثين لعمل البحوث اللازمة لذلك، هذا وغيره، عدا الغزو الحربي ونهب الخيرات واحتلال الديار، والمسلمون لاهون.

هذا هو الميلاد اليوم..وهذه هي الغارة على العالم الإسلامي الآن.

نسأل الله العون والتوفيق.. آمين.

يحيى أبو زكريا

18/5/1426هـ

على الرغم من أن الدول المغاربية مجتمعة قد نالت استقلالها السياسي قبل ثلاثين سنة، وحظيت بالفكاك التام عن السيطرة الاستعمارية الفرنسية؛ إلا أن المتأمل في المشهد الثقافي والسياسي، والاقتصادي والحضاري؛ بشكل عام يدرك أن الحركات الاستقلالية في المغرب العربي لم تحقق أهدافها الكبرى والمركزية, خصوصًا إذا علمنا أن اللغة الفرنسية مازالت سيدة الموقف في دول المغرب العربي، وأن كبريات الصحف المؤثرة ناطقة باللغة الفرنسية، وعدد مشاهدي القنوات الفرنسية من خلال الهوائي المقعر - البرابول - من سكان المغرب العربي تجاوز السبعين بالمئة حسب ما تذهب إليه دراسة فرنسية؛ والتي أوصت بوضع خطّة ميدانية لربط سكان المغرب العربي بوسائل الإعلام الفرنسية المرئية منها على وجه الخصوص.

والأخطر من ذلك فإن بعض القنوات ذات الارتباط باللوبي اليهودي على دراية بهذه الإحصائية تتعمد بث أفلام خليعة موجهة إلى المغرب العربي، الأمر الذي ساهم في تعفين الواقع الاجتماعي؛ خصوصًا في ظل إحجام الشباب والشابات عن الزواج بسب تردي الوضع الاقتصادي، وأزمة السكن التي أصبحت شبحًا ضاريًا في المغرب العربي.

وتعتبر المراكز الثقافية الفرنسية في المغرب العربي من أنشط المراكز في الترويج للثقافة الفرنسية، والتمكين للغة فولتير، وفي الوقت الذي تباع فيه في المغرب العربي كل الإصدارات الثقافية والفكرية من كتب ومجلات، ودوريات وأشرطة سمعية بصرية فرنسية، والتي تقوم النظم باستيرادها؛ فإن نسبة ما يستورد من العالم العربي من مطبوعات عربية لا يتجاوز العشرة بالمئة، ويضطلع بهذه المهمة خواص في الأغلب؛ مع قيود لها أول وليس لها أخر، وهذا الأمر جعل الانتليجانسيا الفرنسية في المقدمة لجهة إطلاعها على المستجدات والجديد في مجال العلوم والثقافة والفكر، أما النخبة العربية فهي تناضل في سبيل إحقاق التواصل بينها وبين الانتليجانسا المشرقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت