فهرس الكتاب

الصفحة 2768 من 3028

وعلى صعيد الإعلام المغاربي الناطق بالفرنسية، والذي يتلقى الدعم المادي مباشرة من السفارات الفرنسية في المغرب العربي، ومن الجهات السياسية والاقتصادية النافدة، ومن منظمة الفرانكفونية العالمية التي تقف وراءها فرنسا, فانه أكبر شاهد على مدى السيطرة الفرنسية, ففي الجزائر مثلًا من بين اثنتي عشر صحيفة يومية اثنتان منها فقط ناطقة باللغة العربية أما بقية الصحف فكلها ناطقة باللغة الفرنسية، ومن هذه الصحف الوطن, ليبرتي, هوريزون, التريببيون, المجاهد, لوسوار دالجيري, وغيرها، ومعظم الإعلانات تذهب إلى هذه الصحف الفرانكوفونية، أما الصحف العربية من قبيل الخبر والشعب فهي تعيش الضنك المادي، وقلة المادة الإعلانية التي يتم توزيعها لاعتبارات أيديولوجية, هذا عدا عن فترة بث نشرة الأخبار باللغة الفرنسية، وقناة إذاعية بكاملها ناطقة باللغة الفرنسية, وهذا الأمر ينطبق على تونس والمغرب، وموريتانيا وليبيا إلى حد معين.

وفي موريتانيا على سبيل المثال على الرغم من أن مظاهر القبيلة والبدائية مازالت سائدة في موريتانيا إلا أن الفرنسة هي الطاغية على مقومات الوضع الثقافي والاقتصادي والسياسي.

وتجد الثقافة العربية نفسها محاصرة من قبل الفرانكوفونية، والبربرية، والثقافة الأمريكية الزاحفة مع العولمة، والكوكبية ذات الصبغة الأمريكية فقط، ولم تقم وزارات الثقافة في المغرب العربي بخطوات ملموسة في سبيل تكريس الثقافة العربية، والرقي بها في مختلف المجالات, بل إن هذه الوزارات برعت في شيء واحد فقط وهو إقامة حفلات الطرب ودعوة المطربين من كل حدب وصوب من الجيل القديم والجديد والذي لم يوجد بعد، وتسخير ميزانيات وزارت الثقافة على هذه الأمور؛ الأمر الذي أنعكس سلبًا على الثقافة العربية، وجعل الثقافات الأخرى - وتحديدًا الفرنسية - تتقدم بسرعة الصاروخ خصوصًا وأن وراءها دولة تعد الخامسة عالميًا، فهي تردف هذه الثقافة بكل أسباب التفوق، وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه الدولة تملك استراتيجية ثقافية، وتخصص للثقافة أضعاف ما تخصصه لوزارة الدفاع.

وحتى الطرب المغاربي لم يسلم من اللوثة الفرانكفونية، حيث بات مألوفًا أن يغني مطرب من المغرب العربي أغنية هي خليط من اللهجة المحلية واللغة الفرنسية، ويقول المدافعون عن هذه التوجهات الثقافية: أنها ضرورات العولمة والكوكبية والانفتاح الحضاري.

لكن السؤال المركزي الذي يجب طرحه وتكرار طرحه هو: لماذا العولمة تقتضي أن نتخلى نحن عن قيمنا وشخصيتنا، فيما هم يتمسكون بقيمهم، ويصدرونها إلينا بعناوين براقة!!

المصدر: http://www.almoslim.net/figh_wagi3/show_news_comment_main.cfm?id=341

الغارة على الشريعة الإسلامية

د. محمد يحيى [1]

تتردد في كتابات الفكر الماركسي مقولة مفادها أن الرأسمالية تحمل داخلها بذور فنائها، والمقصود بذلك بعض التناقضات التي يلمحها أصحاب ذلك الفكر في ممارسات ومفاهيم ومسار النظام الرأسمالي، والتي من شأنها أن تؤدي - في حالة تطوُّرها وتفتُّحها - إلى تدمير النظام الرأسمالي من داخله، ويبدو أن أصحاب الفكر اللاديني (العلماني) المعادي للإسلام على شتى مشاربهم، قد اختطّوا لأنفسهم تحركًا مضادًا للشريعة الإسلامية - يحاول أن يحاكي هذه المقولة الماركسية، مطبَّقة على شريعة الإسلام هذه المرة، فعلى مر سنوات ماضية أخذت الأقلام اللادينية (العلمانية) غير المتخصصة في الشريعة الإسلامية، وفي العديد من البلدان العربية في الاستخدام المتبذل الفجّ غير الممحَّص لمجموعة من المقولات التي تتردد في الوسط الإسلامي عادة، سواء أكان لها معنى دقيق محدد أم كانت مجرد مصطلحات عامة، تُطلق على سبيل الدفاع عن الشريعة الإسلامية، أم كانت حتى مجرد أمثلة عامة!.

وهكذا أخذنا نسمع ونقرأ لأقلام لا دينية قُحة، لم يُعرف عنها سابق اهتمام أو جهاد في سبيل الإسلام، ولا شأن بمصلحته أو حالة أهله، وتجري على أسنَّة تلك الأقلام هذه المقولات بسهولة غريبة؛ لكي يوهموا مَن يقرأ لهم أنهم علم بالإسلام، وأنهم من المتعمقين في أموره، وهم يجترون مقولات مثل"أنتم أعلم بشؤون دنياكم"و"الضرورات تبيح المحظورات"و"لا ضرر ولا ضرار"والمصالح المرسلة، والاجتهاد، ومقاصد الشريعة، ومواكبة العصر، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.. الخ، انتهاءًا بالمثل العامي المصري"اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"!، وكما هو واضح أن هذه المقولات غير متكافئة أولًا، فهي تتراوح من حديث نبوي، إلى مبادئ فقهية أصولية، إلى شعارات شبه سياسية، إلى أمثلة عامية، وهذه المقولات ثانيًا تُطلق على مستوى واحد، وكأنه لا يوجد تفاوت في مستوى الحجية أو القوة بينها، والأخطر من هذا وذاك أن هذه المقولات تُستخدم - أو بالأصح يُتشدَّق بها بلا توضيح أو تحديد، وكأنها واضحة بذاتها، وليست في حاجة إلى تفسير، وتبين في إطار معناها وسياقها الشرعي الإسلامي، ومع هذا الاستخدام المتبذل الفج تتحول هذه المقولات أو المصطلحات إلى بذور، تحمل في داخلها فناء الشريعة؛ لكي تنطبق مقولة الماركسية - عن الرأسمالية - على الشريعة الإسلامية، مع فارق مهم وهو أن الماركسيين ينطلقون عن علم لما يريدون هدمه.

ومن النماذج الواضحة لهذا المدخل في ضرب الشريعة في جذورها ما حدث لمفهوم الاجتهاد مثلًا، فبدلًا من أن يكون وسيلة عقلية لبسط نطاق مبادئ وأصول الشريعة على شتى أحداث ووقائع الحياة، وبدلًا من أن يكون أداة لتغطية أحداث الحياة وهدايتها بالشريعة - يتحول هذا المفهوم أو تلك الأداة أو ذلك النشاط - عند اللادينيين - إلى معول لهدم الشريعة ذاتها، وتسويغ التحلل من أحكامها وحدودها، تحت مسمى أن الاجتهاد يجب أن يسير مع العصر، ويواكب تطورات الحياة، ويدفع بالمجتمعات إلى سبل التقدم والاستنارة.. الخ، ونجد أن الاجتهاد عند هؤلاء يسير - فقط - في اتجاه واحد، ولا يتسع لغيره، كما قد يفهم من المصطلح نفسه الذي يسمح بتعدد الاجتهادات، وهذا الطريق الواحد الذي لا يسير الاجتهاد إلا فيه عند هؤلاء اللادينيين (مع التأكيد على أنهم ليسوا بالتأكيد مؤهلين لممارسة الاجتهاد بالمعنى الشرعي الدقيق، ولا حتى بأي معنى آخر) هو طريق تقريب الإسلام في عقائده وشريعته من كل فكر لا ديني غربي، فإذا كانوا - مثلًا - يتحدثون عن تغيير وتعديل الأحكام الشرعية التي تنظم وتوجه حياة الأسرة نجد أن دعوة الاجتهاد عندهم لا تعني سوى شيء واحد فقط، وهو التجرؤ على لَيّ أعناق هذه الأحكام؛ حتى تتسق وتتمشى مع المفاهيم اللادينية الغربية الحديثة والمعاصرة التي تقنن أوضاع الأسرة هناك، والمبررات دائمًا جاهزة، ومكررة (حقوق الإنسان، مقاصد الشريعة العامة، العصر، المساواة الحرية،.. الخ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت