فهرس الكتاب

الصفحة 2769 من 3028

ولقد ساد هذا الاتجاه في بعض الدوائر النخبوية إلى الحد الذي أصبح معه لقب"المجتهد"إن أُطلق على بعض الدارسين أو مَن ينتسبون إلى العلم الديني، والسائرين في ركاب هذا التيار - يعني بالضرورة مَن يتوجه صوب اللادينية والتغريب، ومَن يجترئ على أحكام الإسلام بالتشويه والتحريف ليجعلها تتسق مع تلك التوجهات اللادينية، وبجانب - أو وراء ذلك - تختفي حقيقة أخرى حول ذلك المفهوم المشوه للاجتهاد، ألا وهي وضع ذلك النشاط الفكري (ولا نقول الفقهي) في خدمة نخب حاكمة أو صاحبة نفوذ، بحيث يصبح أداة تبرر لها كل تصرفاتها المضادة للإسلام ولمصالحه في جوهرها كما في شكلها، وتحت ستار هذا"الاجتهاد"جرى تبرير الكثير من السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتطويبها باسم الدين، وما هي في حقيقتها إلا سياسات إلحاق وإخضاع للإسلام بالغرب أو بالمذاهب اللادينية والمتنوعة.

وأدى هذا المسلك - الذي يرفع ستار الاجتهاد، لكنه يمارس نشاطًا منحرفًا فجًا غير علمي ولا منضبط، متوجهًا نحو التشويه وتبرير اللادينية والتغريب - إلى بث روح واسعة من التشكك والريبة في هذه العملية الفقهية الإسلامية الجليلة، بحيث أصبح مجرد رفع هذا الشعار - من جانب المريبين في التيارات اللادينية - يثير الريبة تلقائيًا في نفوس الجماهير، ويكاد ينفرها من الاجتهاد إذا كان هذا هو معناه أو هدفه، وينطبق نفس الشيء على سائر الشعارات التي أشرنا إليها في البداية، فمقولة"أنتم أعلم بشؤون دنياكم"- والتي يُفهم منها أنها تنطبق على الأمور الفنية أو التقنية عمومًا، وما قد يحتك بها ويحفها ويلحق بها من أحكام فرعية - أصبحت الآن تُستخدم بنفس الطريقة الفجة المتساهلة، أو بالأصح المشوهة لتعني كف يد الشريعة عن كل شؤون الحياة المعاصرة، سواء التقنية أو الاجتماعية أو السياسية، بحجة أننا أدرى بشؤون دنيانا من الشريعة، ومن ثم فلا بد أن ننفرد بالتشريع لها وضعيًا، غير مقيدين في هذا بشيء إلا بمقاصد الشريعة، ومقاصد الشريعة - عند اللادينيين الجدد - هي الأخرى مقولة ضحية، بمعنى أنهم يغيرونها على هواهم، فهذه المقاصد - كما نفهم من مقالات وكتابات شتى - تعني الحرية والعدالة والمساواة (مبادئ الثورة الفرنسية تقريبًا) وحقوق الإنسان (مبادئ الأمم المتحدة) والسعادة الدنيوية للجميع والرفاهية (الحلم الأمريكي) وتحقيق المصالح الاجتماعية والفردية (البراغماتية) والإخاء الإنساني والسلم العالمي (الماسونية) ، ومقاصد الشريعة هذه - عند اللادينيين - هي أمور عامة ومطلقة ومجردة إلى حد الإبهام أو فقدان المعنى، فهي ليست - حتى - مرتبطة بالمجتمع الإسلامي أو ليست محددة أو موضحة بأي من أحكام الشريعة الأخرى، ويمكن القول على ضوء هذا الفهم البالغ التجريد لمفهوم مقاصد الشريعة (على فرض صحته وهو ليس كذلك) إن الكيان اليهودي أو أمريكا أو روسيا أو الهند - تعمل كلها على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأن أنظمة ودساتير وقوانين وسياسات تلك البلدان لا تقول - مثلًا - إنها تعمل على بث الشر والظلم والعدوان، بل تدَّعي أنها تعمل على تحقيق الخير والعدالة للجميع، حتى وهم يغتصبون حقوق المسلمين الذين لا يبدو أنهم من البشر؛ حتى تنطبق عليهم مقولة حقوق الإنسان كمقصد من مقاصد الشريعة!.

وهكذا تتكامل الصورة شيئًا فشيئًا، فالاجتهاد هو أداة لحسر وقبض سلطان ونطاق الشريعة على حياة المجتمع المسلم، بل هو أداة لتطويع ولَيّ عنق الشريعة الإسلامية؛ لتصبح متمشية مع النظم والأفكار والممارسات اللادينية السائدة في الغرب وفي العالم كله، تحت ستار العولمة أو النظام العالمي الجديد، والشريعة الإسلامية مغلولة يدها عن نشاطات وحياة المجتمع المسلم، تحت مقولة أننا أعلم بشئون دنيانا كلها، وأننا بذلك أحق بالتشريع الوضعي لها بمعزل عن الشريعة، وبالذات عن الفقه الإسلامي، فنحن رجال وهم رجال، مع فارق أننا أدري بشؤون دنيانا، وهذا التشريع الوضعي الذي يجب على المجتمعات الإسلامية أن تحله محل حكم الشريعة والفقه المهدد؛ لأنها أعلم بشئون دنياها الجديدة والمتغيرة لا يهتدي بتفاصيل الأحكام الشرعية المدونة في التراث الفقهي، ولا حتى بأصول الفقه، كما وضعها أئمة الفقهاء (فهم رجال ونحن رجال!) ، بل يهتدي - فقط - ويتبع مقاصد الشريعة الإسلامية - التي هي (ويا للمصادفة الطيبة!) نفس مبادئ الفكر اللاديني وأصوله الكبرى، كما تطورت منذ القرن الثامن عشر في أوروبا الغربية على يد ما عُرف بحركة التنوير، وقبلها في القرن السابع عشر على يد ما عُرف باسم الفكر العقلاني، وهذا تكتمل الحلقات حول الشريعة الممهدة لهدمها، ولكن القصة لا تنتهي بهذه السهولة!.

فوسط كم المقولات المحرفة والمكدسة - التي أشرنا إليها في البداية ووسط الاستعمال الفج والصارخ في تحريفه وابتذاله لها - بدأت تدخل على صورة هدْم الشريعة على أيدي اللادينيين مجموعة من الخطوط التي نكتفي بالإشارة إليها في عجالة كرؤوس مواضيع - أو بالأصح - كمعاول، يُستخدم كل منها وسيلة في تحقيق الهدم، هناك أولًا إدخال المفاهيم الحديثة (وموضع الجدل الحاد، وهذا ما لا يقال) في علم التأويل أو التفسير الغربي ودراساته؛ كي تطبق على المفاهيم الإسلامية، وهذه المفاهيم التأويلية الغربية اللادينية أو الكنسية تُعلي من شأن النسبية والتاريخية والجزئية والتغير، وتجعلهم الحاكمين على كل ما يتعلق بفهم وتفسير النصوص، وبهذا بدأ الحديث عن نسبية وتاريخية و"غرضية"الفقه الإسلامي، وكيف أنه محكوم بعصر أو عصور وأمكنة وأغراض معينة فات أوانها بالطبع وصلت محلها عصور وأمكنة وأغراض أخرى مفتوحة تتطلب فهمًا آخر للفقه الذي هو يختلف عن الشريعة!، أما الشريعة فأدخل عليها ثانيًا العلم الغربي الحديث المسمى بعلم دراسة النصوص، وهو الآخر يحتفي بالنسبية والتغير في الفهم والتفسير ومنها التاريخية والجزئية، وفي هذا الإطار تحولت إلى كم من المواصفات البشرية بمقولة إن الإلهي لا يمكن أن يُفهم أو يفسر أو يتحقق إلا من خلال وضع بشري، سواء في ناحية اللغة أو الفكر، وهكذا سقطت الشريعة بعد الفقه في أسْر ما هو نسبي تاريخي بشري (نحن رجال وهم رجال!) جزئي متغير، وتضاف محصلة الخلخلة التي تسببها هذه المفاهيم البحثية الغربية اللادينية بدخولها على المفاهيم الإسلامية - إلى ما تُحدِثه المقولات المحرفة لا دينيًا؛ لكي تنتج وضعًا تتزعزع فيه أركان فكرة الشريعة ذاتها، وتنحل لتصبح في المحصلة النهائية مجرد تقنين أو تشريع وضعي بحت لا علاقة له بالشريعة إلا بمقولة باهتة هي"مقاصد الشريعة"، والتي - كما رأينا - لم تنجُ في معاول التحريف اللاديني؛ لتتحول هي الأخرى إلى مجرد نسخة من المبادئ اللادينية الغربية الكبرى، وهكذا تنهار الشريعة أو تذوب وتضمحل؛ لتخرج في جسد لا ديني وضعي متغرب قح، لا يربطه بالشريعة السابقة سوى بعض المقولات أو القشور التي تحمل طابعًا إسلاميًا الاجتهاد، التفسير، التأويل، المصلحة.. الخ بينما هي - في الواقع - ليست سوى مقولات وشعارات جرت علمنتها بالكامل وتغريبها، وهذه هي الخطة اللادينية الكبرى لتفجير الشريعة بقنابل تحمل طابع"صُنع في الإسلام".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت