فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 3028

وفي وقت كان فيه (صدام حسين) أحد «عمال» الروم في بلاد العرب، أغرت أمريكا (صدام) بالتحرش بإيران، فاستغل (صدام) بعض النزاعات الحدودية، وهاجم غرب إيران في 22 سبتمبر 1980م؛ لتبدأ بعدها حرب طويلة بين العراق وإيران، كانت صورة مصغرة من الحروب القديمة بين الفرس والروم، حيث وقف الروم بكل ثِقَلِهم وراء العرب، أو بالأحرى وراء الضغط على العرب؛ لكي يحرز الروم الجدد انتصارًا ضد الفرس الجدد، بدماء وأرواح العرب والمسلمين وفي أكثر بلدانهم ثراء ورخاء. واستمرت الحرب في شدّتها وحدتها مدة ثمانية أعوام؛ لتكون أطول حروب القرن العشرين.

وبما أن العرب والفرس معًا كانوا ولا يزالون من ألد أعداء الروم على التاريخ، فقد حرصت الولايات المتحدة على ألا تسفر هذه الحرب عن انتصار أحد من الطرفين؛ بل كانت سياستها المعلنة أن يُهلك كل من الطرفين الآخر، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي اليهودي الأسبق (هنري كيسنجر) عندما قال: «استراتيجيتنا في هذه الحرب، ألا تنتصر إيران، وألا يهزم العراق» . وظل الأمريكيون يؤججون نيران هذه الحرب بأشلاء ودماء الضحايا من الطرفين، حتى زاد عدد قتلاها عن مليون قتيل، والسلاح الذي كان يتقاتل به الطرفان كان يأتيهما من أعداء الأمس، روسيا وأمريكا، فأمريكا كانت تدعم العراق بسلاحها، وروسيا كانت تدعم إيران. بل كانت الولايات المتحدة تمد الطرفين معًا بالسلاح، في فضيحة اشتهرت بفضيحة «إيران كونترا» .

وقد تسببت تلك الحرب في تعطيل المد الثوري الإيراني، وتفنن (صدام حسين) في كسر كبرياء الشيعة الفرس، وهو ما أمد شياطين الفُرقة بطاقة رهيبة من البغضاء والحقد، صبوها مباشرة في أفئدة الشيعة في العالم على كل ما يمت إلى العرب السُّنة بصلة؛ مع أن السنة والعروبة بريئان من تلك العنجهية الجاهلية التي قاتلت باسم القومية العربية ضد القومية الفارسية لحساب الروم.

وانتهت حرب الخليج الأولى بلا غالب ولا مغلوب كما أحب الأمريكان، وتجرع (الخميني) مرارة الهزيمة التي عبر عنها أثناء توقيع الهدنة بأنها: أسوأ من كأس السم؛ ليضاف ثأر آخر من ثارات الشيعة أو «ثارات الحسين» التي ظلت تنتظر ظرفًا مناسبًا تنفّس فيه عن نفسها.

وقد خرج (صدام حسين) من هذه الحرب أقوى مما كان قبلها، برغم عدم إحرازه نصرًا حاسمًا على إيران، ولم تكن هذه القوة العراقية الجديدة داخلة في حسابات الأمريكان، فأغروا (صدام) بمغامرة أخطر من مغامرته ضد إيران، بأن أعطوه ضوءًا أخضر لاحتلال إحدى أكثر الدول دعمًا له أثناء حربه مع إيران وهي الكويت، وعندما ألمح الرئيس العراقي (صدام حسين) للسفيرة الأميركية في بغداد (أبريل جلاسبي) بأنه: قد يقوم بعمل ضد الكويت لاعتدائها على نفط العراق، ألمحت تلك السفيرة له بأن: هذا شأن عربي داخلي، لا شأن لأمريكا به!! والتقم (صدام) الطعم طائعًا، وسارع إلى تحريك قواته لغزو الكويت، فدخل عاصمتها في شهر أغسطس 1990م. ووفر بذلك فرصة نادرة للولايات المتحدة؛ لتحشد حلفاءها من الروم، والعرب، والعجم؛ كي تقضي على قوة (صدام) التي أنفقت لبنائها مئات المليارات من ثروات العرب والمسلمين.

وكان طبيعيًا أن تفرح إيران بتلك الحرب، وتستغل أجواءها وأصداءها.

وقد حاول (صدام حسين) أن يحسِّن من علاقته مع إيران، فأمر بالإفراج عن آلاف الأسرى، ثم أرسل عددًا من الطائرات الحربية المقاتلة لتأمينها في إيران من القصف الأمريكي، غير أن إيران صادرتها ولم تُعِدْها للعراق.

وبعد حرب الخليج الثانية، وإخراج (صدام) من الكويت، بدأت الولايات المتحدة مرحلة من التحرش بالبلدين معًا، وبدأت استراتيجية احتواء مزدوج لهما، ففرضت على العراق حظرًا جويًا، وبحريًا، وتجاريًا، استمر حتى حرب الخليج الثالثة عام 2003م. وتسبب الحصار في إعادة العراق إلى حالة من الفقر والتخلف لم تمر عليها قط، وتسبب ـ أيضًا ـ في قتل الآلاف المؤلفة من العراقيين لعدم توافر الدواء، وكان منهم نحو نصف مليون طفل عراقي.

وفرضت أمريكا أيضًا حظرًا على جميع أنواع التجارة مع إيران في 6 مايو 1995م، وبعد ذلك بعام أصدرت قانونًا يعاقب أي شركة في العالم تستثمر في إيران، وبدأت أمريكا في الوقت نفسه تدعم توجهًا بدا مسالمًا للغرب داخل إيران، وهو التيار الإصلاحي الذي جاء بـ (محمد خاتمي) إلى السلطة في 23 مايو 1997م. وقد وقعت إيران بعد مجيئه في حالة استقطاب بين: من يرغبون في التهدئة مع الغرب وهم الإصلاحيون، ومن يرغبون في التشدد معه، لكن أجواء الأحداث العالمية غلبت صوت المتشددين، خاصة بعد أن وضعت الولايات المتحدة الأمريكية إيران كضلع ثانٍ في محور الشرِّ الثلاثي: العراق، وإيران، وكوريا الشمالية، وهو محور يرمز إلى عداوة الفرس، والعرب، والصينيين، أشد الأعداء مع الأمريكان من النواحي الدينية والعنصرية، وبدا أن الولايات المتحدة التي قضت على الضلع الأول من المحور وهو العراق من خلال حربي الخليج الثانية والثالثة، تريد أن تهيئ لحرب خليج رابعة، تقضي فيها على الضلع الثاني من محور الشر كما أسمته.

وقد أفرز هذا الجو المشحون، مجيء قيادة إيرانية ثورية، أعادت الصراع بين إيران والغرب بقيادة أمريكا إلى المربع الأول... ليبدأ الفصل الأكثر إثارة وجسارة، وربما خسارة بين الفرس والروم المعاصرين، غير بعيد عن أرض العرب، وثروات العرب، وشعوب العرب.

فما هي الاحتمالات؟ وما هي الاستعدادات؟ وما هي التداعيات؟

هذا ما سوف نتناوله في عدد قادم بإذن الله.

[1] أعده للنشر في الفوائد / محمد جلال القصاص

إننا - نحن المسلمين - نعيش في العصور الأخيرة، وبخاصة في هذا العصر عيشة تخالف ما أراد الله لنا شرعا، بسبب مخالفتنا لإرادته الشرعية التي وضحها فيما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بلغنا بذلك في رسالته البلاغ المبين الذي لم تبق لنا على الله وعلى رسوله حجة، بين لنا ذلك في أصول الإيمان وفروعه، وفي أصول الإسلام وفروعه.

ومن ذلك وجوب قيامنا أو قيام طائفة منا بفروض الكفاية، بحيث، تأثم الأمة كلها إذا فقد أي فرض من تلك الفروض الكفائية، التي تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم المستقرة المستقلة استقلالا يغنيهم عن هيمنة أعدائهم عليهم، من زراعة وصناعة وحياكة وخبازة وتجارة وبناية ونقد وتعليم وإعلام وصرافة وغيرها.

ومعلوم أن فرض الكفاية - كما يعرف من تسميته - لا يقصد منه تكليف كل فرد من أفراد المسلمين القيام به، لأن المقصود وجود الفرض وجودا يكفي المسلمين كفاية تسد حاجتهم وتحميهم من مشقة فقده وترفع عنهم الحرج والإثم، فإذا ما قام به فرد منهم أو جماعة قياما كافيا نال أجره من قام به وسلم غيره من الإثم، فإن لم يقم به أحد قياما كافيا أثمت الأمة كلها، ولا يرتفع عنها الإثم حتى توجِد من يقوم به، ويكون فرض واجبا - كما ذكر العلماء - على فريقين:

الفريق الأول: القادرون على إيجاد من يقوم بهذا الفرض، سواء كانت قدرتهم متعلقة بتكليف من يقوم به وتسهيل أمره في ذلك كالحكام، أو متعلقة بإعانته على القيام به بمال أو غيره من الوسائل، كالحكام وذوي اليسار من الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت