فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 3028

الفريق الثاني: من عندهم الكفاءة التي تمكنهم من القيام بهذا الفرض كعلماء الشريعة الذين يقومون بما يحتاج إليه الناس من دين الله في أي مجال من المجالات، كالأئمة والمفتين والقضاة والمعلمين، وكعلماء الزراعة والمزارعين الذي يكفون الأمة في الحرث والزراعة والحصاد والتخزين، وكعلماء الفروسية وذوي التخصصات الجهادية في كل مجال من مجالاتها، من التصنيع إلى الصيانة والإمداد ونحوهما.

قال إمام الحرمين عبد الملك الجويني رحمه الله:"ثم الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات، أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى من فنون القربات، من فرائض الأعيان، فان ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بارتسام، اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب."

ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات، لعم المأثم على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، والقائم به كافٍ نفسَه وكافةَ المخاطبين الحرجَ والعقابَ، وآمِلٌ أفضلَ الثواب، ولا يهون قدرُ من يَحُلُّ محلَّ المسلمين أجمعين في القيام بمهم من مهمات الدين" [[الغياثي، فقرة رقم (509) الطبعة الثانية 1401ه، تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب] "

وفي القرآن الكريم إشارات إلى ما أنعم الله به على عباده مما يحتاجونه في حياتهم، وأذكر على سبل المثال بعض تلك الإشارات:

و في أنبياء الله لنا قدوة

ألا ترى أن الله سبحانه أمر نبيه نوحًا عليه السلام أن يصنع لنفسه ولأتباعه ممن آمن به سفينة تكون سببًا ماديًا في نجاتهم من الغرق ؟، مع أن الله تعالى كان قادرًا على أن ينجيه وقومه بدونها، وما قيمة سفينة أمام قدرة الله؟ لولا أن الله تعالى أراد أن يعمل عبده ورسوله نوح عليه السلام السبب الذي هو مقصود له من عباده، وإن كانت الأسباب ومسبباتها لا تحصل إلا بقدرته..

(( قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ(26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29 ) ). [المؤمنون: 26ـ29] .

تأمل قوله تعالى: (( فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) )حيث أمر الله نوحا ومن اتبعه أن يحمدوا الله على تنجيتة هو لهم وليست السفينة لذاتها، فالله يأمر بالسبب ويعين من أطاعه على فعله، ويرتب عليه وجود المسبب بمشيئته تعالى.

ولهذا عندما شرع الله لعباه الإقرار بعبادته وحده التي هي سبب في رضاه عنهم وفي إدخالهم دار نعيمه، أرشدهم إلى الاستعانة به، كما قال تعالى في سورة الفاتحة آية (5) التي يرددها المسلمون آلاف المرات في حياتهم: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) )

وعلَّم الله سبحانه نبيه داود صناعة الألبسة والدروع، التي تتقى بها أسلحة الأعداء وامتن على عباده بذلك لما فيه من حماية أنفسهم به وحثهم على شكره إذ علمهم ذلك عن طريق أحد أنبيائه ورسله، وهو داود عليه السلام، قال تعالى: (( وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون ) ). [الأنبياء:80] .

قال القرطبي رحمه الله:"هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ونسب مَن ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة، وقد أخبر الله عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضًا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثًا ونوح نجارًا ولقمان خياطًا )) . [الجامع لأحكام القرآن (11/321) ] ."

وإذا كان الله سبحانه قد أمر بعض أنبيائه باتخاذ الأسباب التي هم في حاجة إليها في حياتهم، وأمد بعض أنبيائه بأسباب مادية بلا صنع منهم، كما جعل الريح والحيوان والجن طوع أمر سليمان عليه السلام - مثلًا - فإن الأمة التي تحتاج إلى ما تقوم به حياتها وهي قادرة على إيجاده، يجب عليها ان تتخذ الأسباب التي تحقق لها تحتاج إليه ولا يجوز لها القعود عن اتخاذ تلك الأسباب، وبخاصة الأسباب التي يكون في فقدها ضعفها الذي يُطمِع فيها عدوها بالعدوان عليها.

ولقد هيأ الله تعالى للأمم في كل زمان وبخاصة في هذا العصر ما أدهش العقول، من الأسباب المادية التي يكتسب بها الرزقَ و القوة مَن تعاطاها في مأكله ومشربه ومسكنه وتجارته وصناعته التي تغنيه عن الخضوع لعدوه في سلمه وحربه، وهذه الأسباب مسخرة لكل عامل، مسلما كان أم كافرا.

وطبيعي أن يسعى كل فرد أو أسرة أو جماعة أو دولة إلى إيجاد ما يحتاجون إليه باتخاذ الأسباب الموصلة إليه، فإذا توانوا عن اتخاذ تلك الأسباب وقعدوا عنها، فقد انحطوا عن درجة الإنسانية إلى أقل من درجات الحيوانات التي هداها الله بفطرتها وغريزتها التي هيأها بها إلى اتخاذ الأسباب الجالبة لما يطعمها ويسقيها كما هو مشاهد من سائرها، سواء كانت من ذوات الأجنحة أو ذوات الأربع أو الزاحفة على بطونها أو السابحة في بحارها أو غيرها.

ففي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا) [سنن الترمذي (4/573) وقال:"هذا حديث حسن صحيح"و الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/354) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"] فالطير لا تشبع بطونها إلا يغدوها ورواحها، لا ببقائها في أعشاشها وأماكن نومها وراحتها.

وقد امتن الله تعالى في كتابه على العقلاء من خلقه بما سخره لهم في سماواته وأرضه مما لو تعاطوا الأسباب المؤدية إلى الاستفادة منه وبخاصة المسلمين منهم، لفازوا فوزا يكتسبون به عزتهم وقوة ريحهم، فلا يذلهم مَن اتخذ الأسباب التي تطوع له ذلك التسخير من أعدائهم وتجعله يذل بها المسلمين الذين هم أجدر بتعاطي ما يمكنهم من السيادة في الأرض، وفي آيات القرآن الكريم الكثيرة ما يحض كل ذي عقل إلى استغلال ذلك التسخير الإلهي العظيم:

مثل قوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ...) [الحج (65) ]

وأرشد تعالى المؤمنين خاصة إلى الجمع بين اتخاذ أسباب الرزق و اتخاذ أسباب رضاه بأداء عبادته ورتب على فعلهم كلا الأمرين فلاحَهم، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(9) فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [الجمعة (10) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت