وفي فرنسا كان هناك عدد من المستشرقين يعملون مستشارين لوزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا. وعلى سبيل المثال كان المستشرق الكبير ( دي ساسي ) اعتبارًا من 1805م يشغل منصب المستشرق المقيم في وزارة الخارجية الفرنسية. وعندما غزا الفرنسيون الجزائر عام 1830م كان ( دي ساسي ) هو الذي ترجم البيان الموجه للجزائرين، وكان يستشار بانتظام في جميع المسائل المتعلقة بالشرق من قبل وزير الخارجية، وفي حالات معينة من قبل وزير الحربية أيضًا. وإلى عهد قريب كان ( ماسينيون ) مستشارًا للإدارة الاستعمارية الفرنسية في الشؤون الإسلامية (53) .
ويكشف المستشرق الفرنسي ( هانوتو ) [ ت 1944م] ـ في مقال له بعنوان: ( قد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية ) ـ يكشف بوضوح عن مقترحاته لتوجيه سياسة فرنسا في مستعمراتها الأفريقية الإسلامية، وما تهدف إليه هذه المقترحات من إضعاف المسلمين في عقيدتهم حتى يسهل قيادهم (54) .
أما المصلحة البريطانية في العالم الإسلامي، فقد كان الدافع إليها بطبيعة الحال هو ممارسة السيادة البريطانية في الهند وغيرها من البلاد الإسلامية التي استولت عليها.وقد كان (اللورد كير زن Cuzok ) في أوائل القرن الحالي من أشد المتحمسين في إنجلترا لفترة إنشاء مدرسة للدراسات الشرقية باعتبار أنها تعد ( جزءًا ضروريًا من تأثيث الإمبراطورية ) ، وتساعد على الاحتفاظ بالموقع الذي نالته بريطانيا في الشرق. وقد تحولت المدرسة المذكورة فيما بعد إلى مدرسة جامعة لندن للدراسات الشرقية والإفريقية .
وقد كانت الحكومة البريطانيةـ من أجل تحقيق أهدافها الاستعمارية ـ ترسم سياستها في مستعمراتها في الشرق بعد التنسيق والتشاور مع فريق من المستشرقين الذين يقدمون لها الدراسات المطلوبة . يقول الدكتور إبراهيم اللبان رحمه الله:
(.. والوقع أن رجال السياسة في الغرب على صلة وثيقة بأساتذة هذه الكليات( كليات اللغات الشرقية في أوروبا ) وإلى آرائهم يرجعون قبل أن يتخذوا القرارات الهامة في الشؤون السياسية الخاصة بالأمم العربية والإسلامية. وقد سمعت أحد كبار المستشرقين يتحدث أمامي فيذكر أن مستر ( إيدن ) كان قبل أن يضع قرارًا سياسيًا في شؤون الشرق الأوسط يجمع المستشرقين المستعربين، ويستمع إلى آرائهم ، ثم يقرر ما يقرر في ضوء ما يسمعه منهم، هذا إلى أن بعضهم كان يؤسس صلات صداقة بالبارزين من رجال الأمة العربية ويتخذ من هذه الصلات ستارًا يقوم من ورائه بأعمال التجسس في أثناء الحرب ) (57) .
والاستعمار في حقيقة أمره هو امتداد للحروب الصليبية التي كانت في ظاهرها حروبًا دينية، وفي باطنها حروبًا استعمارية. وقد كانت العودة إلى احتلال بلاد العرب وبلاد الإسلام حلمًا ظل يراود الغربيين منذ هزيمة الصليبيين (فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شؤونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ليتعرفوا على مواطن القوة فيها فيضعفوها وإلى موطن الضعف فيغتنموه) (58) .
ولم تكن علاقة الاستشراق بالاستعمار ـ كما يظن ـ هي مجرد إضفاء طابع التبرير العقلي على المبدأ الاستعماري ، بل كان الأمر ـ كما يقوله إدوارد سعيد أيضًا ـ أبعد من ذلك وأعمق، فالتبرير الاستشراقي للسيادة الاستعمارية قد تم قبل حدوث السيطرة الاستعمارية على الشرق، وليس بعد حدوثها . فقد كان التراث الاستشراقي بمثابة دليل للاستعمار في شعاب الشرق وأوديته من أجل فرض السيطرة على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها.
(فالمعرفة بالأجناس المحكومة أو الشرقيين هي التي تجعل حكمهم سهلًا ومجديًا. فالمعرفة تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيدًا من المعرفة ) فهناك باستمرار حركة جدلية بين المعلومات والسيطرة المتنامية (59) .
وهكذا اتجه الاستشراق المتعاون مع الاستعمار ـ بعد الاستيلاء العسكري والسياسي على بلاد المسلمين ـ إلى إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وتراثهم، حتى يتم للاستعمار في النهاية إخضاعًا تامًا للحضارة والثقافة الغربية .
لقد اتضح لنا مما تقدم أنه قد كانت هناك أسباب معينة على مر العصور دفعت بالباحثين الغربيين النصارى إلى الاستشراق، وحملتهم على تحقيق أهداف معينة رسموها لأنفسهم سواء أكانت هذه الأهداف أهدافًا علمية أم غير علمية. وهنا يمكن لسائل أن يسأل:
ما هي الأسباب التي دفعت بعض اليهود إلى الإقبال على الاستشراق .. وما الدور الذي قاموا به في إطار الحركة الاستشراقية ؟ .
والإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، فمن الصعب الحصول على إجابة صريحة في هذا الصدد، وذلك لأن المراجع التي تتحدث عن الاستشراق وتطوره قد أغفلت الحديث عن هذا الجانب. ونعتقد أن سبب إغفال الحديث عن هذا الموضوع يرجع إلى أن المستشرقين اليهود قد استطاعوا أن يكيفوا أنفسهم ليصبحوا عنصرًا أساسيًا في إطار الحركة الاستشراقية الأوروبية النصرانية. فقد دخلوا الميدان بوصفهم الأوروبي لا بوصفهم اليهودي . وقد استطاع ( جولد تسيهر) في عصره ـ وهو يهودي مجري ـ أن يصبح زعيم علماء الإسلاميات في أوروبا بلا منازع، ولا تزال كتبه حتى اليوم تحظى بالتقدير العظيم والاحترام الفائق من كل فئات المستشرقين .
وهكذا لم يرد اليهود أن يعملوا داخل الحركة الاستشراقية بوصفهم مستشرقين يهود حتى لا يعزلوا أنفسهم وبالتالي يقل تأثيرهم. ولهذا عملوا بوصفهم مستشرقين أوروبيين، وبذلك كسبوا مرتين: كسبوا أولًا فرض أنفسهم على الحركة الاستشراقية كلها، وكسبوا ثانيًا تحقيق أهدافهم في النيل من الإسلام، وهي أهداف تلتقي مع أهداف غالبية المستشرقين النصارى.
ويشير الأستاذ الدكتور محمد البهي رحمه الله في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث) إلى ملاحظة لبعض الباحثين حول تفسير إقبال اليهود على الاستشراق . وتتلخص هذه الملاحظة في أنهم أقبلوا على الاستشراق لأسباب دينية وسياسية. أما الأسباب الدينية فإنها تتمثل في محاولة إضعاف الإسلام والتشكيك في قيمه بإثبات فضل اليهودية عليه، وذلك بإدعاء أن اليهودية في نظرهم هي مصدر الإسلام الأول. أما الأسباب السياسية فإنها تتصل بخدمة الصهيونية فكرة أولًا ثم دولة ثانيًا .
ويرى الدكتور البهي أن وجهة النظر هذه على الرغم من أنها لا تعتمد على مصدر مكتوب يؤيدها، فإن الظروف العامة والظاهرة المترادفة في كتابات هؤلاء المستشرقين تعزز وجهة النظر هذه وتضفي عليها بعض خصائص الاستنتاج العلمي (58) .
ونحن في الواقع لسنا في حاجة إلى دليل لإثبات كراهية اليهود للإسلام ، وذلك لأن هذه الكراهية قد ظهرت واضحة كالشمس منذ ظهور الإسلام . وقد أكد القرآن ذلك في قوله تعالى:
(لتجدنَّ أَشدَّ الناسِ عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ..) (المائدة: 82) .
وقد ظل اليهود طوال تاريخهم يتحينون كل فرصة متاحة ليكيدوا للإسلام والمسلمين. وقد وجدوا في مجال الاستشراق بابًا ينفثون منه سمومهم ضد الإسلام والمسلمين، فدخلوا هذا المجال مستخفين تحت رداء العلم، كما وجدوا في الصهيونية بابًا آخر يفرضون منه سيطرتهم على العرب والمسلمين.