إعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
الشيخ د/ سعد بن عبد الله البريك
روى الإمام أحمد من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".
بهذه الكلمات البليغة الجامعة بشَّر نبي الهدى صلى الله عليه وسلم المسلمين بخلود الإسلام وبقائه ، رغم ما سيتعرض له من مؤامرات وكيد ومكر يصفه قوله تعالى { ومكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } .
وصدق رسول الهدى صلى الله عليه وسلم . فما أن زرَع زرْعَ هذه الشريعة الخالدة وغرَس غرْس هذه العقيدة في نفوس أصحابه حتى قامت الجاهلية كلها في وجه دعوته تريد أن تطفئ نورها وتئدها في مهدها ، ولكن أنى لها ذلك ، فقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها ونصرها ، وحال الساعي في تدميرها كحال من أراد أن يطفئ نور الشمس وكحال الطحالب الصغيرة التي تعوم على وجه الماء محاولة أن توقف سفينة هائلة تمخر عباب البحر .
نقول هذا ،، وأمة الإسلام اليوم مهددة بعقيدتها ووجودها وكرامتها في مشارق الأرض ومغاربها أكثر من أي وقت مضى . فالهجمة الإستعمارية الشرسة أقوى بأضعاف كثيرة من الهجمات السابقة فقد كانت تلك الهجمات تنحصر في إقليم من الأقاليم أو بلد من البلدان، أما اليوم فالحملة الصليبية الصهيونية تستهدف المسلمين في كل مكان ، والصحوة الإسلامية قد أقلقت الأعداء وانتشار نور الإسلام في الشرق والغرب أقضَّ مضاجعهم .
وهذا كان حال أسلافهم من قبلهم ، فقد جنَّ جنون قريش من دعوة الحق وأظهرت سخطها وحقدها عليها وصبت العذاب على المؤمنين صبًا، ورمتها بكل قوس في جعبتها ، وألقت الشبهات والافتراءات حول الدعوة وحول صاحبها صلى الله عليه وسلم ، واستعملت حرب الدعاية والإعلام والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية والتعذيب البدني، ووصل بهم الأمر إلى أن قرروا قتل النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء على الإسلام .
فاجتمع طواغيت قريش في دار الندوة بمكة لاتخاذ قرار حاسم بشأن النبي صلى الله عليه وسلم فرأى بعضهم أن توضع القيود في يده ويشد وثاقه ويرمى به في السجن ويمنع عنه الطعام حتى يموت ، ورأى آخر أن ينفى من مكة فلا يدخلها وتنفض قريش يدها من أمره ثم استقر الرأي على اقتراح قدَّمه أبو جهل حيث أشار عليهم أن تأخذ قريش من كل بطن منها شابًا نسيبًا وسطًا فتيًا وبيده سيف صارم فيضربون النبي صلى الله عليه وسلم ضربة رجل واحد ويتفرق دمه بين القبائل ولا تقوى بنو هاشم على حربه ولم تبق إلا الدية فيدفعوها إليها.واتفقوا على هذا فأنزل الله تعالى { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } فرد تعالى كيدهم وأنجى نبيه من بينهم .
وفي المدينة ذهب صلى الله عليه وسلم إلى اليهود ومعه بعض الصحابة ليأخذ منهم دية رجلين قتلا خطأً فقالوا: نعم، اجلس هنا، وانتظر حتى نجمع لك المبلغ، فجلس صلى الله عليه وسلم تحت جدار هناك ، فقال اليهود: هذه فرصة لو يصعد أحدكم بحجر فيلقيه على رأسه فيقتله ونتخلص منه، فجاء جبريل بالخبر عاجلًا فقام النبي صلى الله عليه وسلم من مكانه ورجع إلى المدينة وحاصر بني النضير ست ليالٍ فنزلوا على الصلح على أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها.
وقبل ذلك كانوا قد وضعوا السم في شاة وأهدوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنطقها الله تعالى وكف صلى الله عليه وسلم يده عنها . روى البخاري عن أنس رضي الله عنهمرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم:"هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم، فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ فقالوا: نعم، فقال: ما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا أن نستريح منك، وإن كنت نبينًا لم يضرك".
ثم اجتمع مشركو العرب بكيد وتخطيط من اليهود في غزوة الأحزاب فخرجت قريش في أربعة آلاف ووافتهم بنو سليم وبنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة وغطفان وكان من وافى الخندق عشرة آلاف مقاتل توجهوا نحو المدينة للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه فلما وجدوا الخندق قد حُفر حولها حاصروها أشد الحصار واجتمع على المسلمين مع ذلك شدة الجوع وشدة البرد وشدة الخوف وظهر النفاق واشتد الخطب والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أصحابه بالمبشرات وأيَّد المولى نبيه صلى الله عليه وسلم وأولياءه بالمعجزات والكرامات فكان حذيفة رضي الله عنه يشعر رغم شدة البرد بدفءٍ كدفءِ الحمام ، ثم غدرت يهود بني قريظة ونكثوا عهدهم وكان موقعهم يمنكهم من توجيه ضربة عسكرية للمسلمين من الخلف ، وزلزل المؤمنون زلزالًا شديدًا ، ولكن الله تعالى حافظ دينه ومعلٍ كلمته فأرسل الريح الشديدة التي أكفأت قدور المشركين ونزعت خيامهم حتى أظعنتهم فارتحلوا خزايا نادمين ، فقال صلى الله عليه وسلم حين ارتحلوا:"الآن نغزوهم ولا يغزونا". رواه البخاري .وحفظ الله الدين واستمرت الدعوة وفُتِحت مكة وجاءت قبائل العرب مبايعة مطيعة لله ورسوله وعمَّ الإسلام معظم جزيرة العرب .
ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتدَّ من ارتدَّ من العرب ومنعوا دفع الزكاة ولوَّح بعضهم بعصا الخروج وهددوا المدينة ، ولم يثبت الإسلام إلا في مكة والمدينة والطائف والبحرين ، فقاتلهم الصديق رضي الله عنه واهتزت جزيرة العرب لهذا الحادث الجلل ، وكاد أن ينفرط عقد الإسلام، فثبته الله تعالى بالصديق وانتصر المسلمون وعاد إلى دائرة الإسلام من كان قد خرج منه بفضل الله، ثم بهذه الوقفة الصديقية في وجه تيار الردة، الذي أوشك أن تعم بلواه أطراف الجزيرة .
وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه بويع علي رضي الله عنه بالخلافة ووقعت الحرب بين المسلمين حول مسألة الأخذ بدم عثمان واستحر القتل وعظم الخطب وانشق الصف وشمتت الروم وتربص المنافقون ورأوا أن فرصتهم حانت للإنقضاض على الإسلام من الداخل ، ولكن الله تعالى بعنايته ولطفه رأب الصدع بالحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه ، فتنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه فاجتمعت الكلمة وتوحدت الصفوف ودفنت الأحقاد وأغمدت السيوف وسمي هذا العام عام الجماعة واستأنف الفتح وتوسعت دائرة الإسلام . وما كادت سنوات قليلة تنقضي حتى كان المسلمون قد تدفقوا خارج حدود الجزيرة العربية حاملين رسالة الإسلام إلى العالم ، وأقاموا دولة عظيمة، وعلى حدّ تعبير المؤرخ فيليب حتّي: أعظم من روما في ذروة قوتها ، دولة تمتدّ من خليج بسكاي إلى جزر الهند الغربية وحدود الصين، ومن بحر العرب إلى مساقط المياه لأعالي النيل، وصار اسم الله ينادى به خمس مرات في اليوم من آلاف المساجد المنتشرة في جنوب غربي أوربا وأفريقيا الشمالية وآسيا الغربية والوسطى في مدة لا تتجاوز خمس وعشرين سنة .