فهرس الكتاب

الصفحة 3013 من 3028

"إنه يحدد التصور الإِسلامي الواضح للقيم ، ويرسم الطريق الشعوري للإِحساس بالدنيا والآخرة ، ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة ؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء . ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله والخلوص له وحده دون سواه ."

"هذا من جانب . ومن الجانب الآخر يصور لنا الحادث حقيقة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والذين عاشوا معه واتصلوا به . وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر ، لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإِنسانية . مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها ، ومع كل هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه . فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس ولكنها ارتفعت ، وصفت من الأوشاب . ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة ، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإِنسان" ( ) .

من هذه النماذج المتفرقة التي تجمع بين البطولات النادرة ولحظات الضعف العارض .. تتبين لنا صورة من المجتمع المسلم الذي عاش فيه المسلمون الأوائل ، في ظل إدراكهم الصحيح لمفهوم الإسلام ، وأخذهم الأمور أخذًا جادًا كما ينبغي للمؤمنين بهذا الدين ، الذين يقدرون معنى الإِيمان ، ويقدرون التبعات التي يلقيها على عاتقهم وجودهم الإِنساني الصحيح .

نعم .. ليست المسألة فرائض يفرضها هذا الدين على الناس بلا موجب . إلا رغبة التحكم في العباد !

إنما هو الوجود الإنساني الصحيح .. إذا رغب الإِنسان أن يكون إنسانا حقًا .. لا مجرد كائن يأكل ويشرب ، ويقضي أيامه على هذه الأرض كيفما اتفق ، وكيفما شاءت له نزوة اللحظة التي يعيش فيها .. بلا تقدير لنواميس الكون ، ولا لموضع الإِنسان المتميز في هذا الكون كله .. بوصفه خليفة الله .

وقد كان هذا هو التقدير الصحيح"للإِنسان"في نفوس المسلمين الأوائل الذين عاشوا في ظل الإِسلام . استمدوه من كلام الله وسنة رسوله . وعاشوه في واقع حياتهم . فكان حقًا لهم أن يسودوا الأرض ، وأن يكونوا فيها القوة العليا ، التي تهيمن على البشرية وتقودها في الطريق الصحيح .

فالإسلام في حقيقته هو وضع الإِنسان في وضعه الصحيح . هو تعريف الإِنسان بما يشتمل عليه من طاقات واستعدادت ، ووضع هذه الطاقات والاستعدادات في وضعها الصحيح بعضها من بعض ، ثم إطلاقها للعمل ، في تناسقها وتكاملها ، المتسق مع ناموس الكون ، فتأخذ صورتها الحقيقية: لا قوة أرضية صغيرة محدودة ، ولكن قوة كونية ، متفاعلة مع الكون مهتدية بناموسه الأكبر الذي خلقه الله .

ومن ثم تقع منها تلك المعجزات التي وقعت في هذا المجتمع المسلم ، والتي اقتطفنا منها هذه النماذج المفردة ، والتي سجل لها التاريخ أنها كانت أكبر محاولة جادة لإِقامة الحياة بين الناس في الأرض على أسس من العدالة ، وأكبر محاولة جادة لتنمية الحياة في جميع مرافقها ، المادية والروحية ، الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعملية .. على مستوى"إنساني"نظيف ، لا يقصر الخير على فئة معينة من الناس بدافع من الأنانية البغيضة ، وإنما يبذل الخير للناس كلهم ، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بهذا الدين ، بل حتى أولئك الذين كانوا يحاربونه من الصليبيين !

هذه الصورة العالية من الإيمان .. هذه الصورة العالية من تقويم"الإنسان"ووضعه في الوضع الصحيح بالنسبة"للوجود الإنساني".. هذا الانطلاق العالي بالطاقة البشرية في جميع ميادين العمل والفكر والشعور .. هذه الصورة النظيفة للكيان البشري ، التي لا تخرج به مع ذلك عن بشريته ، وإنما تأخذ منه أفضل ما يعطيه مع المحافظة على كل خصائص الإِنسان .. هذه الصورة العالية كيف انحرفت عن السبيل ؟!

كيف صار المسلمون إلى ما صاروا إليه اليوم من انحراف عن الإسلام ، وكيف انحسر مفهوم الإِسلام في نفوسهم إلى هذه الصورة الهزيلة ، التي صارت - في أحسن حالاتها - مجموعة من الشعائر التعبدية"المخلصة"، وفي معظم حالاتها عبادة لله"بالنية الحسنة !"، وفي أسوأ حالاتها خروجًا صريحًا على الدين ، ونفورًا منه وانسلاخا من كل رابط يربطهم بتعاليمه ؟

لا شك أن انحرافًا عظيما وقع في نفوس المسلمين .

فمجرد المقارنة بين صورة المجتمع المسلم والمجتمع الذي نعيش فيه ، تبين لنا الفرق المذهل بين المجتمعين ، وتكاد تفصل بين المجتمع الذي نعيش فيه وبين الإِسلام ! لولا هذه الصيحات المتكررة في أنحاء العالم الإِسلامي ، الداعية إلى العودة للإِسلام ، ولولا أولئك الأفراد ، المتفرقون في العالم الإِسلامي ، الذين يدركون المفهوم الصحيح للإِسلام ، ويعيشونه في واقع حياتهم - بقدر ما يطيقون في مجتمع غير مسلم - ثم يدعون الناس أن يدركوا هذا المفهوم معهم ، ويعيشوا معهم فيه .

ولا شك كذلك أن عوامل عنيفة جدًا هي التي أثرت على المجتمع المسلم وأثرت على المفهوم الإِسلامي حتى صار إلى ما صار إليه .. فليس من الطبيعي أن تذهب هذه القوة كلها بددا بدون مؤثرات عنيفة ، وليس من الطبيعي أن ينحدر تقدير الإِنسان لنفسه ، ولطاقاته واستعداداته ، فينزل من موقف الرفعة والقوة والاستعلاء إلى موقف الهبوط والضعف والهوان .. إلا أن تكون قد عملت في نفسه عوامل فظيعة مدمرة أفسدت كيانه .

والآن فلننظر كيف بدأ وكيف امتد خط الانحراف .

كيف بدأ خط الانحراف وكيف امتد ؟

هل كان من الممكن أن يحتفظ المجتمع الإِسلامي بصورته الرفيعة العالية إلى فترة طويلة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذهاب التأثير المباشر الذي كان لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم على نفوس الناس ؟

لا نكون واقعيين إذا أجبنا على هذا السؤال بالإيجاب !

ولكنا لا نكون واقعيين كذلك إذا قلنا إن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذهاب تأثير شخصيته المباشر على نفوس الناس ، معناه تحطيم المجتمع الإِسلامي وتدمير قواعده من الأساس .

لا نكون واقعيين .. ولا نكون مؤمنين !

لا نكون واقعيين ، لأننا نبخس الكيانب البشري قدره إذا قررنا أن إيمان الإِنسان بالمثل والمبادئ والقيم شذوذ في حياته ، يحتاج إلى قوى خارقة لتثبيته ، فإذا احتجبت تلك القوى الخارقة ذهب الإيمان !

نبخسه قدره ونغفل الواقع الذي عاشه الإِنسان بالفعل على مدار التاريخ ، مؤمنًا بالمثل والقيم والمبادئ ، وعاملا على نشرها وتثبيتها ، وكادحًا من أجلها في واقع الحياة .

ونغفل الواقع الإِسلامي كذلك ، الذي عاشه الإِسلام أكثر من ألف عام !!

ولا نكون مؤمنين ، إذا تصورنا إن الله سبحانه يصنع للناس هذا الصنيع كله ، فينزل عليهم كتابه ، ويرسل إليهم رسوله ، ويكلفه ما كلفه من إقامة أمة على هدى الكتاب ، وتربيتها على تشريعاته وتوجيهاته ، ويفصّل لهم في كتابه ما فصل من التشريع والتوجيه .. ليكون ذلك كله موقوتا ببضع سنين .. أو بضع عشرات من السنين !

إنه عبث يتنزه عنه بعض الفانين من أهل هذه الأرض .. فضلا عن أن يصدر عن الله خالق الكون والحياة !

كلا ! لم يكن الأمر الطبيعي أن تتقوض أركان المجتمع المسلم وتنحرف أصوله لمجرد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذهاب تأثيره المباشر على نفوس الناس .

ولم يكن طبيعيًا كذلك أن تظل على مستواها السامق الرفيع !

كان طبيعيًا أن تهبط بعض الشيء !

فقد ارتفع الناس كلهم على ذواتهم بالتأثير المباشر لشخصية الرسول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت