سالم التميمي
3/10/1425هـ
لم يكن رد الفعل الغاضب والعنيف ضد البيان المبارك للعلماء والدعاة في دعم المقاومة المشروعة التي يبديها أهل العراق المسلمين في وجه الاحتلال الأمريكي وحلفائه ( ما صار يعرف ببيان الـ 26) إلا مقياسًا موضوعيًا وواضحًا لمدى أثر البيان المبارك في تأصيل قضية جهاد الدفع، وتنزيلها على الواقع المعاش الذي نراه عيانًا بيانًا فيما يحدث في العراق بعامة، وفي الفلوجة المنكوبة بخاصة.
البيان الذي جاء ليتفق مع أصول الشريعة التي يعيها أصغر طلاب العلم، ومع الواقع المؤكد الذي يراه كل ذي عينين، لم يكن ليثير ما أثار من ضجة لولا معرفة قوات الاحتلال ومن وراءها أحلافها ومنافقيها بما يمكن أن يثيره من تحويل للقضية مما كانوا يروجون له من أنه ( تمرد ومقاومة محدودة من فئة لا نظر شرعيًا لها ولا تأصيل) ، إلى قضية عصبة مجاهدة تقوم بفرض الكفاية، وتدافع عن حرمات الآمة وشرفها في وجه المحتلين الغزاة، وتعرقل المشروعات ( الصهيو أمريكية ) ، ثم هي بعد ذلك تحظى بتأييد واسع في صفوف الأمة وعلى رأسهم علمائها وفقهائها.
وكأن أمريكا لم يكن يكفيها ما تعانيه من ضراوة الحرب في العراق مع المجاهدين في المثلث السني، وما تخسره كل يوم من رجالها ومعداتها في حرب استنزاف لم تخطر لها على بال، أقول كأن لم يكن يكفيها ذلك حتى توجت المقاومة بتشريع وتأصيل ومباركة من علماء الأمة ودعاتها لتطمئن القلوب، ويركن المقاومون ومعهم قلوب الأمة رجالها ونسائها إلى مشروعية الجهاد في العراق، ووجوب الوقوف معه وتأييده معنويًا على أضعف الإيمان، وقد قال العلماء - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أن لا أوجب بعد الإيمان من جهاد الدفع!
و إذا كان قتال أهل العراق - و الفلوجة على الأخص - ليس من جهاد الدفع فليت شعري أي شيء هو؟
الحملة المنافقة والظالمة التي تحالف فيها العلمانيون مع المرجئة في وجه المقاومة المشروعة لأهل الفلوجة في صورة بيان الـ 26 عالمًا، والتي لا تخدم إلا طرفًا واحد هو الغازي المحتل، وظفوا لها كل منبر إعلامي ممكن بطريقة هستيرية مجنونة، استباحوا فيها شرف الخصومة، وأمانة الكلمة، وحرية الكلمة، ونسفوا في خضمها علائق الأخوة ولوازمها الشرعية كالتناصر والتعاضد، والذب عن الأعراض والحرمات، وهي في مؤداها، بعيدًا عن كل التخريجات والسفسطات والتحايلات والأكاذيب والاتهامات التي تزخر بها؛ تطلب من أهل الفلوجة التسليم للذبح، والسكوت عن انتهاك الحرمات والأعراض ونهب الأموال والممتلكات دون مقاومة.
فماذا يريد المحتلون الغزاة أعظم من ذلك؟
أجلبوا بخليهم ورجلهم، واستدعوا كل ما في جعبتهم من شبهات وتهويشات ومناكفات، منهم من دينه السياسة، وقبلته المصلحة الدنيوية، فلأجلها ينسف أصول الشريعة، ومبادئ الدين، ولربما كانت المصلحة موهمة وبعيدة كل البعد عن الواقع تقول بنفيها كل المؤشرات العقلية والمنطقية.
ومنهم من يستدعي نصوصًا شرعية، ونقولات سالفة يضعها في غير موضعها، ويسوقها في غير مساقها الشرعي الصحيح، ثم يبني عليها تخريجات عجيبة غريبة تنتهي إلى نفي جهاد الدفع، والدعوة إلى التسليم للذبح!
ومنهم من يذرف دموع التماسيح على أهل العراق، ويدعي زورًا وبهتانًا أن المقاومة تؤدي بالعراق وأهله إلى الدمار والتخريب والتهلكة، هذه الدموع الكاذبة والمشاعر الزائفة لم نرها ولم نسمع ما هو أقل منها حين كانت القاذفات الأمريكية تقصف أهل العراق أول الحرب قبل أكثر من عام - وقبله أفغانستان -، وتدك المساجد والمنازل على رؤوس أصحابها.
ومنهم من يحرف الكلم عن موضعه، ويورد بيانات وأقوال لعلماء معاصرين، ويوظفها لمضادة البيان مع أنها لا تخدم غرضه، ولا تقول بقوله، ولوسائل الإعلام في ذلك ألاعيب قذرة، وممارسات وضيعة.
ومنهم من يحاول أن يقلل من شأن موقعي البيان، ويصور قولهم على أنه قول معزول، وهؤلاء تغافلوا عمدًا عن بيانات ومواقف لعلماء آخرين كالعلامة الشيخ البراك والأطرم، وكأئمة الحرم في دعائهم لمجاهدي الفلوجة وغيرهم العشرات ممن أقوالهم مبثوثة كل على حدة.
أقلهم حالًا، وأحسنهم خصومة؛ من يرى أن موقعي البيان لم يعلموا حقيقة الوضع في العراق على وجه الدقة، وهذا ادعاء ليس له برهان، ومتى كان العلماء والدعاة يفتون في قضية ملمة ونازلة كهذه دون علم أو معرفة بحقيقة ما يجري؟
وهل نحن نتحدث عن جزيرة مهجورة في أعماق المحيط لا يدرى ما بها؟ أم عن بلد قريب نرى ونسمع أخباره وما يجري فيه صباح مساء، وينقل لنا فيه شهود العيان صغار الحوادث قبل كبارها؟
وكيف وعلماء العراق - بل وعلماء الفلوجة على الأخص - أفتوا بأنه جهاد دفع؟
لسنا نلزم كل أحد أن يتفق مع ما جاء في البيان ويقول بقوله، فلا إكراه في الدين، لكننا ننعي أن تضيق صدور البعض بحرية الكلمة، ويريدون أن يحجروا على الناس فلا يقول أحد إلا بقولهم، ولا يرى إلا رأيهم، وإلا فهو التخوين والتشكيك واستباحة الأعراض!
المصدر: http://www.almoslim.net/figh_wagi3/show_news_comment_main.cfm?id=232