إن الاختلاف بينهم في ألفاظه ومعانيه ورجاله وأسانيده، وضعفه ووضعه وصحته بلغ الغاية، ومع ذلك فإن جل الفرق قد تبنت تداوله والاستشهاد به، لأن كل فرقة وجدت فيه ما يمكن أن يعزز موقفها، ويجعلها الناجية، الحافظة لسنن رسول الله والممثلة للجماعة. وبعض هذه الفرق وضعت من الألفاظ ما يناسب مرادها، وكل ذلك يرفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وينسب إليه، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه أن يأتي بما لا يقبله كتاب الله -تبارك وتعالى- وأنى للقرآن أن يقبل ذلك، وهو الباني لهذه الأمة لبنة لبنة والحارس لوحدتها.
والحديث قد أفرد له الشيخ محمد سالم عزان دراسة خاصة نشرت في مجلة المسار، ثم نشرت مستقلة، وقد استقرأ فيها رواياته -كلها- عند سائر الفرق المسلمة، وبيّن ما في كل رواية من ضعف أو وهن أو إرسال أو تدليس أو جهالة، وقام بنقده ألفاظا وأسانيد، وخلص إلى أن الحديث لا يصح بحال وفق مناهج المحدثين لدى أية فرقة أو طائفة، وقد اتضح من دراسته أن تصحيح الألباني لبعض ألفاظ الحديث لا يركن إليه، فهو تصحيح في حاجة إلى تصحيح. ولعلنا نوفق إلى إفراد هذا الحديث بدراسة خاصة أخرى نبين فيها الآثار النفسية والعقلية والاجتماعية التي أحدثها هذا الحديث في البناء التربوي للأمة.
وقد أثرنا هذا الموضع المتخصص في هذه الدراسة التي لم نوجهها للمتخصصين، بل لجمهرة الأمة؛ لأننا رأينا أننا لا بد أن نصارح علماء السنة والشيعة -معا- في العراق بأن النجاة والهلاك أمران أخرويان، وأن الحكم في أي منهما منحصر بالله -تبارك وتعالى- فهو الذي يحكم بين عباده فيما هم فيه يختلفون.
أما الدنيا فهي دار العمل والابتلاء {ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (تبارك:2) ، ولن يغفر الله لمن يشرك به بعد أن يتضح له طريق التوحيد، ولن يغفر لأولئك الذين يفرقون كلمة الأمة، ويجعلونها شيعا وأحزابا، وينساقون وراء الطائفية السياسية - الذين يرون في كرسي السلطة مهما كان حجمه ما رآه بنو إسرائيل في العجل، إذ قال لهم السامري:"هذا إلهكم وإله موسى"، فالله -تبارك وتعالى- قال: ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: 32) ، وتبرأ منهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تبرأ منهم آله وأصحابه {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام:159) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على منع التفرق، وجعله مقرونا بالشرك.
وقوله تعالى:"شيعا"أي جماعات قد فارق بعضها البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك. فإن الإسلام واحد، وأمره واحد، وحبل الله واحد، فلا بد أن يكون المسلمون -شيعة وسنة، وعربا وكردا وتركمانا وغيرهم، وأهل مدينة وأهل بادية- يدا واحدة، وقلبا مؤتلفا واحدا. فإن ما حدث في الماضي ما كان ليحدث لولا تفرق كلمة أبناء الشعب، واختلاف قلوبهم.
ولعله قد تبين من دراستنا لحديث الفرق أنه لا أحد يستطيع تحديد الفرقة الناجية غير الله تبارك وتعالى. على أن النجاة والهلاك في الآخرة والجزاء والعقاب والثواب كل أولئك أمور تتعلق بالفرد من حيث هو فرد {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يُرَى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى} (النجم: 39-41) .
ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نادى في آل بيته، ومنهم بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء عليها سلام الله وبركاته: (يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا) فكيف تغني الطائفة أو الفئة أو الحزب عن المنتمين إليها، أحسنوا أم أساءوا. إنه لا يغني أحد عن أحد. فليس لأهل السنة أن يفاخروا الشيعة والمذاهب الأخرى بحجة أنهم"الفرقة الناجية". وليس للشيعة أن يفعلوا ذلك بحجة أنهم شيعة آل البيت وأنصارهم. فالمسلمون كلهم في حب آل البيت والانتصار إليهم سواء إلا الهالكين. وليس ذلك للإباضية ولا للزيدية ولا للسلفية، ليس لأحد من هذه المذاهب أن يدعي أن طائفته هي"الفرقة الناجية".
فالحقيقة كنز مدفون لا يعلم أبعاده -كلها- ولا يحيط بها إلا الله -تبارك وتعالى- والبشر في محاولة مقاربتها والوصول إليها سواء، كلٌّ وجهده وتوفيق الله له. فعلى الجميع أن يتمسكوا ويستعصموا بكتاب الله وحبله المتين لا بمقولات تاريخية أكل الدهر عليها وشرب ولم يبق منها إلا تلك الهياكل التي يبعث بها الحياة دعاة"الطائفية السياسية"عندما يرون لهم في ذلك مصلحة ومنفعة. فينبغي ألا يستخف مثل هؤلاء بين الحين والآخر بأبناء الأمة ليدمروا مقوماتها.
وقد تبين أن الأحزاب اللادينية -بعثية كانت أو شيوعية أو تغريبية- لا علاقة لها بالدين، ولم تكن الأديان في يوم من الأيام نسبا وصهرا، بل هي إرادة واختيار وتبن لرؤية كلية وإيمان ويقين وعبادة ونظام حياة، يتبع الإنسان فيه رسلا مبشرين ومنذرين يوحي الله إليهم بإذنه ما يشاء. فالأديان ليست برامج حزبية ولا أطرا حركية.
وبالتالي فدعوى أي من هذه الأحزاب النطق باسم دين ما أو مذهب ما هي دعوى لا تقبل على عواهنها ولا تؤخذ كما هي لمجرد إظهار احترام بعض رجال تلك الأحزاب لبعض الشعائر التي يتحول احترامها أو التنويه بها إلى رصيد دعائي لذلك الحزب.
إن الأحزاب الإسلامية ذاتها كثيرا ما تغير برامجها بعد الوصول إلى السلطة تحت ضغط عجلة السياسة، وتبدأ بإعطاء التفسيرات والتأويلات لما كانت تنادي به لعله بذلك يصبح منسجما مع ممارساتها السياسية. فكيف بتلك التي بنيت منذ البداية على اعتبار الدين معوقا للتقدم، معرقلا للتنمية، منافيا للمجتمع المدني، مقيدا للحريات؟!.
إنه ما من منصف حتى لو كان ذا انتماء بعثي يستطيع أن يقول: إن السنة في العراق بعثيون، أو إن حزب البعث في العراق حزب سني. فلعلنا قد وفقنا لإبراز ذلك من خلال التحليل الدقيق الذي سبق لنا لمفهوم"السنيين"ومفهوم"البعثيين". وقد قادنا البحث إلى تناول ذلك الحديث الذي كان له أبلغ الأثر في بناء نفسية التعصب ورفض الآخر وتحقيره والتعالي عليه بحجة وجود فرقة ناجية، وكل الأمة وفصائلها بعد ذلك هالكة!.
ولعلنا نوفق مستقبلا لتناول"الكرد"والقضايا التي أدت إلى سائر المشاكل التي عانوها في ظل الدولة العراقية. وسوف نحاول أن نتبين ما إذا كان لم يزل هناك أمل في رأب الصدع، ولمِّ الشمل، واستنباط دروس الماضي لبناء حاضر جديد، ومستقبل مشرق إن شاء الله، أو أن ذلك سيكون جزءا من التاريخ.
اللهم إن هذه الأمة قد عانت الكثير فهيئ لها أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. إنك سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هشام جعفر
الأمة -في الرؤية والتصور الإسلامي- تتكامل فيها عناصر أربعة هي:
1-جماعة يسودها الإيمان بالمقومات الأساسية للدين الإسلامي، أو مرجعية الإسلام، سواء اتخذ هذا الإيمان معنى عقديا (المسلم) ، أم معنى حضاريا/ثقافيا (غير المسلم) .
2-هذه الجماعة تملك إدراكا واحدا في كل ما له صلة بهذه المرجعية، وأهمها الخضوع لهذه المرجعية، واحترام ما ينبثق عنها كنظام متكامل للسلوك الفردي والجماعي، الذي تجسده الشريعة.