فهرس الكتاب

الصفحة 2573 من 3028

وبذلك ننفض أيدينا من هذه القضية، ولا نقول مع الكرام القائلين بإنشاء الأقسام والمراكز بالجامعات لدراسة أعمال المستشرقين،"فنذهب الزمان في مماشاة الجهال".

وإذا بدا هذا لونًا من التشدد، فدعونا نتساءل: لمن نصوب أعمال المستشرقين ثم كم من الزمن يلزم لذلك؟ ثم كم مجلدا يمكن أن تكفى لذلك؟

إن المستشرقين لا يكتبون لنا، وإنما يكتبون للمثقف الغربي، فهل إذا قمنا بتصويب أعمالهم، ونشرناها في لغاتهم، سيقرأها المثقف الأوروبي، ويسمع لنا، ويأخذ عنا، ويترك بني قومه؟

أعتقد أن الأمر أوضح من أن يجاب عليه!!

ثم إذا كانت أعمال المستشرقين تقدر بنحو ستين ألف بحث، فكيف نحاصر كل هذا الطوفان؟

لقد غبرنا زمنًا، وقضينا عمرًا، وأعمال المستشرقين مثل جبل المغناطيس، تجذبنا إليها جذبا، وتأسرنا أسرًا، وتجعلنا ندور في فلكها، وأعتقد أنه آن الأوان، وشب عمرو عن الطوق، فإذا أردنا أن نخاطب المثقف الغربي، فعلينا أن ندرس أقرب السبل، وأنجع الوسائل للوصول إليه، وتبلك هي الغاية التي تستحق أن نحتشد لها، ونحكم تدبيرها.

والله الكريم نسأل أن يجعل عملنا وقولنا خالصًا لوجهه الكريم، ودائمًا وأبدًا نبرأ من حولنا وقوتنا، ونلوذ بحوله سبحانه وقوته، فلا حول ولا قوة إلا به جل علاه. وهو نعم المولى ونعم النصير.

الدكتور عبد العظيم محمود الديب.

من هنا من داخل الموقع الفكري، والحصن الثقافي الذي ما زال مهددا من داخله يجيء كلامنا موجها إلى (المستغربين) لا إلى المستشرقين، إلى جماعة من أبناء أمتنا، ينطقون لغتنا، ويتكلمون بلساننا، ولهم ملامحنا وسمتنا، ولكن قلوبهم غير قلوبنا، فقد استلبوا حضاريا وثقافيا، وسقطوا في أسر الحضارة الغازية) (2) .

فإلى هؤلاء نتوجه بكلامنا.

نؤكد ذلك حتى لا يقول قائل: ألم تفرغوا من المستشرقين بعد؟ أما زلتم مشغولين ( بسبّ وشتم المستشرقين؟ إنكم ما زلتم تبددون الجهود، وتضيعون الأوقات، في الحديث عن ا لمستشرقين، والأولى أن تبذلوا جهودكم فيما ينفع من بحث مشكلات أمتكم وقضاياها. . . .. )

لا يقولن ذلك قائل، فنحن لا يعنينا أمر المستشرقين، وإنما مأساتنا في (المستغربين) الذين ما زالوا - رغم كل ما انكشف من خبأ المستشرقين ومستورهم - يحملون أفكارهم ويعيشون بمفاهيمهم، وهؤلاء (المستغربون) هم الذين ورّثهم الاستعمار - قبل أن يرحل عنا - قيادة الفكر، والتثقيف، والإعلام، جيلًا بعد جيل، ومكن لهم من وسائل القيادة وسلطانها.

هؤلاء (المستغربون) هم مأساتنا، هؤلاء الذين ديدنهم (الاستخفاف) بتراث أمتنا، بتراث كامل متكامل، بلا سبب، وبلا بحث وبلا نظر (3) . . . وأبشع من ذلك هذا الإرهاب الثقافي الذي يمارسونه بلا هوادة ولا رحمة، هذا الإرهاب الذين جعل ألفاظ (القديم) و (الجديد) ، و (التقليد) و (التجديد) ، و (التخلف) و (التقدم) ، و (الجمود) و (التحرر) ، و (ثقافة الماضي) و (ثقافة العصر) - سياطا ملهبة: بعضها سياط حث وتخويف لمن أطاع وأتى، وبعضها سياط عذاب لمن خالف وأبى (4) .

من أجل هذا نكتب عن المستشرقين، وفساد مناهج المستشرقين، لا أملًا في أن يثوب هؤلاء (المستغربون) ، أو تنقشع عنهم الغشاوة، فهم (سادة) و (قادة) وأصحاب (جاه) و (سلطان) (وطيلسان) ألفوا أن يسمع لهم الناس، ويطيعوا، وأن يوجهوا الفكر والرأي، فكيف يسمعون أو يقرءون؟؟.

وإنما الأمل في ناشئة من أبناء أمتنا، مازالوا يتحسسون طريقهم، عسى ألا يفتنوا بما افتتن به بعض (الأساتذة الكبار) فمن حق هذا الجيل الناشئ ، وهذا النبت البازغ، أن نبصره بقضية أمتنا، حتى يعرف خبأها، ويدرك سرها، فلا تخدعه عن نفسه وحقيقته تلك (الصفوة) التي (انبهرت) بالغرب، (فاندحرت) وظنت هذا الاندحار هو الرقي بعينه، فراحت لأكثر من قرن ونصف تجذب أمتنا وراءها، ولولا أصالة راسخة، وقوة ذاتية في هذه الأمة، لمسخت كما مسخ هؤلاء (المستغربون) ولكن شاء الله أن تستعصي أمتنا على المسخ والتشويه فغدًا - إن شاء الله - تعلو رايتها وتحمل رسالتها، رسالة السماء، إلى كل فجاج الأرض تحقيقا لوعد الله، ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم .

تقدر الأبحاث والكتب التي كتبها (المستشرقون) عن الإسلام، في الفترة من مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بنحو 60000 ستين ألف كتاب. فلم كل هذا الاهتمام؟؟ لم كل هذا العناء؟؟ ستون ألف بحث وكتاب، تاريخ الإسلام، وعقائده، ومذاهبه، وفقهه، وسيرة نبيه.. إلخ.. لم كل هذا؟!!.

إن الاستشراق يرمي من وراء ذلك إلى غايتين:

أولاهما - حماية الإنسان الغربي من أن يرى نور الإسلام، فيؤمن به، ويحمل رايته، ويجاهد في سبيله، كما كان من المسيحيين في الشام، ومصر، والشمال الإفريقي، وأسبانيا، من قبل، حين دخل الإسلام هذه الأصقاع، فدخل أهلها في دين الله أفواجا، وصاروا من دعاة هذا الدين الحنيف، وحماته والمنافحين عنه.

(بل أعجب من ذلك أيضًا أن دخلوا في العربية دخولا غريبًا، وصار لسانهم لسانها، بل أعجب من ذلك أيضًا، أن خرج من أصلابهم كثرة كاثرة من العلماء الكبار، الذين يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم(5 ) ) .

كانت هذه غاية الاستشراق منذ نشأته، محاولة تبشيع صورة الإسلام وأهله، حتى لا يتتابع من بقي من رعايا الكنيسة على الدخول في الإسلام مثلما فعل أضرابهم من أهل الشام ومصر والشمال الإفريقي، والأندلس.

كان هذا الفزع يسوق حركة الاستشراق منذ نشأته، ويوجهه لتعبئة أتباع الكنيسة، ورعاياها، وتجييشهم، ووضعهم تحت السلاح دائمًا.

وثانيتهما (6) : (الغاية الثانية للاستشراق) هي معرفة الشرق، ودراسته، أرضه، ومياهه وطقسه، وجباله وأنهاره، وزروعه وثماره، وأهله، ورجاله، وعلمه وعلمائه ودينه، وعقائده، وعاداته، وتقاليده، ولغاته و. . . . و. . . . كل ذلك لكي يعرف كيف يصل إليه ، فقد ظلت دار الإسلام مرهوبة مخوفة، لم تستطع الصليبية المقهورة أن تحاول - مجرد محاولة - اختراقها لعدة قرون، وكانت المناوشات، والاحتكاكات على الثغور والأطراف تحسم دائمًا لصالح الإسلام والمسلمين. . ولما حاولت الصليبية بجحافلها الغاشمة اختراق ديار الإسلام في مطلع القرن السادس الهجري، رجعت بعد نحو قرنين (489-690هـ) من الزمان مقهورة مدحورة.

ولكنها ما فتئت تدبر وتقدر، وتحاول الالتفاف حول ديار الإسلام، لما استعصى عليها اختراقها، وكان الاستشراق هو رائدها الذي يرتاد لها الطريق.

(كان المستشرقون جند المسيحية الشمالية، الذين وهبوا أنفسهم للجهاد الأكبر، ورضوا لأنفسهم أن يظلوا مغمورين، في حياة بدأت تموج بالحركة، والغني والصيت الذائع، وحبسوا أنفسهم بين الجدران المختبئة وراء أكداس من الكتب، مكتوبة بلسان غير لسان أممهم التي ينتمون إليها، وفي قلوبهم كل اللهيب الممضي، الذي في قلب أوربة والذي أحدثته فجيعة سقوط القسطنطينية في حوزة الإسلام) (7) .

ومن هؤلاء كان جيش من أهل الخبرة بكل ما في دار ا لإسلام قديمًا، وما هو كائن فيها حديثًا، من دقيق العلوم عند خاصة المسلمين، إلى خفي أحوال المسلمين، من عاداتهم، ومعايشهم، وطرائق أفكارهم، وخصائص حياتهم، إلى علم وثيق بشأن دولهم وأقاليمهم. وبلدانهم التي تغطي أكبر رقعة من الأرض.

وهم قد جمعوا كل ذلك، وعكفوا عليه، وتأملوه، ودرسوه، ونظموه ورتبوه بعناية فائقة، وبهمة وجلد وتنبه ونفاذ بصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت