وكان السبب أيضًا قي تنامي كراهية العرب والمسلمين عامة للسياسة الأميركية، ورفضهم لخططها وأطماعها في المنطقة العربية. وعلى الرغم من قيام إدارة الرئيس بوش بحملة إعلامية ودبلوماسية مكثفة ومكلفة لتحسين صورة أميركا في البلاد العربية والإسلامية، إلا أن الجهود الأميركية باءت بالفشل، بل وساهمت أيضا في تعميق الشكوك في مصداقية بوش وعقلانية سياساته.
ومن العوامل التي ساهمت في تعميق تلك الشكوك، اتجاه الرئيس بوش إلى استخدام عبارات عدائية تفتقر إلى الذكاء والحساسية مثل عباراتي الحرب الصليبية والإسلام الفاشي، وتناقض أقواله مع أفعاله، وعدم التزامه بما يصدر عن إدارته ورجاله من تصريحات، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين وحقوق شعبها المحتل.
وسادسًا، فإنه من أخطاء حرب المحافظين الجدد التي ليس لها سقف ولا زمان ولا مكان، تلك الخسائر الاقتصادية الكبيرة للاقتصاد الأمريكي، فقد تصاعد الإنفاق العسكري الأمريكي بمعدل خمسين مليار دولار سنويًا [من 265 مليار في عام 2002 إلي 535 مليار في العام الماضي] ، وحسب المصادر الأمريكية نفسها فإن ما تم إنفاقه علي الحرب علي الإرهاب خلال الأعوام الخمس الماضية بلغ 437 مليار دولار. أما الخسائر البشرية فقد بلغت في العراق وحده أكثر من 2600 جندي قتلوا وأكثر من 62000 أصيبوا بعاهات جسدية أو نفسية من جراء الحرب.
وسابعًا، فإن إدارة بوش الابن أيضًا في حربها البائسة هذه، ارتكبت أسوأ أنواع احتلال وقهر الأمم والشعوب، وهذا من شأنه على المدى الطويل الإساءة للإنسان الأمريكي. فهذا النوع من التدخل أسوأ من الاستعمار القديم، لأن الاستعمار القديم كان يهتم بالاستيلاء علي الأرض والموارد بينما يدع الناس وشأنهم، خاصة فيما يتعلق بدينهم وثقافتهم. ولكن الاستعمار الأمريكي الجديد جاء بأجندة محددة لتغيير البنية السياسية والثقافية للبلاد المحتلة.
ترويج المفاهيم والمصطلحات المطاطة
والخطأ الثامن أن الولايات المتحدة، ومعها الغرب كله، لم تحاول تحديد مفهوم واضح للإرهاب يجعل بالإمكان التفرقة بين العمليات الإرهابية غير المشروعة ضد الأبرياء وعمليات المقاومة الوطنية المشروعة ضد قوى الاحتلال والطغيان الأجنبية. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتظهر أن الدول الغربية عامة، وأميركا خاصة، لم تكن معنية كثيرا بحق الشعوب المضطهدة في الحرية والتحرير ومقاومة قوى الاحتلال الأجنبية. ولذلك اتجهت تلك الدول بقيادة أميركا إلى الخلط المتعمد بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، وذلك من أجل تجريم وتحريم كل عمليات المقاومة المشروعة باعتبارها عمليات إرهابية.
ففي بداية الحملة العسكرية في الحرب على الإرهاب قامت أميركا بتوجيه التهم للعرب والمسلمين عامة بكراهية الغرب والعمل على تدمير حضارته وطريقة حياته، من أجل ضمان تأييد الرأي العام الغربي للحرب الأميركية.
وهذه كلها أخطاء في الثقافة والسياسة والمنهج ستدفع ثمنها الولايات المتحدة، ومعها الغرب كله، على المدى الطويل، وسوف يتسبب ذلك في تأكد الضمير العالمي من عدم حيدة وموضوعية الغرب.
والخطأ التاسع أن بوش الابن قام بتدمير جسور الثقة مع العرب والمسلمين، مما ساهم في زيادة تعاطف الجماهير الإسلامية عامة والعربية خاصة مع المنظمات التي تعمل على نشر ثقافة مقاومة الهيمنة الأميركية، وسياسة الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية، ومفاهيم العولمة الاقتصادية والثقافية.
والخطأ العاشر الذي لن يستطيع الأمريكان، حتى بعد انتهاء ولاية بوش الابن، محوه، هو تورطه في صك مصطلح 'الفاشية الإسلامي'، بعد أن تورط قبل ذلك في أنه سيواجه العالم الإسلامي بحرب صليبية جديدة. فهذه المصطلحات بقدر ما تفصح عن حال من الانحطاط الفكري لدى النخبة السياسية الأميركية، في عهد المحافظين الجدد، ومن الأصولية المسيحية الرجعية التي ضخها نفوذ الجماعات الإنجيلية والصهيونية في المجتمع الأميركي، بقدر ما يُدخل إلى مجال السياسة عقيدة القوة العمياء بصفتها الطريقة الوحيدة لمخاطبة العالم وحماية التفوق الأميركي، ليُدخل معها منظومة قيم دينية ترفع فعل القتل والإبادة للعدو إلى مرتبة القداسة والواجب الديني تأكيدًا لرفعة مقام شعب في الأرض على مقامات شعوب أخرى.
ولقد أنتجت هذه القناعات الأيديولوجية والفكرية الخرقاء في السنوات الأخيرة حروبًا ظالمة مات فيها مئات الآلاف من البشر وتشوّه فيها أضعاف أضعافهم، ودُمّرت فيها أوطان وتمّ محوها أو تمزيقها، وعنصرية كريهة تجاه قسم من العالم لمجرّد اختلافه الديني والثقافي وعدم تسليمه بأحادية المعايير الثقافية والاجتماعية الغربية [الأمريكية على نحو خاص] ، واحتقانًا لا سابق له في الحدة في العلاقات الدولية بما في ذلك علاقات أميركا بحلفائها، وجموحًا مجنونًا إلى إلقاء القبض على مصير العالم والانفراد بتقرير شؤونه.
وهكذا فإن الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر أن هناك ظاهرة مسيطرة في العالمين العربي والإسلامي، وبين الجاليات الإسلامية والغرب عنوانها 'الفاشية الإسلامية'، وأنها خليفة النازية والفاشية والشيوعية، التي كافحها العالم الغربي كله خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها إلى حين انتهاء الاتحاد السوفيتي وسقوطه.
الفرق بين بوش الابن وهنتنجتون صاحب فكرة 'صِدام الحضارات أن هنتنجتون ذكر حضارات أخرى غير الإسلام مثل الكونفوشيوسية والبوذية، وإن رجّح انفراد الإسلام وحضارته بمواجهة الغرب، بينما ذكر بوش ست مرات خلال ثلاثة أسابيع الفاشية الإسلامية بمفردها في مواجهة كل العالم.
أخطاء في حق الأمريكيين أنفسهم
والخطأ الحادي عشر الذي لا يغتفر للإدارة الأمريكية المتعصبة، أنها قادت الإعلام الأمريكي والعالمي، ومعه جمهور السياسيين والكتاب الغربيين، إلى التأكيد على أن الإسلام كدين بجوانبه العقدية والتشريعية والتاريخية، وكذلك المجتمعات الإسلامية بكل مكوناتها المركبة المتداخلة والحركات الإسلامية على تعددها واختلافاتها البينة، الجميع متطرفون وإرهابيون. وهكذا تم استفزاز أسوأ ما أفرزه الغرب الأوروبي والأمريكي من تيارات محافظة سياسيًا ومتطرفة دينيًا لكي توغل في عدائها للإسلام والمسلمين والحركات الإسلامية، وتملأ العالم دعاية سوداء مضادة لهم أجمعين بينما أشعلت الحكومات المعبرة عنها نار الغزو والحرب في عديد من بلدان المسلمين.
والخطأ الثاني عشر هو خطأ في حق الشعب الأمريكي نفسه الذي تم انتهاك حقوقه المدنية والسياسية على يد إدارة بوش الابن , باسم مكافحة الإرهاب ومطاردة وإجهاض محاولاته. وقد قد أرهقت هذه الانتهاكات الأمريكيين , وأفقدتهم الثقة في إدارة الرئيس بوش الابن وسياساته ومغامراته العسكرية , دون أن يحقق هدفا واحدًا من الأهداف الثلاثة , التي وعد الأمريكيين قبل سنوات بتحقيقها , وهي القضاء علي الإرهاب , ومحاصرة انتشار أسلحة الدمار الشامل , وفرض الديمقراطية علي العرب والمسلمين.
الخطأ الثالث عشر هو أن إدارة بوش الابن المتطرفة جعلت أمريكا الدولة الإرهابية الأولي في العالم , فشعوب العالم كله، بما فيها الشعوب الأوروبية، أصبحت تعتبر بوش الابن إنسانًا خطرًا على السلم والأمن العالمي
الأربعاء 29 رجب 1427 هـ - 23 أغسطس 2006 م
-الصحوة جعلت الإسلام القاسم المشترك في أمورنا كلها.
-يغيب عن الحركات الإسلامية مناهج فقه الحركة.