فهرس الكتاب

الصفحة 1970 من 3028

ويتضح التحيز أيضًا في مصطلحي 'الحرب العالمية الأولى والثانية'.. فالإنسان الغربي ظن أن أوروبا هي العالم وما عدا ذلك فأسواق ومستعمرات .. كذلك استخدام مصطلح 'الرأي العام العالمي'.. والمقصود به بالطبع الرأي العالم الغربي. ويحدث التحيز حينما ننقل كلمة مختلطة الدلالة من لغتها فمثلًا ظهر مصطلح عندهم ترجمناه إلى 'حركة تحرير المرأة' ثم ظهر مصطلح آخر هو 'Feminist' ترجمناه أيضًا تحرير المرأة وحل محل الأول. وفي الحقيقة فإن المصطلح الأخير يشير إلى مدلولين مختلفين تمامًا فقد يعني تحرير المرأة ولكن دلالته أقوى على التمركز حول الأنثى. وحينما يبلغ التردي منتهاه لا نترجم المصطلحات بل نعربها فنقول كلاسيكية ورومانتيكية وبرجمانية والباروك - الخ. وهي كلمات لا معنى لها بالعربية رغم أنها تعني الكثير في سياق معجمها الحضاري. بل هناك من يشتق أفعالًا وأسماء من المصطلحات المعربة فيأخذ ون مصطلح 'الإيدولوجية' ويشتقون منه أن فلانًا 'يؤدلج' ويشيرون إلى 'التأدلج' - الخ.

الخروج من المأزق

يطرح الحل د. عبد الوهاب المسيري بقوله: إن القاعدة الأساسية ألا نترجم على الإطلاق وإنما ننظر للظاهرة ذاتها سواء في بلادهم أم بلادنا ، فندرس المصطلح الغربي في سياقه الأصلي ونعرف مدلولاته ،ثم نحاول توليد مصطلحات من داخل المعجم العربي .. لا يكون ترجمة حرفية ونقلًا بدون اجتهاد ولكننا سنولد مصطلحًا يصف ما نراه نحن، وتفسير من وجهة نظرنا نحن، وهذا لا يعني انغلاقًا عن الذات وإنما يعني انفتاحًا حقيقيًا على الآخر بدلًا من الخضوع له تمامًا أو رفضه تمامًا.

وهذا ما فعله الفلاحون الفلسطينيون حينما رأوا المستوطنين الصهاينة فلم ينخدعوا بكلام هؤلاء الرواد عن أنفسهم وتطويرهم للزراعة وإنما سموهم 'المسكوب' نسبة إلى موسكو .. أي الذين أتوا من موسكو أي الأجانب الدخلاء وهي تسمية أكثر دقة مما نتداوله حاليًا وهي 'المستوطنون'.

"الفرنكوفونية"كما هي الميلاد والنشأة والسياسة

مجلة البيان - (ج 129 / ص 90)

سيدي غالي لو

المقدمة:

الفرنكوفونية: اسم يطلق على تنظيم سياسي تشترك فيه عدة دول ناطقة

بالفرنسية ألفت بينها هذه الرابطة لتحقيق مصالح مشتركة ؛ وهي تنظيم يقابل

منظمة الكومنولث البريطاني ، إلا أنها أشد خطورة منها ؛ حيث إن الفرنكوفونية

تضرب جذورها في أعماق طبيعة الاستعمار الفرنسي ، قبل أن تستنزف الثروات

والخيرات ويَهلك الحرث والنسل فيجعل أعزة القوم أذلة .

الميلاد والنشأة:

لقد مهدت لميلاد منظمة (الفرنكوفونية) عوامل متعددة ؛ ففي أواخر الستينات ،

وخاصة بعد إعادة انتخاب (الجنرال ديجول) رئيسًا لفرنسا للفترة الثانية في 5/12/

1966م بعد أن كانت حركات التحرر والاستقلال تتقوى من مختلف الدول التي

كانت تخضع للاستعمار الفرنسي في آسيا وإفريقيا . ومن ثم ركز (ديجول) سياسة

فرنسا على المحاور الآتية:

1-تثبيت الاقتصاد الفرنسي .

2-التقارب مع ألمانيا للتخلص من النفوذ الأمريكي .

3-إبعاد بريطانيا من السوق الأوروبية المشتركة .

4-دخول فرنسا ميدان الإنتاج الذري .

فلا غرابة إذن أن يختفي المستعمر الفرنسي خلف الستار بعد استقلالات

الستينات ليحرك بأصابعه من خلف الكواليس أناسًا قد أحكم صبغتهم ، يتشدقون بقيم

الاستعمار الجديد وثقافته ، ويتعهدون بنبذ الثقافات الوطنية والقيم الدينية الأصيلة

وراء الظهور فكانت (الفرنكوفونية) وسيلة من وسائل الاستعمار الجديد اتخذتها

فرنسا للضغط على مجموعة من الدول النامية وتوجيه سياستها .

وكانت فرنسا تتظاهر بالانعزال عن فكرة تأسيس منظمة (الفرنكوفونية) في

أوائل انبثاق الفكرة سنة 1960م لعاملين رئيسين: الأول: شعورها بالعار من

جراء الجرائم البشعة التي ارتكبتها ضد الشعوب في عهد الاستعمار . والثاني:

تخوفها من أن تتهم بمحاولة استخدام اللغة الفرنسية كأداة جديدة للإمبريالية والسيطرة

على الدول التي فقدتها منذ عهد قريب . فمن المعلوم تاريخيًا أن الدول التي تعتبر

مهد اللغة الفرنسية ومنبعها الأصيل مثل فرنسا وبلجيكا وكيبيك ليست هي التي

دعت علنًا إلى تأسيس منظمة الفرنكوفونية ، ولكنها كانت تحرك الحبال من خلف

الستار .

وقد برز من بين المتشدقين بالفرنكوفونية كل من (ليوبولود سيدار سنغور) من

السنغال و (هماني ديوري) من النيجر و (الحبيب بورقيبة) من تونس و(شارل

حلو)من لبنان و (نورو دوم سيهانوك) من كامبودجيا .

ولقد لقيت دعوة هؤلاء في بداية أمرها مقاومة عنيفة من قبل قادة التحرر

الوطني في إفريقيا وآسيا ، الذين كانوا يصفون دعاة الفرنكوفونية بالخونة ، مما أخر

تنظيم الحركة رسميًا وهيكلتها حتى عام 1970م حيث أنشئ أول فرع من فروعها

المتخصصة وهو A . C . C . T . (وكالة التعاون الثقافي والتقني) . في (نيامي)

عاصمة النيجر .

وكان بعض رؤساء الدول ينتمون إلى فكرة (الفرنكوفونية) بالاسم فقط دون

الاندماج الحقيقي فيها ، خلافًا لرئيس كيبيك الذي كان يصرح بالانتماء إليها كما كان

يسعى جادًا لتحقيقها . وتستطيع كيبيك أن تنحو هذا النحو وتقف ذلك الموقف آنذاك ؛ لكونها منطقة ناطقة بالفرنسية باعتبارها لغة أصلية لها من جهة ، ولكونها

محتضنة من قِبَلِ كندا التي لم يسبق لها احتلال بلد إفريقي من جهة ثانية ، وهو

الأمر الذي يبعد عنها أصابع الاتهام ، ولذا لما نجحت فكرة الفرنكوفونية ، وتم

تأسيس وكالة التعاون الثقافي والتقني A . C . C . T . كان أول من اختير

لرئاستها هو الزعيم الكيبكي الكندي جان مارك ليجي Jean Marc Leger

أما اليوم فقد أصبحت الفرنكوفونية حقيقة ملموسة ، وصارت تلعب دورًا

بارزًا في توجيه سياسة فرنسا وعلاقاتها بالدول الأعضاء في هذه المنظمة البالغ

عددها الآن 49 دولة . وتتخذ هذه المنظمة من جامعة ليوبولد سيدار سينغور

بالإسكندرية جمهورية مصر العربية مقرًا لها .

السياسة العامة للفرنكوفونية:

تشمل السياسة العامة لمنظمة الفرنكوفونية ما يلي:

1-ربط الدول الأعضاء في المنظمة بفرنسا سياسيًا وثقافيًا وفكريًا واقتصاديًا . وتعتمد معظم الدول الإفريقية المنضمة إلى (الفرنكوفونية) على الفرنك الإفريقي

المرتبط بالفرنك الفرنسي في الأسواق المالية . وقد قامت فرنسا بتعويم عملة الفرنك

الإفريقي سنة 1994م مما سبب تزعزعًا اقتصاديًا خطيرًا لعديد من الدول الإفريقية .

2-التأثير على دول المجموعة الفرنكوفونية لاتخاذ مواقف مماثلة تجاه

القضايا والقرارات الدولية والإقليمية وخاصة القضايا والقرارات التي تمس مصالح

فرنسا .

3-إيجاد فرص غير متكافئة للتبادل التجاري بين فرنسا والدول الأعضاء في

المنظمة ، والعمل على كسر الحواجز أمام الصادرات الفرنسية إلى الدول

الفرنكوفونية .

4-تقديم المساعدة للدول الأعضاء في مختلف المجالات ، وخاصة في مجال

الثقافة والإعلام والتطوير التكنولوجي وتعليم اللغات والزراعة وحماية البيئة ..

وتعتاد فرنسا أن تعلن خلال مؤتمرات الفرنكوفونية عن تنازلها عن ديونها المترتبة

على عدد من الدول الأعضاء في هذه المنظمة .

دور فرنسا ومآثر ميتران:

لم تقم فرنسا بدور هام داخل الفرنكوفونية إلا في عهد الرئيس السابق:

فرانسوا ميتران الذي انتخب رئيسًا للجمهورية الفرنسية سنة 1981م ؛ وذلك أن

فرنسا كانت تنتظر لحظة انتهاء تلامذتها الأبرار من إعداد اللبنات الصلبة ووضع

الأسس المتينة لهذا الصرح العلماني العملاق قبل أن تقوم هي بدور المهندس الماهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت