فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 3028

والنماذج الممتازة في التاريخ الصالحة للقدوة ليسوا أفرادًا يمكن حصرهم ، ولكنهم أجيال وأجيال ، في مجالات الحياة كافة ، العسكرية والسياسية والتربوية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية وهذا لا يوجد في تاريخ أية أمة أخرى لما لهذه الأمة من خاصية الاستمساك بالمنهج الرباني.

والتاريخ الإسلامي هو الذي يسجل هذه الصور السامقة ويوضح دور الأمة وأثرها وفضلها على البشرية ، ولذلك لا نستغرب إذا ركز الأعداء في غزوهم الفكري على التاريخ الإسلامي حتى ناله كثير من التشويه والتحريف والتجهيل والتزييف والتفسير الخاطئ لأحداثه ومزاحمته بتواريخ الأمم الجاهلية حتى يبدو حلقة صغيرة أو كمًا مهملًا في تاريخ البشرية.

ولقد قام على تشويه التاريخ الإسلامي في العصر الحديث جيش بل جيوش من الاستشراق والتنصير ودوائر البحث ومكاتب المخابرات في الدول الغربية ، واستطاعوا أن يجندوا مجموعة من ضعاف النفوس والمغرورين والجهلة وضحايا الغزو الفكري في العالم الإسلامي لمساعدتهم ونشر أفكارهم بين المسلمين.

ونذكر فيما يلي بعض الوسائل التي استخدموها:

1-اختلاق الأخبار وإبراز المثالب:

وهذه أولى الوسائل التي استخدمها المستشرقون والمنصرون لتشويه صورة الحياة الإسلامية، وعقيدة المسلمين وسيرة رسولهم ، -صلى الله عليه وسلم- حتى ينفّروا أبناء جلدتهم من"الدين الإسلامي ، ويصورون المسلمين بأنهم وحوش وسفاكو دماء وأنهم يعيشون حياة تخلف وهمجية ، ويضعون ق-صلى الله عليه وسلم-ًا وحكايات تؤيد ما يقولون ، كما أنهم يسعون إلى تسقط الأخطاء وجمع المثالب وإبرازها على أنها الصورة المعبرة عن تاريخ المسلمين ، وهذه الوسيلة كانت غالبة على الكتابات الأولى للمستشرقين الذين كتبوا عن الدين الإسلامي وعلومه وسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتاريخ المسلمين ، سواء كانت مؤلفات أو مقالات في المجلات التي أنشأها المستشرقون في مختلفي الدول الأوربية (هولندا - روسيا - ألمانيا - بريطانيا - فرنسا - أمريكا - إيطاليا) أو في دوائر المعارف العامة."

وقد قل استخدام هذه الوسيلة في الكتابات المؤخرة لا إنصافًا للحقيقة وإنما تغييرًا في الخطة لأن الوسيلة الأولى لم تعد صالحة ولا مقبولة حتى في المجتمعات الغربية.

ومَن اطلع على كتب القوم وما تكتبه المجلات الصادرة عنهم ودوائر المعارف يجد ذلك واضحًا ، وهذا مثل واحد من أخف الأمثلة (كارل بروكلمان) - المستشرق الألماني الذي يعتبر حجة عندهم بل عند بعض الباحثين المسلمين ، ويعتبرونه من المعتدلين وقد يبالغ البعض فيعتبره من المنصفين في كتابه"تاريخ الشعوب الإسلامية"- ولكن إذا قرأت في هذا الكتاب رأيت العجب العجاب ورأيت التشويه ، بل رأيت الجهل الثقيل ورأيت الكذب الصريح. يقول في (ص31) :"الكعبة بناء ذو أربع زوايا يحتضن في إحداها الحجر الأسود ولعله أقدم وثن (3) عُبد في تلك الديار ، وكانت الكعبة تضم تمثال الإله القمري هُبَل ، بالإضافة إلى الآلهة الثلاثة المعبودة (اللات والعُزى ومناة) ".

وقوله هذا إما جهل حقيقي وإما كذب وتزوير ولا أظنه يجهل موقع العزى واللات ومناة وهو يبحث في كتب الجغرافيا والبلدانيات الإسلامية التي تحدد مواقع تلك الأصنام.

وفي (ص85) وهو يتحدث عن مسيلمة وسجاح يقول:"ففيما كان محمد لايزال على قيد الحياة ظهر في تلك البلاد رجل اسمه (مسلمة) وقد دعاه المسلمون مسيلمة من باب التصغير الذي يقصد به التحقير ، وادعى النبوة".

وهذه فرية ما سبقه إليها أحد ولا ضير أن ينتصر للكذاب المتنبئ ؛ لأن الكفر ملة واحدة ، ومعلوم عناية العرب بعلم الأنساب وبالأسماء وكل ما لدينا من كتب النسب والتراجم لا تذكره إلا باسم مسيلمة فمن أين جاء هذا الأفاك بهذا الاسم ؛ وقد جاء خبره واسمه في صحيح البخاري (4) من قول - الذي لا ينطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم- - فيما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

"بينما أنا نائم رأيت في يديَّ سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إليَّ في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا ، فأوَّلتهما كذابين يخرجان بعدي أحدهما العنسي والآخر مسيلمة".

كما أن مسيلمة قد كتب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا يقول فيه: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله (5) فهو أعلم باسمه من هذا المستشرق ، ثم إن الاسم - سواء كان مكبرًا أو مصغرًا - لا يحكي الحقيقة ولا يحكم على الشخص من خلاله ، وإنما الحقائق والأحكام من المواقف والإيمان أو الكفر.

والحقيقة أن ما كتبه عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتشريعات الإسلام وتاريخ الخلفاء الراشدين يمثل قمة السوء والحقد ، فقد رمى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل نقيصة ، وقال عن الوحي إنه حالة من الصرع والهلوسة ، وقال عن وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- إنه بسبب الحياة الزوجية الواسعة.

وكل الشعائر الإسلامية مقتبسة - في نظره - من اليهود أو النصارى أو الهنود أو الفرس ، ويدافع عن اليهود وينتصر لهم ويرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ظلمهم ، بل ينكر أصل النبوة فيقول:"نضجت في نفسه الفكرة أنه مدعو إلى أداء هذه الرسالة"! (6) . ويقول في نفس الصفحة:"أعلن ما (ظن) أنه قد سمعه كوحي من عند الله"، ويقول عن عائشة - رضي الله عنها:"أرملة النبي الشابة المحبة للفتنة" (7) ، ويتبنى آراء الشيعة في القرآن وأنه محرف (8) ... إلى غير ذلك من الترهات المبنية على الكذب و الافتراء.

وإن من وسائلهم أن ينقل بعضهم عن بعض ويرددون الفكرة الواحدة في مجموعة من الكتب والمقالات حتى إذا كثر القول بها ظُن أنها حقيقة لا تقبل النقاش.

* يتبع *

1-الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام،6.

2 -سفر الحوالي: العلمانية ، 535.

3-كرر وصف الحجر الأسود بأنه طقس وثني في ص61،76.

4-كتاب المغازي ، باب وفد بني حنيفة ، 8/89.

5-انظر: البداية والنهاية ، 5/51 ، وقال: رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه وهذا إسناد جيد حسن.

6-تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ، 36.

7-المصدر السابق ، 111.

8-المصدر السابق ،112.

مجلة البيان - (ج 21 / ص 68)

وسائل الغزو الفكري في دراسة التاريخ

ــ 2ــ

محمد بن صامل السلمي

تكلم الكاتب في الحلقة السابقة عن وسائل الغزو الفكري في تشويه التاريخ ، فذكر الوسيلة الأولى وهي اختلاق الأخبار ، وإبراز المثالب ، ويكمل في هذه الحلقة بقية الوسائل .

2 -استخدام المنهج العلماني ( اللاديني ) في البحث والنقد:

وهذا من أخطر الوسائل وأعظم المنجزات التي حققها دعاة الغزو الفكري ، وتمكنوا من تقريرها في كثير من جامعات العالم الإسلامي ومراكز البحث العلمي ، ولهذا المنهج آثار سيئة على تراث المسلمين ودينهم لأنه قائم على أسس من الفلسفة الوضعية التي تنكر الوحي والنبوات، ولا تقيم وزنًا للمنهج الرباني . ومن عجب أن يدعي أصحابه الموضوعية والحياد العلمي (1) ، مع كونه غير شرعي وغير علمي، أما كونه غير شرعي فأمر لا يحتاج إلى دليل ، أما كونه غير علمي فقد ثبت بالاستقراء والتتبع لما يكتبونه عن التاريخ والثقافة الإسلامية أنه يقوم على الأسس التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت