وبعض المنتسبين إلى الدعوة إذا تعامل مع الدعاة كان فظًا غليظًا ، ومخالفًا عنيدًا ، وإذا تعامل مع العصاة كان لينًا رفيقًا ، ومؤلفًا رقيقًا .
ومن أسباب امتناع التعاون وحصول ما يضاده ضعف الفقه لموضوع الاختلاف وما يسوغ منه وما لا يسوغ ، وما ينكر وما لا ينكر ، وما يسع المختلفين أن يتعاونوا وإن لم يتفقوا عليه وما لا يسعهم معه التعاون ولذا لا بد من العناية بهذا الجانب وفهمه .
ومن الأسباب أيضًا التعصب للموافق ، والتحزب ضد المخالف ، وهذا لا يليق بالمسلم فضلًا عن الداعية ، لأن المطلوب منه (( أن يدعو إلى الإسلام كله ، ولا يفرق بين الناس ، وأن يكون متعصبًا لمذهب دون مذهب ، أو لقبيلة دون قبيلة ، أو لشيخه ، أو رئيسه أو غير ذلك ) ). (( وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى ]وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[ وإذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله وتعانوا على البر والتقوى لم يكن كل أحد مع أحد في كل شيء ، بل يكون كل شخص مع كل شخص في طاعة الله ورسوله ، ولا يكونون مع أحد في معصية الله ورسوله ، بل يتعاونون على الصدق والعدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونصر المظلوم وكل ما يحبه الله ورسوله ، ولا يتعاونون لا على ظلم ولا عصبية جاهلية ، ولا اتباع الهوى بدون هدى من الله ، ولا تفرق ولا اختلاف ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (28/15) .
فعلى العاملين في مجال الدعوة أن يفطنوا لذلك فلا يقوموا بما يوهن صفوف الدعاة ويوغر صدورهم ، ويثير بينهم أسباب الفرقة .
د- الابتلاء وطول الطريق:
ليست طريق الدعوة مفروشة بالورود ، وليست سهلة الورود ، ولا قريبة المنتهى ، بل كما قال تعالى ] أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب [ البقرة [214] وقال تعالى ]أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [ العنكبوت [2-3] ، وإنها سنة إلهية ماضية ]ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب [ آل عمران [179] .
وسئل الشافعي: أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى ، فقال:لا يمكن حتى يبتلى ، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم ، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة .
وطريق الدعوة طويل (( ومن استطال الطريق ضعف مشيه ) )، فلا بد من الصبر على البلاء وطول النفس ، وإدراك أن الزمن جزء من العل
تأليف
الأستاذ؛ محمد قطب
قال عليه الصلاة و السلام:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها . قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال:"إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن". قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال:"حب الدنيا وكراهية الموت"."
رواه أحمد والترمذي.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
يشكو المسلمون اليوم من العولمة ونذرها الخطيرة التي تتهددهم، وحق لهم أن يشكوا، فهم في مقدمة المقصودين بها، سواء كان عنوانهم"العالم الإسلامي"أو"العالم الثالث"أو"الدول النامية"أو"الدول المتخلفة"أو"الدول الفقيرة"!
ولكنهم - في شكواهم وتخوفهم - قلما يتبادر إلى أذهانهم أنهم - بسبب تقاعسهم، وتفلتهم من تكاليف دينهم، وانحرافهم عنه خلال القرون الأخيرة - هم السبب الأول فيما يلقون اليوم من هوان وعسف، وأنهم هم - بسبب تفلتهم هذا - هم الذين أتاحوا لقوة جاهلية بربرية أن تفرض نفوذها على العالم، وتكتسحهم هم من الطريق!
وفي هذه الصفحات القليلة أحاول أن ألقي الضوء سريعا على بعض النقاط حول العولمة وموقف المسلمين منها، مبتدئا بالحديث عن أبعاد العولمة ثم عن مسئولية الأمة المسلمة عن بروزها وتمكنها ثم عن موقف المسلمين منها في الحاضر والمستقبل.
ولا يفوتني كذلك أن أشير إلى موقف"العلمانيين"من العولمة، وترحيبهم بها واستبشارهم بها على أنها الأداة الكاسحة (البلدوزر) التي ستقتلع لهم الإسلام من جذوره، بعد أن تعبوا هم - بفؤوسهم ومعاولهم - في محاولة هدمه واقتلاع جذوره، وباءوا من محاولتهم بالفشل والخذلان.
وفي الأخير نلقي نظرة سريعة على المستقبل المنظور: مستقبل العولمة، ومستقبل الإسلام.
وإن تكن هذه الصفحات القليلة لا تفي بحق موضوع ضخم كهذا، فإنما هي مجرد تذكرة، عملا بقوله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (1) وعلى الله قصد السبيل ومنه العون، وعليه التوكل، ومنه التوفيق..
محمد قطب
أبعاد العولمة
يتساءل كثير من الناس: ما المقصود بالعولمة على وجه التحديد؟
وبعيدا عن التعريفات النظرية نضرب مثلا من الواقع يبين الأبعاد الواقعية للعولمة.
منذ فترة ليست بعيدة عمدت الدول المنتجة للبترول إلى خفض الإنتاج بغية رفع أسعاره في السوق، بعد أن كانت قد انخفضت إلى الحضيض نتيجة الزيادة في الإنتاج. وبالفعل ارتفعت الأسعار، وقاربت القمة التي كانت قد وصلت إليها في سنوات"الطفرة".
وهنا تدخلت القوى"العظمى".. أو بالأحرى"القوة العظمى"لتفرض على الدول المنتجة أن تضخ في السوق كميات أكبر، لينخفض السعر إلى المستوى الذي يناسب مصالح القوى العظمى، أو بالأحرى يناسب جشعهم ومطامعهم.
وفي النهاية لم تجد الدول المنتجة بدا من الخضوع للضغط الواقع عليها، وتحت طائلة التهديد بالعقوبات اضطرت إلى رفع إنتاجها بالقدر الذي طلب منها أو قريبا منه!
ذلك مثال واقعي للوجه الاقتصادي للعولمة، لا يحتاج إلى جهد في استخلاص أبعاده ووسائله. فالعالم الثالث - الذي ينتج معظم البترول المستخدم الآن في الصناعة العالمية، والذي يمثل المسلمون الجانب الأكبر منه - يملك"خامات"كثيرة، تحتاج إليها الدول الصناعية، ولكنه لا يملك المصانع، ولا يملك الخبرة والتقنية التي يدير بها تلك المصانع إن وجدت. والذي يملك الخبرة والتقنية هو الغرب - وعلى رأسه أمريكا - ومن ثم فإن هذا الغرب يفرض على العالم الثالث - الفقير الجاهل المستضعف - أن يبيع له ما يملك من الخامات بأبخس الأثمان، ثم يصنّعها عنده، ثم يعيدها مصنعة فيبيعها للعالم الثالث بأغلى الأثمان، فيربح أرباحا كثيرة في وقت واحد: مادية ومعنوية. المادية ببخس سعر الشراء ورفع سعر البيع، والمعنوية بإذلال العالم الثالث وإشعاره دائما بالتبعية والضآلة والعجز.
هذا الوجه من وجوه العولمة أوضح من أن يحتاج إلى بيان!
ولكن له وسائل قد تحتاج إلى شيء من البيان.
فالخصخصة التي فرضت على دول العالم الثالث ذات أبعاد.
فمن أبعادها رفع سلطة الدولة عن ممتلكاتها"القومية"، فلا تعود تملك لها منعًا ولا منحًا ولا حماية ولا استغلالًا يعود عليها وعلى شعوبها بالخير، وإنما تملّك في الخطوة الأولى للقطاع الخاص، بحجة أنه هو الأقدر على إدارتها واستغلالها، أو بأية حجة من الحجج التي قد تكون صحيحة في ذاتها، ولكنها لا تخفي السبب الحقيقي!