تأمل يا رعاك الله، تأمل وعُد إلى نفسك وتخيّل أن القيامة قد قامت، وأن الأولين والآخرين قد قاموا في صعيد واحد، وأنت تعلم أن النبي قد قال: (( المرء مع من أحب يوم القيامة ) )رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني، وقال: (( ولا يحب رجل قومًا إلا حشر معهم ) )رواه الطبراني في الصغير والأوسط وصححه الألباني، تأمّل وتخيل نفسك عندما يحشر الناس مع الصحابة والتابعين وخيار الأمة وأنت تحشر مع الممثّل الأمريكي أو اللاعب الأرجنتيني أو المطرب الهولندي أو غيرهم ممن لا خلاق لهم ولا دين من العرب الذين ساروا في فلكهم وساروا في أطروحاتهم وأفكارهم، وأصبح أحدهم مسلمًا بالاسم ولكنه غربي بالفكر، كيف سيكون موقفك عندما تحشر مع اليهود والنصارى أيها المسلم؟! تأمل ذلك قويًا، وعد إلى نفسك بالحساب، ولا تنتظر من أحد أن يجرّك، فكن أنت الذي تجرّ نفسك، كل امرئ مسؤول عن نفسه يوم القيامة، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38] .
ولننتبه يا عباد الله، يا أيها الشباب، لتنتبهوا من عدّة قضايا، من الفراغ فإنه مهلكة.
إن الفراغ والشباب والجدة…مفسدة للمرء أي مفسدة
كما ينبغي أن ننتبه من رفقاء السوء، وما أكثرهم في هذا الزمان، الذين يزينون للإنسان المعاصي والمنكرات، وهو يريد أن يجترك إليها من حيث لا تشعر، فأشغل نفسك بذكر الله، وأشغل نفسك بمعالي الأمور، وما أكثر الأماكن التي يشغل الشاب المسلم فيها وقته عبر المراكز وحلقات الذكر والدورات العلمية وغيرها وحلقات التحفيظ ومجالس الذكر والمحاضرات وزيارة العلماء وطلبة العلم وغيرها وغيرها من أعمال الخير التي لا تخفى عليكم.
كما ينبغي ـ يا عباد الله ـ أن ننتبه من هذه الملهيات ومن هذه المغريات التي غزتنا في هذا الزمان، لننتبه يا عباد الله، ولنعلم أنه جيش جديد يريد أن يجتثنا من أصولنا، وأن يقضي علينا، وأن نكون تبعًا لأعداء الإسلام من الشرق أو الغرب.
ألا وصلوا وسلموا على خير الخلق محمد بن عبد الله عليه من ربه أفضل الصلاة وأتم التسليم...
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4893)
أحمد المتوكل
تاونات
مسجد الرميلة
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون، إن المسلمين إذا زاغوا عن طريق الحق لعبت بهم الأهواء، وساقتهم حيث تشاء، وإذا انحرفوا عن أخلاق الإسلام وفرطوا في قيمهم حلت بهم المصائب والأدواء، وسلكوا طرق الضلال والإغواء، وانهزموا وتسلط عليهم الخصوم والأعداء، وكان مصيرهم التأخرَ والهامشية والانزواء، والسير في ركاب الغالبين الأقوياء. وإن المتأمل في واقع المسلمين اليوم يرى ذلك تماما، وتظهر له هذه الحقائق جلية.
إن المسلمين المنهزمين اليوم قلدوا الغرب"القوي"في كل شيء سافل تافه من الأقوال والأفعال، ليس في العلم والاختراع والصناعة والابتكار والجدّ، قلدوه في الأخلاق والأكل والشرب واللغة والعادات وفي قوانين الحكم ونظم الحياة. ومن جملة ما قلدوه فيه مصيبة الاحتفال برأس السنة الميلادية، لقد انتشر هذا المنكر الشنيع بين المسلمين وانشغلوا به انشغالا كبيرا، واهتمّوا به وتهيّؤوا له، واتخذوا مناسبته عطلة وعيدا لهم، وذلك بسبب ضعف الإيمان في قلوبهم وتقليد النصارى واتِّباع سيرتهم ونهجهم في كل ما يفعلونه، وبسبب الانبهار والإعجاب بحضارة الغرب المادية الزائفة والانخداع ببريقها المخدر، وبسبب الغزو الفكري والثقافي والترويج الإعلامي المسموع والمقروء والمرئي الذي يحرّض على هذه الضلالات، ويلفت إليها أنظار الناس وأسماعهم، ويحرك قلوبهم لها، ويثير أهواءهم للاستعداد لها، فما إن تقترب هذه المناسبة حتى ترى المسلمين يستعدون لها وكأنها من أصول الإسلام، بل منهم من يعتبرها أهم وأولى من الأعياد والمناسبات الدينية والأحداث التاريخية الإسلامية، فجعلوها معيارا يسير عليه التاريخ، بدل اعتماد التاريخ الهجري الذي يجعل المسلمين مرتبطين بأصولهم ومطلعين على تاريخهم المملوء بالأمجاد والبطولات والمفاخر، وسبب ذلك أن الناس أصيبوا بخلل في معارفهم الدينية ونقص في زادهم الإيماني، حتى أصبحوا لا يفرقون بين ما هو حلال وبين ما هو حرام، ولا بين ما هو أصيل ولا ما هو دخيل.
أيها المسلمون، إن الله عز وجل هدانا صراطا مستقيما، وهو صراط الصفوة الأخيار من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وجاءت شريعة الإسلام لتقيم لنا هديا مخالفا لهدي الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، فشريعتنا متبوعة لا تابعة، وناسخة لا منسوخة، قال الله عز وجل في سورة الجاثية: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18] ، والمسلم الذي يصلي لربه عز وجل يدعوه في كل ركعة أن يدُلّه ويُثَبّته على هذا الصراط وفي نفس الوقت يشارك النصارى في احتفالاتهم وعاداتهم يكون صنيعه هذا منافيا لما قررته الآية الكريمة من سورة الفاتحة، ويكون متناقضا مع قوله وفعله، وكاذبا في ادّعائه، وفيه نفاق وخلل في التصور، فهو يصلي ويصوم، ولكن إذا حل رأس السنة الميلادية تبع النصارى وفرح معهم وأقبل عليهم بالوجه الذي يرضيهم، قال النبي: (( إن شرّ الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ) )رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. وإن الله سبحانه نهانا أن نميل ونركن إلى الذين ظلموا وحادُوا عن سبيله ونشاركَهم في ضلالهم وفجورهم، حتى لا يصيبنا ما يصيبهم، فقال العلي الأعلى سبحانه في سورة هود: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ [هود:113] .