أمام المد الأصولي المزعوم للإسلام تنبري أصولية علمانية تشحذ سيوفها وتقذف حججها وتذهب إلى حد ممارسة الترهيب بالقوانين بدل الترغيب بالحوار. فصدور قانون يمنع ارتداء الحجاب سيؤدي آليا إلى إبعاد المحجبات عن مدارس الجمهورية. حتى أن المدافعين عن حقوق المرأة اعتبروا أن القانون يحرم المحجبات من"فرصة"الانضمام إلى الفلسفة التربوية العلمانية التي تضخها مدارس الجمهورية. على أن المطلوب من هذا القانون ليس إلغاء مشهد الحجاب في حد ذاته. فالحجاب ما هو إلا علامات وجود الإسلام في فرنسا. وقد يكون المطلوب أصلا إزالة ما يدل على تنامي الإسلام داخل مجتمع الجمهورية. ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن العلمانية الفرنسية لا تستطيع التعايش مع مظاهر الإسلام وعلاماته. وأنها (أي العلمانية) أرادت القبول بإسلام فرنسي غير مرئي وغير مسموع. فالجمهورية ومن اجل احترام حساسية الفرنسيين ومشاعرهم أمام الاحتمال"العدواني"الذي تحدث عنه شيراك، قبلت على مضض بإقامة قاعات صلاة بعيدة من مراكز المدن داخل الأقبية ووراء الجدران. على أن ما أرادته الجمهورية العلمانية أن يكون إبعادا وإقصاء تحوّل إلى جيتو يتغذى من ثقافة هذا الإقصاء ويؤسس لإسلام خاص ينفر من واقعه الفرنسي ويفتش عن مصادره ليس في إسلام الخارج فحسب، بل يستلهم حركته من إسلام أصولي ينهل من منابع الماضي وخيالاته.
بقلم/ دانييل أمسون**
لقد نطق الرئيس الفرنسي أخيرا وأعلن قراره، لكنني أرى من وجهة نظري ضرورة عدم وضع تشريع يمنع الحجاب الإسلامي؛ لثلاثة أسباب على الأقل:
أولها: أن الإطار القانوني لمناقشة القرار الأخير كان يرتكز على أساس وجهة نظر مجلس الدولة التي تم إعلانها في 27 نوفمبر 1989، وتؤكد على منع أي علامة دينية مميزة في المؤسسات العامة للدولة، وهي وجهة نظر تستجيب تماما لقواعد علمانية الدولة الفرنسية. إلا أن هناك مبدأ آخر كان من الواجب أخذه في الحسبان؛ هو مبدأ حرية التعبير عن المعتقدات الدينية، وبسببه أضاف المجلس الأعلى للدولة جملة"على ألا تتسبب التشريعات التي تحد من هذه العلامات في أي ضغوط أو إثارة أو دعاية، ولا تنال من كرامة الطالب، ولا تعوق سير الأنشطة التعليمية، ولا تبلبل النظام في المؤسسة أو السير الطبيعي للخدمة العامة".
لكن هذا القانون الأخير يسمح باستبعاد الطالبات اللواتي يرتدين الحجاب أثناء دراستهن؛ مما سيسبب حتما عدة اضطرابات ستؤثر في نظام المؤسسة، وستعوق كذلك من سير أنشطة التعليم بالنسبة للطلبة.
وثاني هذه الأسباب أكثر أهمية؛ إذ هل يمكن تخيل مدى الجدل الذي سيثار حول أي مشروع لقانون عن الحجاب الإسلامي، حتى وإن كان مشروع القانون يقتصر على منع ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة. فهل المرحلة التالية هي أن يناقش شكل الحجاب المسموح به وألوانه مثلا؟
إن لجنة ستاسي لم تطالب إلا بمنع العلامات الدينية الظاهرة من الصلبان الكبيرة والحجاب والطاقية اليهودية في المدارس، وركزت على الفصل بين مثل هذه العلامات"الواضحة"وغيرها من المظاهر التي لا تعد دليلا صارخا على الانتماء والتمييز الديني، مثل الميداليات والصلبان الصغيرة، ونجمة داود، والمصاحف الصغيرة. إلا أن الواقع هو أنه لا يوجد أي معيار موضوعي لتحديد"العلامة الدينية الظاهرة". معناها الحرفي في القاموس هو"علامة يتم إعلانها بوضوح لتمييز بعض الأفراد عن غيرهم"؛ لذلك فربما كان الحجاب والطاقية اليهودية والصلبان الكبيرة علامات ظاهرة، ولكن فقط لمن يهتمون بالأمر، وليس لأي شخص لا تعنيه المسألة برمتها.
إضافة إلى ذلك فإن لجنة ستاسي قد ذكرت الأمثلة الشائعة للعلامات الظاهرة فقط، لكنها لم تذكر شيئا مثلا عن الملابس التي يمكن لها أن تقوم بدور في التمييز، وتشير إلى الانتماء إلى أي طائفة دينية أو مذهبية في فرنسا.
لذلك فلا بد أولا من تحديد معيار موضوعي للعلامة الظاهرة، وهو أمر يصعب بشدة، بل ربما يجد المشرع نفسه في موقف حرج ومضحك، وهو يصر على تحديد مفهوم جامع شامل للعلامة الدينية المميزة؛ فيتخيل موضات الملابس التي يمكن أن يرتديها الطلبة والطالبات، ويحاول أن يفكر بعقولهم كي لا تفلت منه علامة واحدة قد يبتكرونها كي تميزهم ويعبرون بها عن معتقداتهم.
وثالث هذه الأسباب أنه حتى إذا سلمنا بنجاح البرلمان في وضع نص تشريعي أكثر تماسكا وأقل إثارة للانتقادات والجدل من التشريع الحالي؛ فستظل هناك مشكلة أخرى قائمة؛ هي متابعة تطبيق النص الذي سيتم التوصل إليه.
والواقع أن مشكلات تطبيق القانون من الأمور التي لا يمكن حلها. هل من الممكن مثلا إيجاد عقاب مثالي لمن يخالفون هذا التشريع لا يشعرهم بالظلم والاضطهاد؛ لأنهم يعبرون عن عقائدهم؟ والسؤال التالي هو: على مَنْ ينبغي توقيع العقاب؟ هل على أولئك اللائي يرتدين علامة دينية ظاهرة أثناء لحظة دخولهن إلى المؤسسة العامة؟ أم على اللائي يرتدينه على بابها أثناء خروجهن منها؟ أم على اللائي يخرجن من جيوبهم كي يرتدينها أثناء الدراسة؟ كل تلك الأمور ستحول المدرسين إلى حرس للمراقبة، بدلا من التركيز في مهمتهم الأساسية وهي التعليم. إلا إذا تم حل هذه المشكلة بتأسيس"حرس علماني"يكرهه الكل، ويتم نشر وتوزيع أفراده للمراقبة على كل الأماكن التي يتم إلقاء الدروس فيها؛ وهو ما يجعل الأمر شبه مستحيل.
فليفكر المشرعون إذن في المشاكل التي سيثيرها تطبيق القانون الجديد والتي ستضاف كذلك إلى المشاكل الموجودة أصلا فيه، ولم يمكن حلها حتى الآن.
فتش عن خصوصية العلمانية الفرنسية
يسرا زهران *
مظاهرة نظمتها 6 آلاف مسلمة بالعاصمة الفرنسية باريس احتجاجا على خطاب شيراك
"كل تلك الضجة التي أثيرت في فرنسا حول الحجاب سببها ببساطة هو أن فرنسا ليست كأي بلد آخر، وأن الإسلام دين ليس كأي دين آخر".
ربما كانت العبارة السابقة هي أكثر الجمل كشفا لما يجري الآن في فرنسا، رغم عنصرية كاتبها (كلود أمبرت، وهو يصف الإسلام دوما بأنه دين غير قابل للإصلاح، ولم يستطع أن يخفي شماتته بسبب قرار منع الحجاب وكل العلامات الدينية الأخرى في فرنسا مؤخرا) .
فقد كان من الممكن ألا تثار كل هذه الضجة لو أن ذلك القرار صدر في دولة أخرى غير فرنسا، لكن الأمر هنا يدور حول دولة تمزقت دوما بين طرفي نقيض: بين الخضوع التام لسلطة الكنيسة والرضوخ لحق الملوك الإلهي المقدس في الحكم، وبين العلمانية الصارمة التي صارت تحتل مكانة أعلى من أي شيء وأي ميول سياسية أو دينية أخرى، حتى كادت تصبح اليوم دينا مستقلا في حد ذاته، يمكن التضحية بأي شيء آخر في سبيله.
العلامات الدينية.. أم الحجاب؟
ظهر الرئيس جاك شيراك مؤخرا وهو يعلن عن قراره بمنع كل العلامات الدينية المميزة والظاهرة في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الطاقية اليهودية والصلبان الكبيرة والحجاب. لاقى قراره تأييدا مطلقا من جهات ورفضا عنيفا من دول أخرى ومؤسسات دينية رأت أن قراره يحد من حرية الفرد التي ينبغي له أن يحميها.
لكن الحجاب يظل دوما ذا وضع خاص؛ نظرا لارتباطه بأتباع ثاني أكبر ديانة في فرنسا اليوم، ونظرا لأن العديد من التيارات الفرنسية ترى أن القانون الأخير قد صدر أصلا بسببه، وأن إضافة الصلبان والطاقية اليهودية هي مجرد"خطوة تكتيكية وقائية"حتى لا يعتبر المسلمون القرار موجها ضد دينهم وحده.