فهرس الكتاب

الصفحة 2594 من 3028

والكتاب الذي نقدمه اليوم إلى القارئ الكريم يحتوي على ثلاثة فصول: يشتمل الفصل الأول منها على مدخل تاريخي حول نشأة الاستشراق وتطوره. أما الفصل الثاني - وهو الفصل الرئيس في هذا الكتاب- فإنه يتناول بالبحث مواقف المستشرقين بإيجابياتها وسلبياتها .

وفي الفصل الثالث والأخير نتحدث عن موقفنا - نحن المسلمين - من الحركة الاستشراقية .. والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل

د.محمود حمدي زقزوق

تمهيد:

ليس القصد من هذا المدخل التاريخي حول نشأة الاستشراق وتطوره أن يكون عرضًا شاملا يقف عند كل التفاصيل ويدقق في الجزئيات ويؤرخ لكل مرحلة من مراحل الاستشراق، وإنما القصد منه هو فقط إلقاء نظرة عامة تبرز لنا بعض المعالم الرئيسة والخطوط العريضة في هذا الصدد . نتعرف من خلالها على أهم العوامل التي ساعدت على نشأة الاستشراق وأهم المؤثرات التي كان لها دورها الفعال في تطور الحركة الاستشراقية، وما صاحب ذلك كله من تطور في النظرة الغربية للإسلام والحضارة الإسلامية بوجه عام . وتوضيح الجوانب يعد بمثابة تمهيد ضروري لفهم الاتجاهات المختلفة للمواقف الاستشراقية إزاء الإسلام والمسلمين . ولتحقيق هذا الغرض سنلقي أولًا نظرة على البدايات الأولى للاستشراق ومنطلقات هذه البدايات في القرون الوسطى، ثم نلقي بعض الضوء على مدى صلة الاستشراق بالتبشير، ونشير إلى بعض المحاولات الجادة التي ظهرت في أوروبا للتعرف على الإسلام، ثم ننتقل إلى الحديث عن ازدهار الاستشراق في العصر الحديث ومظاهر هذا الازدهار، ونتناول في هذا الصدد صلة الاستشراق بالاستعمار ودور اليهود في الحركة الاستشراقية. ونختم هذا الفصل بالحديث عن مستقبل الاستشراق

البدايات الأولى

الاستشراق هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي (4) . وكلمة مستشرق بالمعنى العام تطلق على كل عالم غربي يشتغل بدراسة الشرق كله: أقصاه ووسطه وأدناه، في لغاته وآدابه وحضارته وأديانه. ولكننا هنا لا نقصد هذا المفهوم الواسع، ولا يعنينا هنا أن نتعرض لبحثه، كما لا يعنينا أيضًا أن نتعرض للتغيرات الجغرافية والحضارية التي طرأت على مفهوم الشرق في مختلف العصور، وإنما كل ما يعنينا هنا المعنى الخاص لمفهوم الاستشراق الذي يعني الدراسات الغربية المتعلقة بالشرق الإسلامي في لغاته وآدابه وتاريخه وعقائده وتشريعاته وحضارته بوجه عام . وهذا المعنى هو الذي ينصرف إليه الذهن في عالمنا العربي الإسلامي عندما يطلق لفظ استشراق أو مستشرق، وهو الشائع أيضًا في كتابات المستشرقين المعنيين .

ومن الصعب تحديد تاريخ معين لبداية الاستشراق وإن كان بعض الباحثين يشير إلى أن الغرب النصراني يؤرخ لبدء وجود ( الاستشراق الرسمي ) بصدور قرار مجمع (فيينا ) الكنسي في 1312 م بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية في عدد من الجامعات الأوروبية (5) . ولكن الإشارة هنا إلى ( الاستشراق الكنسي ) تدل على أنه كان هناك استشراق غير رسمي قبل هذا التاريخ، فضلًا عن أن هناك باحثين أوروبيين - كما سنذكر فيما يلي - لا يعتمدون التاريخ المشار إليه بداية للاستشراق. ولذلك تتجه المحاولات في هذا الصدد لا إلى تحديد سنة معينة لبداية الاستشراق، وإنما إلى تحديد فترة زمنية معينة على وجه التقريب يمكن أن تعد بداية للاستشراق .

وليس هناك شك في أن الانتشار السريع للإسلام في المشرق والمغرب قد لفت بقوة أنظار رجالات اللاهوت النصراني إلى هذا الدين . ومن هنا بدأ اهتمامهم بالإسلام ودراسته . ومن بين العلماء النصارى الذين أظهروا في وقت مبكر اهتمامًا بدراسة الإسلام - لا من أجل اعتناقه ، وإنما من أجل حماية إخوانهم النصارى منه - كان العالم النصران يوحنا الدمشقي ( 676 - 749 م) . ومن بين مصنفاته في هذا الصدد

لإخوانه في الدين كتاب ( محاورة مع مسلم ) وكتاب (إرشادات النصارى في جدل المسلمين) (6) .

ولكننا لا نستطيع أن نعد مثل هذه المحاولات بداية للاستشراق. فيوحنا الدمشقي كان رجلًا شرقيًا عاش في ظل الدولة الأموية وخدم في القصر الأموي. ولهذا سنصرف النظر عن مثل هذه المحاولات من جانب النصارى الشرقيين، ونقصر حديثنا على العلماء الغربيين .

وهنا نجد أيضًا أنه ليس هناك اتفاق على فترة زمنية معينة لبداية الاستشراق. فبعض الباحثين يذهب إلى القول بأن البدايات الأولى للاستشراق ترجع إلى مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، بينما يرى ( رودي بارت(7) Rudi Paret ) أن بدايات الدراسات الإسلامية والعربية في أوروبا تعود إلى القرن الثاني عشر الذي تمت فيه لأول مرة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية ، كما ظهر أيضًا في القرن نفسه أول قاموس لاتيني عربي (8) . وما ذهب إليه بارت في هذا الصدد سبق أن عبرعنه كتاب المستشرق جوستاف دوجا ( تاريخ المستشرقين في أوروبا من القرن الثاني عشر حتى القرن التاسع عشر) .الذي صدر في باريس في نهاية الستينات من القرن الماضي وهناك من الباحثين من يجعل بداية الاستشراق قبل ذلك بقرنين ، أي في القرن العاشر الميلادي. ولعل هذا هو السبب الذي أدي بنجيب العقيقي إلى أن يجعل كتابه عن المستشرقين- في أجزائه الثلاثة - سجلًا للاستشراق على مدى ألف عام، بدءًا من الراهب الفرنسي جرير دي أو رالياك ( 940 - 1003 م ) الذي قصد الأندلس، وتتلمذ على أساتذتها في أشبيلية وقرطبة حتى أصبح أوسع علماء عصره في أوروبا ثقافة بالعربية والرياضيات والفلك، ثم تقلد فيما بعد منصب البابوية في روما باسم سلفستر الثاني (999 - 1003 ) (9) .

وعلى الرغم من أن الاستشراق - بناء على ذلك - يمتد جذوره إلى ما يقرب من ألف عام مضت فأن مفهوم ( مستشرق ) Orientalist لم يظهر في أوروبا إلًا في نهاية القرن الثامن عشر. فقد ظهر أولًا في إنجلترا عام 1779 م وفي فرنسا عام 1799م ، وأدرج مفهوم ( الاستشراق ) Orientalism في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838 م (10) .

ولكن المهم هنا ليس هو متى ظهر مفهوم ( مستشرق ) أو ( استشراق ) ، وإنما المهم هو متى بدأت الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، ومتى بدأ الاشتغال بالإسلام والحضارة الإسلامية سواء بالقبول أو بالرفض. وهذا أمر موغل في القدم - كما رأينا - أما المصطلح ذاته فلا يعني شيئًا أكثر من إقرار أمر واقع، وإطلاق وصف على الدراسات التي كانت قائمة بالفعل قبل ذلك بقرون عديدة، بصرف النظر عن مدى علمية هذه الدراسات أو موضوعيتها، فهذه مسألة أخرى قابلة للنقاش حتى فيما يتعلق بالدراسات الاستشراقية في العصر الحاضر . وعلى أية حال فإن الدافع لهذه البدايات المبكرة للاستشراق كان يتمثل في ذلك الصراع الذي دار بين العالمين الإسلامي والنصراني في الأندلس وصقلية، كما دفعت الحروب الصليبية بصفة خاصة إلى اشتغال الأوروبيين بتعاليم الإسلام وعاداته. ولهذا يمكن القول بأن تاريخ الاستشراق في مراحله الأولى هو تاريخ للصراع بين العالم النصراني الغربي في القرن الوسطى والشرق الإسلامي على الصعيدين الديني والأيديولوجي (11) . فقد كان الإسلام كما يقول ( ساذرن Southern ) يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوروبا على المستويات كافة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت