وهذا كان من الاسباب التي جعلت طغاة العصور القديمة يبجلون الواعظين ويجزلون لهم العطاء ويشيدون لهم المساجد الطويلة والاوقاف العريضة. وكلما كان الواعظ اكثر صراخا وعويلا في ذم الظلم كان أقرب الى قلوبهم. ذلك ان الواعظ يذم الظالمين، بينما صاحبنا الطاغية يعتبر نفسه من العادلين.
يجيد الواعظ عندنا سبك الخطب البديعة، فيستحسنها المترفون ويقولون له عند انتهائها:"لا فض فوك. كثر الله من امثالك". ثم يخرجون من مكان الاجتماع وقد عمرت افئدتهم بالدعاء لخير العباد. اما العباد فيبقون كما كانوا في شقاء مقيم.
انها مواعظ رائعة بذل اصحابها في نحتها كثيرا من أفانين النحو والصرف، والبيان والبديع. ثم يرمونها في الهواء امواجا يتلو بعضها بعضًا.
ومن حسن حظ البشر في الازمنة القديمة ان هذه المواعظ كانت تقتصر في أثرها على أمواج الهواء وحده. اما في هذا الزمان فقد صارت تشمل أمواج الاثير وأمواج الضوء أيضا لا سيما بعد انشاء محطات التلفزة والعياذ بالله.
انها على أي حال لا تحرك إلا الامواج، كما كان العبيد يحركون مراوح اسيادهم في قديم الزمان. فهي مواعظ للترويح أو المريخ. والاسياد يحبون من يمرخ لهم أو يروح.
* المصدر:مهزلة العقل البشري
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة
أقصر طريق يسلكه الحزب السياسي لكسب المعركة على السلطة، هي أن يلبس جبة الدين، ويطالب الدولة بتطبيق قوانين الشريعة. لكن مشكلة هذا الطريق القصير، أن قوانين الشريعة بالذات، لا تطبقها الدولة بل يطبقها المواطن. فإذا مرّت المغالطة، ونجحت الأحزاب الدينية في مسعاها، وتمّ تطبيق قوانين الشريعة في دول الوطن العربي، حتى صار لكل حكومة بوابة رسمية على الجنة، فإن المواطن العربي شخصيًا، سوف لن يشارك في هذا العرس، ولن يؤدي فيه دورًا نافعًا، سوى أن يحمل الطبل والحطب. إنه لا يستطيع أن يطبق الشريعة حتى بمعونة من فقهاء الحزب.
فالمشكلة من أساسها، ان المجتمع العربي نفسه، مجتمع غير شرعي، خلقته مؤسسات اقطاعية معادية لمعظم مبادىء الإسلام، من مبدأ المساواة والشورى، إلى مبدأ تحريم الحكم الفردي، وضمان حرية الحوار والقضاء. وقد تأسس على نظرية تحكيم القوة، والتعصب الطائفي، وتقديس الخرافة، وتحول منذ عصر الحجاج إلى مجتمع من الصيادين، قائم برمته على شريعة (اصطياد الفرص) . وإذا شاءت الأحزاب الدينية أن تطبق قوانين الشريعة في مثل هذا المجتمع المعقد، فإن المواطن العربي نفسه، سوف يكون آخر من يسمع.
فهذا مواطن لا يعيش في كتب الفقه، بل يمارس تجربة الحياة في مجتمعه عمليًا، ويعرف أنه مجتمع شريعته تحكيم القوة، وليس تحكيم الله، وأن ما يقوله رجال الدين بالذات، مجرد كلام في غياب الكلام. وهي رؤية يائسة _وغير دينية_ لكنها أيضًا رؤية مشروعة، لأنها مستمدة من قراءة الواقع، وقادرة على التعامل معه بنجاح. إن النص الشرعي يستطيع أن يقول ما يشاء على الورق، لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع اقطاعي، يملك تحت تصرفه شريعة عملية أخرى.
فالدين يحرم الرشوة، لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع اقطاعي، لابد من أن يرشو كل موظف يقابله، بكل عملة مقبولة في السوق. لأن الخدمات العامة في مثل هذا المجتمع، ليست حقًا دستوريًا للمواطن، بل"فرصة"عليه أن يصطادها بصنارة. فإذا كان الصيد حوتًا كبيرًا مثل استخراج رخصة للمقاولات الأهلية، يكون الطعم نقودًا وهدايا وعقود زواج وخدمات خاصة. أما إذا كان الصيد مجرد سمكة صغيرة مثل استخراج شهادة ميلاد، فإن الوصفة الشعبية تحتم أن يرقص المواطن حاجبيه، ويقول للموظف محييًا: (صباح الخير يا عسل) .
والدين يحرم ارتزاق المرأة بجسدها، لكن المرأة المحجبة التي تمنعها شريعة الاقطاع من فرصة التأهيل المهني، لا تستطيع ان تكسب عيشها دائمًا بالحلال. إنها"تتزوج"على سنة الله ورسوله، لكن شريعة هذا الزواج الناجم عن العجز والبطالة، أمر يصعب اثباته شرعيًا.
والدين يحرم السرقة، لكن المواطن الذي يعيش تحت سلطة اقطاعية، لا يستطيع أن يذهب وراء الدَين إلى حتفه. فالملكية تحت هذه السلطة ليست حقًا شرعيًا للمواطن، بل غنيمة، عليه أن يكسبها في غارة عسكرية. وهو شرط لا يوفي به المواطن الأعزل إلا إذا تعلم فن القتال الليلي، وأتقن التسلل من وراء ظهر القانون. إنه لا يستطيع أن يملك شيئًا بالحلال، في مجتمع مسروق برمته.
والدين يحرم القتل، ويتوعد القاتل بالخلود في النار، لكن المواطن المجند لحراسة رجل اقطاعي، لا يعرف كيف يطيع هذا الدين، من دون أن يخالف دينًا آخر. إنه لا بد من أن يحمل سلاحه ذات يوم، لكي يدافع عن سيده ضد الجياع والمظلومين بالذات. وهي مسيرة افتتحها الاقطاع في تاريخ المسلمين، بإبادة أسرة النبي شخصيًا، وقصف بيت الله بالمنجنيق.
والدين يحرم الكذب، ويهدد الكذابين بقطع ألسنتهم. لكن"رجل الاعلام"الذي يعمل في خدمة نظام اقطاعي، لا يستطيع أن يكفّ عن نشر الأكاذيب، حتى إذا كان أخرس. إنه ملزم بتسويق بضاعة بدائية فاسدة، وملزم بمخاطبة زبائن غاضبين لا يريدون الشراء. وفي ظروف تجارية من هذا النوع، يبيح رجل الاعلام لنفسه أن يتكلم لغة الحواة، ويعتبر خداع الزبون شطارة، ويسمي الكذب سياسة اعلامية، بغض النظر عما سماه الله.
والدين يحرم حكم الطاغية، ويسمي الطاغية نفسه باسم (فرعون) . لكن المواطن الذي يعيش تحت سلطة فرعون شخصيًا، لا يستطيع أن يردد هذا اللقب، حتى في منشور سري. إنه يعرف لغة الواقع، ويعرف أن الطاغية اسمه (صاحب السعادة) ، ويهنئه بعيد ميلاده سنويًا، في إعلانات ملونة على صفحتين.
والدين يحرم أكل السحت، ويعتبر تبذير أموال الناس، جريمة عقابها الحرق بالنار. لكن الحاكم الاقطاعي لا يستطيع أن يتوقف عن أكل السحت، إلا إذا كان الدين يريده أن يموت من الجوع. فهذا رجل شبه معوق، لا يجيد حرفة مفيدة، ولا يصبر على مشقة العمل، يحتاج يوميًا إلى ثروات طائلة، لدفع نفقات حراسه، وتغطية طلبات مساعديه، وشراء مديح الشعراء الذين تزايدت أسعارهم عصرًا بعد عصر.
إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة في مجتمع غير شرعي، مثل مجتمعنا العربي الحالي، فكرة تعوزها روح العلم والورع معًا. لأنها مجرد شعار حزبي، مفصّل على مقاس حزب سياسي، يريد أن يكسب معركة السياسة بسلاح الدين.
فالواقع أن الشرع الإسلامي، لا يمكن تطويعه لخدمة أغراض الاقطاع، لأنه لا يعيش معزولًا في صوامع رجال الدين، بل يعيش بين الناس، في كتاب بلغتهم العربية، يخاطبهم مباشرة من دون مترجمين، ويقول لهم كل يوم إن أول شرط لتطبيق الشريعة، هو إنهاء مجتمع الاقطاع. وفي وجه هذا المنشور السماوي، لا يملك الاقطاعيون وحلفاؤهم حلًا، سوى أن يجلسوا في انتظار القارعة.
المواطن العربي يملك نسخة من القاموس الأصلي، ويعرف أن تطبيق الشريعة، يحتاج أولًا إلى مجتمع شرعي، وأن الناس الذين يعيشون تحت سلطة فرعونية، لا يملكون مثل هذا المجتمع، وليس بوسعهم أن يطبقوا فيه شريعة أخرى سوى شريعة فرعون.
فالقانون الذي يحكم بقطع يد السارق في مجتمع اقطاعي، لا يستطيع أن يسري على جميع الأيدي السارقة، وليس بوسعه أن يحمي الناس ممن يسرقهم علنًا.