فهرس الكتاب

الصفحة 906 من 3028

3-ربما حملهم ذلك على الدخول في الإسلام والإيمان بالله ورسوله.

والخلاصة: إن تكثير آلات الجهاد، وأدواته، كما يرهب الأعداء الذين نعلم أنهم أعداء، يرهب كذلك الأعداء، الذي لا نعلم أنهم أعداء، (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) . . فالاستعداد للحرب يرهبهم جميعًا، ويمنعهم من الإقدام على القاتل.. وهذا ما يسمى في العصر الحديث، (السلام المسلح) .

ولعل الباحث يعرف أن إعداد القوة في الإسلام، والذي جاء الأمر به، ليس المقصود به إعداد قوة مماثلة لقوة الأعداء، ..لأن فريضة الجهاد في الإسلام، لا تنتظر حتى يتم إعداد قوة مماثلة لقوة العدو، لأن ذلك قد يطول.. ولو انتظر المسلمون في غزوة بدر الكبرى، حتى تتكافأ قوتهم، وقوة عدوهم، ما قامت للإسلام والمؤمنين قائمة.

إنما القلة المؤمنة بالله، والمعتزة بعقيدتها، اعتزازًا يفوق كل اعتبار، استعدت بقدر ما استطاعت، ثم خاضت المعركة فكان فيها الفرقان.

والآية الكريمة التي أمرت بإعداد القوة، فيها كلمة (تُرهبون) وقد جاءت بصيغة الفعل المضارع، وتشير إلى الغرض من إعداد القوة، وهو إلقاء الرهبة في قلوب أعداء الله، وأعداء المسلمين، المعلومين منهم للمسلمين والمجهولين . . وكم للإسلام والمسلمين من أعداء، لو يفقه المسلمون..

والآية الكريمة (وأعدوا) على اختصارها جمعت أنواع الإعداد للجيوش التي تتلاءم مع كل عصر وزمن، كالإعداد المادي، والإداري، والفني، والمالي، والتخطيط، والدراسة، الموضوعية لمقتضيات الأحوال..

ولقد فرض الإسلام على الأمة الإسلامية الإعداد بكل ما تشمله كلمة (إعداد) من معنى، وأن تبذل الأمة فيه أقصى الجهود الصادقة، ولم تغفل الآية الإعداد وقت السلم، ووقف القتال، حتى تكون الجيوش الإسلامية أشد فعالية، وأكثر قدرة قتالية..

والقتال في الإسلام مجرد من كل غاية أرضية، ومن دافع شخصي ليتمحض خالصًا لله لتحقيق كلمة الله، وإقامة العدل، ابتغاء رضوان الله.

قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) (آل عمران:142) .

والإسلام في هذه الآية الكريمة، يربط هذه الغاية الموجودة - دخول الجنة - بالسلوك العملي في الحياة الدنيوية، بحيث تصبح المقياس والميزان، الذي يدل على صحة الارتباط بالدين نفسه. . وقال تعالى: (قاتلوهم يُعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليمُ حكيم * أم حسبتم أن تُتْركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ) (التوبة 14-16) .

فكلمة (بأيديكم) في الآية تنفي تمامًا معاني التواكل، والإهمال، والكسل، وتؤكد حظ الجهد البشري في المواجهة لأهل الظلم والباطل. كما تفيد المسلمين، أنه لا أمل لهم إلا في أنفسهم. . وكلمة (أم حسبتم أن تتركوا) في الآية، فيها الدلالة الواضحة على أنه لا يجوز أن يتصور أهل الإيمان قيام الحياة ونظمها، على الخلو من معاناة الجهاد، والصبر، والبذل، والتضحية، وأن أي تصور يجنح إلى تجربة الحياة من غير هذه الخصائص، وهم باطل، لا بد من محاربته، حتى يكون المؤمن مستعدًا استعدادًا واقعيًا، يتمشى مع طبيعة الحياة.

والله سبحانه وتعالى لا يرضى أن يكون حملة الإسلام، وحماة الدعوة الإسلامية من الجامدين الكسالى، الذين ينتظرون النصر، لمجرد أنهم مسلمون. .

والأمة الإسلامية في أشد الحاجة إلى استيقاظ كل الخلايا فيها، واحتشاد كل القوى، وتوفر كل استعداد، وتجميع كل الطاقات، كي يتم النمو، ويتكمل البناء، لأن تحركات الأعداء لا تتوقف، وتكالب الأعداء، يزداد شراسة وسعارًا، ولا جرم، فإن الحق الأعزل ضائع.

ولما كانت ظاهرة الصراع تتعلق باستمرار ذاتها، كان للاستعداد لها، والاعتراف بها، المكان المقدم في الإسلام. ولذلك جاءت مقاييس التفاضل بين الأعمال، لتضع الجهاد في قلب المؤمن ونفسه، في المكان المتفوق على غيره من سائر الأعمال. قال تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًا وعدا الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيما، درجات منه ومغفرة ورحمة، وكان الله غفورًا رحيما ً) (النساء:95-96) .

والحق أن الذي يستعد استعدادًا صادقًا للبذل والتضحية والجهاد، تسهل عليه سائر العبادات. . لذلك فإن المؤمن في عملية الجهاد أو الاستعداد لها، يتجرد عن كل شيء، لله سبحانه وتعالى، وكأنه عقد مع الله صفقة أعطى فيها، وبها، لله كل شيء، ليفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فَيقْتُلون ويُقْتَلُون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) (التوبة:111) . وقال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) (آل عمران:169) .

وهذا يعني أن أسلوب الجهاد ضرورة للحياة الكريمة، وأي تقصير في التهيؤ والاستعداد له، يعرض صاحبه لنقصان في الإيمان، وفساد في العقيدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه(بالغزو) ، مات على شعبة من النفاق ).

وقد روى الطبراني عن أبي بكر رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال:(ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب ) .

والخلاصة: التي نفهمها من المنهاج القرآني والنبوي، أخذًا من الآيات والأحاديث، التي جاءت في ميدان الجهاد، والقتال.. أن واجب الأمة الإسلامية أن تهيئ نفسها بصفة دائمة ومستمرة إلى ضرورة الاستعداد.. حيث إن هذا الاستعداد والإعداد، جزء من العقيدة، وركن من العبادة، وقد ربط الله بتحقيقه سعادة المسلمين في الدنيا، ونجاتهم في الآخرة، وإن الأمة الإسلامية تملك من الطاقات البشرية، والعقول المفكرة، والإمكانيات المادية، والمواقع الاستراتيجية، ما يمكنها من أن تكون أعظم قوة في الأرض. لا لتضرب في عتو وتجبر، ولكن لتحفظ نفسها ومجتمعاتها. وتقيم العدل بين الناس، وتنشر الأمن والاطمئنان (ص 145) .

كلمة (التبشير) من الكلمات التي أطلقت على المنظمات الدينية النصرانية، التي تستهدف نشر الديانة النصرانية في المجتمعات الإسلامية والوثنية والإلحادية.

ومما يجدر أن نعرفه أن بعضا من الدارسين والباحثين، يستعملون في بحوثهم التي تتصل بنشر النصرانية كلمة (التنصير) بدلا من كلمة (التبشير) لأن كلمة التبشير في المعاجم تعني: الخبر الذي يفيد السرور، وبعضهم الآخر يستعملون كلمة (التبشير) هي لسانهم وعقيدتهم، ونحن نستعمل في بحوثنا كلمة الاستعمار، والشيوعية والاشتراكية، والعلمانية، والديمقراطية، كما ذكرها أصحابها، ولا مانع أن نذكر كلمة التبشير كما جاءت.

والتبشير -كما تذكره الموسوعات-: حركة دينية سياسية استعمارية، بدأت بالظهور إثر فشل الحروب الصليبية بغية نشر النصرانية في الأمم المختلفة، في دول العالم الثالث بعامة، وبين المسلمين بخاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت